العنوان لبنان: بيان المطارنة.. حرب الداخل تبدأ بالهجوم على دمشق
الكاتب هشام عليوان
تاريخ النشر الثلاثاء 10-أكتوبر-2000
مشاهدات 73
نشر في العدد 1421
نشر في الصفحة 42
الثلاثاء 10-أكتوبر-2000
أحدث البيان الحاد للمطارنة الموارنة الذي طالب بخروج القوات السورية من لبنان صدمة في الأوساط السياسية، واستدعى دوائر متعاقبة من الردود المتفاوتة.
فقد سارع مفتي الجمهورية الشيخ رشيد قباني ونائب المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى عبد الأمير قبلان إلى إصدار بیان معاکس حاول إقامة توازن مع البيان الأول عندما تحدث عن محاسن الدور السوري في لبنان بمقابل المساوئ التي ركز عليها بيان الموارنة.
ثم تولى رئيس الجمهورية إميل لحود دفة التجاذب السياسي بنفسه من خلال لوم القيادات المسيحية على ما جرى لها في الحرب الأهلية وما بعدها. وهو موقف نادر يدل على مدى الحرج الذي أصاب الرئاسة.
ولم تتوقف الردود عند هذا الحد، فإزاء المطالبة المسيحية الدينية بخروج القوات السورية أو الأخرى وقف التدخل السوري في لبنان، تحركت القوى الموالية تقليديًا لسورية وراحت تطالب بتطبيق البند الدستوري القائل بتشكيل الهيئة الوطنية المكلفة دراسة سبل إلغاء الطائفية.
حيثيات البيان الماروني
ماذا في البيان – النداء الماروني؟
حمل البيان أولاً على القانون الانتخابي الذي أوجد دوائر كبرى، ودوائر صغرى ففاز نواب بـ ۲۰۰ الف صوت وفاز آخرون في أماكن أخرى بعشرين ألفًا، وغرقت أقليات معينة ضمن أكثريات أخرى وتضمن البيان في هذه المسألة ما قيل على لسان المرشحين من تدخل الأجهزة الأمنية لاسيما السورية في تركيب اللوائح وإجبار المواطنين على الاقتراع المصلحة مرشح دون آخر ولائحة دون سواها.
وتطرق البيان إلى مسألة حساسة في اليد العاملة السورية في لبنان التي تزاحم اليد العاملة اللبنانية لكنه من جهة أخرى، أعطى للأزمة الاقتصادية بعدًا سياسيًا، مقللاً من أهمية العوامل الاقتصادية البحتة ضمناً، وذلك عندما نحا باللائمة على السياسات التي تتسبب بالأزمة ومن المعلوم أن هناك نظرية تروح لها قوى مسيحية تقول إنه لا توجد مشكلة اقتصادية حقيقية، بل إن استنكاف اللبنانيين عن الاستثمار في بلدهم هو الذي يؤدي إلى الاختناق الحالي وهم غير مستعدين للاستثمار ضمن بلد محكوم من سورية.
التوقيت والاستهداف
خطورة البيان تتعدى مضمونه المتجدد ولهجته القوية إلى توقيته وهدفه المباشر، فقد جاء البيان بعيد الانتخابات النيابية التي حملت المعارضة إلى واجهة الأحداث لاسيما الوزير السابق وليد جنبلاط وقد دعا جنبلاط صراحة إلى إعادة انتشار القوات السورية في لبنان وإلى تصحيح العلاقة اللبنانية السورية وتعديل الاتفاقات الزراعية بين البلدين يضاف إلى ذلك أن جنبلاط حمل بقسوة على رئيس الجمهورية، وانتقد دور الأجهزة الأمنية اللبنانية في تسيير شؤون الدولة والتدخل. في الحياة السياسية لاسيما الانتخابات وكان جنبلاط (الدرزي) قد خاض معركته الانتخابية بالتنسيق مع القوى المسيحية التقليدية والبطريركية المارونية من هنا يلاحظ التناغم بين الدروز والموارنة في هذه المرحلة، لكن المراقبين يرون كذلك. أن لهجة البيان تقطع الطريق على مشروع جنبلاط الذي يقضي باستيعاب القوى المسيحية تحت عباءته كان جنبلاط التقى الرئيس السوري بعد الانتخابات النيابية الشرح طرحه بخصوص تصحيح العلاقات اللبنانية السورية، وهو كان ولا يزال من أهم خلفاء سورية في لبنان، ولكنه على ما يبدو يستبق التطورات التي ثاني كامتداد للمتغيرات المحلية والإقليمية وأبرزها خروج الصهاينة من الجنوب وهو ما يؤدي تلقائياً إلى التحول للبحث في الدور السوري في لبنان، وغياب الرئيس حافظ الأسد مع ما يعني ذلك من فتح صفحة جديدة ليست بالضرورة منطبقة مع السياسات الماضية إزاء لبنان.
