العنوان حضارة الوفاق بين العلم والدين
الكاتب ا. د. عماد الدين خليل
تاريخ النشر السبت 04-فبراير-2006
مشاهدات 70
نشر في العدد 1687
نشر في الصفحة 66
السبت 04-فبراير-2006
جاء الإسلام.. وبضربة من يد الرسول صلى الله عليه وسلم وأيدي أصحابه رضوان الله عليهم.. تهاوت جدران الوثنية.. تساقط الأرباب.. حجارتها الصماء تحت الأقدام المتحركة صوب أهدافها الكبرى.. وفتح العرب المسلمون أعينهم يومًا فإذا بالسد الذي حجب عنهم الرؤية والحركة قد انزاح، وامتد الطريق أمامهم مستقيمًا واضحًا متجهًا كالسهم إلى أقصى تخوم الأرض.. وإذا بالسماء التي غيبتها غشاوة أعينهم طويلًا، تبدو الآن. واضحة للعيان، نقية زرقاء تنساح باطمئنان عجيب إلى ما لا نهاية.. وكيف لا يبدو الطريق مستقيمًا، والسماء منفتحة، وقد أزيح الركام، ورفعت هامة العربي لكيلا تنحني - من بعد - إلا لله؟
وفي عقود من السنين محدودة استطاع الإسلام أن يحول أهل الجاهلية إلى أمة متحضرة خرجت إلى أطراف الأرض تحمل علمها الجديد، وحضارتها المتوحدة لكي ترسم للعالمين مصيرًا جديدٍا.. من إلغاء الوثنية وكسر الحصار وفتح مجال الرؤية ومنح حرية الحركة تمكن الإسلام أن يصنع إنسانه المتحضر العالم الذي انطلق إلى تخوم حضارات شاخت وعلوم وهنت، وأفكار طغى عليها ركام الرؤى المشوهة والأضاليل.. خرج المسلم من الصحراء وهو يحمل قيمه الجديدة الحية، وتعاليمه الواضحة البينة ومعتقداته المتفردة الفذة، وتصوراته الكلية الشاملة، وتوحده الذاتي العجيب وطموحه الإيماني الذي لا يقف عند حد إلا ليتجاوزه إلى حدود أبعد، وسلوكه الأخلاقي الذي شد أنظار المتخبطين في عبودية كسرى وقيصر.. خرج المسلم من الصحراء لكي يصوغ بهذا كله حضارته الجديدة، وعلمه «الحركي» الذي أشعلته في ذهنه فتيلة الإيمان التي ما لها من نفاد.
انطلق المسلم إلى العالم مع إخوانه يحمل تعاليم الله ورسوله صلى الله عليه وسلم: تثبيتًا لمفاهيم التوحيد في كل مكان، ونشرا للعدل والمساواة في كل أرض.. وتفجيرًا للطاقات الحضارية والعلم الصحيح في فؤاد كل إنسان.. وانفتاحًا إنسانيًا نادرًا على كل ما يمكن أن تقدمه الحضارات القديمة من قيم ومعطيات تساعد الإنسان في تأكيد وتعميق هذه القيم جميعًا، ابتداء من التوحيد المطلق لله سبحانه وانتهاء بصياغة حضارة تضم جناحيها على منجزات البشرية منذ أن قدح الإنسان الحجر بالحجر فتطايرت الشرارة الأولى... وإلى أن يشاء الله فيبتكر المسلمون - من بعد - ويكتشفون ويخترعون ويقدمون للبشرية معطيات حضارة متوحدة فذة لم تعرف يومًا تفريقًا وثنائية وازدواجًا بين العلم والدين..
فها نحن قد عرفنا كيف أن الدين هو الذي بصر الإنسان وحركه، وهيأ له الأرضية الصالحة لبناء حضارة من أكثر حضارات التاريخ غنى وعطاء.. تلك التي أمدت عالم الغرب - فيما بعد - عن طريق الجسور التي أقامتها الأحداث بين العالمين بطرائق لا حصر لها في ميادين البحث والتجربة والتعلم والتحضر، وأتاحت له أن يصل - بما أضافه إليها من مبتكرات - إلى العصر التكنولوجي الحاضر.. ولكن شتان!! شتان بين علم وحضارة صنعهما دين عرف كيف يوحد الإنسان ويضم أرضه إلى سمانه بانسجام وتوافق معجزين، وبين علم وحضارة يصنعهما اليوم «روافض» لم يعرفوا عن الدين شيئا، ولا استذوقوا طعم السعي في ظلاله يومًا، ولا أدركوا أبعاد أفاقه التي لم تنغلق يومًا بوجه إنسان يبحث عن «طريقة» تضع طاقات الكون بين يديه وترمي بكنوزها عند قدميه..
شتان بين علم هيأ للإنسان «فعلًا» وحدته البشرية مع ذاته، ومع إخوته من بني الإنسان، وأتاح له «فعلًا» أن يكون سيد للعالمين وخليفة في الأرض.. وبين علم سحق وحدة الإنسان الباطنية والجماعية، ودمر على بني آدم قدرتهم على تحويل الإنجاز العلمي إلى وسيلة لسعادة حقيقية شاملة في الأرض والسماء.. علم أحدث تناقضًا مخيفًا بين كدح الإنسان المادي الملموس وبين مطامحة الروحية والأخلاقية النائية البعيدة.. شتان بين علم أخضع أعناق القوى المادية للإنسان، وبين علم أخضع أعناق بني آدم للقوى المادية.. واليوم تنصب طاقات البحث والتجريب من أجل ابتكار أشد الأسلحة مضاء في قتل الإنسان ودماره.. ويمد العلماء أبصارهم إلى اليوم الذي يتمكنون فيه من إلغاء العالم إلغاء بحفنة من جراثيم مكتلة، أو سموم مصنعة، أو قنابل لا تعرف شفقة ولا رحمة..
تلك تجربة التاريخ تعلمنا ماذا يمكن أن نجنيه من العلم في كلتا الحالتين.. وأي معلم أكثر تمرسًا وخبرات من التاريخ؟
(*)كاتب ومفكر إسلامي عراقي