; الانتفاضة الفلسطينية كشفت أوجه العجز العربي.. أنظمة فقدت مـبرر وجودها | مجلة المجتمع

العنوان الانتفاضة الفلسطينية كشفت أوجه العجز العربي.. أنظمة فقدت مـبرر وجودها

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر السبت 02-يونيو-2001

مشاهدات 45

نشر في العدد 1453

نشر في الصفحة 9

السبت 02-يونيو-2001

يومًا بعد يوم تدلل الأحداث المتصاعدة في فلسطين على حقائق عدة أهمها:

-سقوط ما يسمى بمسيرة السلام، ووهم الخيار الوحيد، وانهيار اتفاقات «مدريد» و«أوسلو»، «وشرم الشيخ». 

-صمود الشعب الفلسطيني وسقوط أوهام تخلي الفلسطينيين عن أرضهم وحقوقهم في العودة والدولة والقدس.

- وحدة الشعوب العربية والأمة الإسلامية خلف تيار المقاومة والصمود وانزواء المروجين للتطبيع.

- فقدان الأنظمة العربية التي جاءت بالانقلابات العسكرية والثورات ومن سار على نهجها لمبررات استمرارها بعد أن فقدت شرعيتها، وبرزت الحاجة لتأسيس شرعية جديدة. 

-فقد استندت تلك النظم في مبررات وجودها واستمرارها إلى الزعم بأنها تسعى لتحقيق أهداف تحرير فلسطين، وتحقيق الوحدة العربية، وقيادة حركة التحرر الوطني، والفكاك من أسر الهيمنة الاستعمارية، وتحقيق التنمية والاكتفاء الذاتي، وبعد قرابة نصف قرن من الدكتاتورية تحت زعم الارتكان إلى الشرعية الثورية قام بعض تلك النظم بمحاولة فاشلة لتأسيس شرعية جديدة عن طريق بناء ديكور ديمقراطي، وإيجاد هامش حرية يسمح بانتقادات هنا أو هناك، وتعددية حزبية مقيدة مشوهة وانتخابات دورية مطعون في نزاهتها وحريتها، وقد سميت تلك الحالة بـ(الشرعية الدستورية)، فعاشت شعوب تلك الأقطار في ظل دساتير مفصلة على مقاس بعض الحكام، تعطيهم كل الصلاحيات، وتحظر على الشعوب حق محاسبتهم، أو إبداء أي رأي إصلاحي حر، فهي تتابع عبر وسائل الإعلام فقط مناقشات برلمانات لا تستطيع عزل الحكومات، وينحصر دورها في مجرد النقد الموجه فإذا نظرنا في الآثار التي ترتبت على انتفاضة الأقصى المباركة نجد أنها كشفت بوضوح عن فقدان تلك الأنظمة لشرعيتها؛ حيث ضاعت مبررات استمرارها، ولعل ذلك يفسر حالة الهلع الذي أصابت البعض بسبب الانتفاضة، فالانتفاضة مستمرة وقد عجز شارون وزمرته عن إيقافها على الرغم من الدعم الذي لقيه من بعض الحكومات العربية سواء بالمساعدة الفعلية لوقف الانتفاضة عبر إطلاق بعض المبادرات، أو بالصمت والإعلام الجديد عبر الفضائيات، أتاح للشعوب أن تعيش لحظة بلحظة أحداث الذبح الجماعي لشعب أعزل وسط الصمت العربي، فزاد التعاطف الشعبي مع الفلسطينيين، ووصل التأثير إلى قطاعات كانت بعيدة عن العمل السياسي. وقد رفعت أمريكا يدها عن القضية، وهم الذين وضعوا في يديها أوراق القضية كاملة، رغم استجدائهم تدخلها عبر زيارات متتالية، رغم أن تدخلها لن يكون لصالح الشعب الفلسطيني، كما ظهرت قلة حيلة الاتحاد الأوروبي إزاء الهيمنة الأمريكية من ناحية، والغطرسة الشارونية من ناحية أخرى، والعجز العربي من ناحية ثالثة، وهكذا فقدت تلك النظم المعنية مبررات وجودها، وأسقطت الانتفاضة الباسلة ما كانت تستتر به من خرق بالية، فالنظم الثورية والانقلابية ومن استن بسياستها لم تحقق إنجازًا يذكر لقضية فلسطين، بل تدهور الحال إلى ما يكابده الفلسطينيون الآن، وهي لم تحقق إنجازًا يذكر بالنسبة لقضية التحرر الوطني حيث لا استقلال حقيقي، ولا تنمية وهي لم تحقق نظامًا عادلًا أو ديمقراطية حقيقية، ولا أمنًا ولا أمانًا، بل ها هو الفساد يضرب بأطنابه، ويكفي أن حجم النهب في بعض البلاد يساوى حجم الديون الخارجية، وأن حجم الثروات المنهوبة يزيد على ما تبقى للأمة، وأن العقول المهاجرة من أبنائه هي زبدة العقول العربية، ناهيك عن الفساد المستشري في الأخلاق والقيم والضياع شبه التام، حيث أطلقت تلك الحكومات المفاسد لإنهاء الشعوب، وهي لم تبن جيوشًا حقيقية قادرة على حسم معارك الأمة الحقيقية، فانهزمت في معظم المعارك التي خاضتها، وعندما انتصر العرب في رمضان (أكتوبر) أعلن بعضهم أن هذه آخر الحروب، لماذا هل انعدمت الثقة في القدرة على تحقيق نصر آخر؟ ما قيمة الأسلحة المكدسة إذا لم تكن قادرة على صنع النصر ومساندة المستضعفين في الأرض، خاصة إذا كان ما يهددهم هو نفس ما يهددنا وهم في الخندق الأمامي يدافعون عنا جميعًا؟ إن تلك الأقطار تمر بمرحلة تحول، وهي في مفترق طرق والأحوال التي تعيشها تشبه إلى حد كبير ما حدث قبيل النكبة الأولى:

 فقضية فلسطين تشتعل من جديد، وهناك خطة شارون لتهجير بقية الفلسطينيين إلى الأردن وفق خطة (الوطن البديل) ولعل ذلك يفسر استخدام طائرات ال إف ١٦، لإرهاب الفلسطينيين، والعمل على هدم السلطة الوطنية، ومحاولات الزج بفلسطينيي ١٩٤٨م في الأحداث، لإيجاد ذريعة لتهجيرهم. وهناك: النداءات المتكررة بإعادة النظر في العلاقة مع أمريكا ومحاولات الفكاك من أسر الهيمنة الغربية، وهناك تجربة تحرير الجنوب اللبناني.

     إن مخاضًا جديدًا تنتظره المنطقة وتترقبه الشعوب، وإن هناك إدراكًا متناميًا لضرورة بناء وتأسيس شرعية جديدة لنظام عربي جديد، والنظم جديدة في تلك الأقطار تقوم على أسس إسلامية سليمة، وهذا الإدراك يتجاوز الآن تفكير النخب المثقفة إلى وعي الجماهير الغاضبة، وفي ظل التطورات العالمية المتسارعة وعبر ثورة الاتصالات والمعلومات وعندما يراقب المواطن في تلك الأقطار ما يحدث حوله في العالم فإنه يختزن في وعيه الباطن ضرورة التغيير والأمل في نقلة نوعية تشمل حياته، ولكن كيف يكون ذلك في زمن ولت فيه الثورات، وأصبحت الانقلابات العسكرية خروجًا على السياق العام في العالم؟  الوسيلة إلى ذلك جهاد سلمي وصبر ومصابرة ورباط ومرابطة، وتربية وتوعية الأمة بحقوقها ومشاركتها في نضالها، وتحمل جميع الأعباء والتكاليف حتى تصل إلى غايتها، ليس من طريق إلا الطريق السلمي عبر المطالبة بالحقوق والحريات عبر شورى سليمة ملزمة، وتداول سلمي للسلطة عبر انتخابات حرة سليمة نزيهة، وبذلك تتأسس شرعية الرضا والطاعة والولاء، شرعية تنبثق من عقيدة الأمة وحضارتها، شرعية تحترم شريعة الأمة ونظامها وتراثها، هذه الشرعية التي تحقق الانسجام بين الحكام والشعوب، وتحقق آمال الأمة في حياة حرة كريمة وفي استقلال حقيقي، وفي تنمية عادلة، وتمكن الأمة من مواجهة أعدائها وصد مخططاتهم.

الرابط المختصر :