ويمكن القول كذلك إن المستهدف الأساسي من بيان المطارنة الموارنة كان رئيس الجمهورية تحديدًا وذلك بسبب تنسيقه القوي مع القيادة السورية وقيام الأجهزة الأمنية اللبنانية بالمهمات نيابة عن الأجهزة السورية في أحيان كثيرة ويدل على هذا الاستنتاج ما جاء في بيان دار الفتوى ثم في رد رئيس الجمهورية.
حرب البيانات
البيان الصادر عن مفتي الجمهورية ونائب رئيس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى عدد محاسن الدور السوري في لبنان، ونبه إلى خطورة المرحلة التي تقتضي الاعتصام بأعلى درجات الوعي والحذر والتنسيق مع سورية أحد أهم الضمانات لضرب المخططات الإسرائيلية التي تستهدف كل اللبنانيين، لكن النقطة الجوهرية في البيان في إحالة ملف الوجود السوري في لبنان إلى السلطات الرسمية اللبنانية بما يخدم المصالح العليا وفي إطار مسؤولياتها الدستورية، وهنا مربط الفرس كما يقال أي إنه ليس من حق أحد حتى البطريركية المارونية أن تتناول المسألة بمعزل عن المسؤولين اللبنانيين أما بيان رئيس الجمهورية فقد حوى خلاصة المشكلة بل جوهرها، حين المح إلى أن القيادات المسيحية كانوا أدوات في الحرب بحثا عن سلطة أو زعامة أو إرضاء الغريزة مذهبية أو طائفية ويقصد الرئيس السابق أمين الجميل وقائد الجيش السابق ميشال عون وقائد القوات اللبنانية المنحلة سمير جعجع.
ويفهم من جملة البيانات المتعاقبة أن هناك جفاء عميقاً بين البطريركية المارونية ورئيس الجمهورية (الماروني)، بسبب الموقف الرسمي المؤيد للوجود العسكري والأمني السوري، وبسبب رفض الرئيس لحود عودة العماد ميشال عون من منفاه بفرنسا ورفض إطلاق سراح سمير جعجع من سجنه المؤبد.
المشهد المسيحي
المشهد كما تعمل عليه البطريركية المارونية وخلفها القيادات المسيحية السياسية، يتضمن عنصرين أساسيين:
الأول : العمل على إعادة التوازن السياسي بين المسلمين والمسيحيين من خلال استعادة القيادات المسيحية لحرية التعبير والحركة، وقد عاد الرئيس السابق أمين الجميل إلى لبنان، وبات رقمًا في الساحة المسيحية، لا لأنه قائد محبوب فقد غادر لبنان منذ أكثر من عشر سنوات بعد انتهاء ولايته الدستورية، فاقداً لشعبيته المسيحية وممقوتًا من المسلمين للحروب المدمرة التي خاضها مستعينًا بالقوات المتعددة الجنسية، ولكن لأن النزعة الطائفية ترى ما لا تراه العقول والأمر نفسه ينطبق إلى حد كبير على حالة سمير جعجع، فحين اعتقلته القوى الأمنية بتهمة تفجير كنيسة عام ١٩٩٤ لم يتحرك المسيحيون للدفاع كما يفعلون الآن لإخراجه من السجن وكانه مبرأ من أي عيب!
حتى قائد الجيش السابق ميشال عون، أورد المسيحيين المهالك في مغامرة مجنونة ضد الجيش السوري عام ۱۹۸۹م فانتهت باتفاق الطائف الذي رفضه عون وسقط بسببه لكنه اليوم في خانة المظلومين ويطالب البطريرك بعودته مع أن عون أهانه عندما كان في السلطة.
أما العنصر الثاني، فهو خروج الجيش السوري من لبنان، وانحسار الدور السياسي والأمني إلى الحدود الدنيا، لكن الخروج السوري لن يؤدي بالضرورة إلى استعادة التوازن إلا إذا كان ذلك بمقابل ملء الفراغ من قبل قوى خارجية وفي هذا السياق ثاني الاتهامات من الطراف إسلامية ومسيحية موالية لسورية بأن البيان المشار إليه يخدم أهدافًا صهيونية وأمريكية.
وبغض النظر عن نية البطريركية المارونية واستهدافاها، بخصوص الدور السوري في لبنان فإن القوى الإسلامية على مختلف تياراتها ترفض الانقضاض على الدور السوري بهذا الشكل فالتوازن المفقود بين المسلمين والمسيحيين لا يعود سببه العميق إلى الوجود السوري، بل إلى حقائق الديموجرافيا أولاً وإن أي محاولة لإعادة التوازن بطريقة مشبوهة تستحق المقاومة، فضلاً عن أن خروج الجيش السوري من لبنان سوف يكشف الموقف السوري العسكري والسياسي، أمام الكيان الصهيوني والولايات المتحدة، وليس من مصلحة المسلمين حدوث أمر بهذه الخطورة.