العنوان ماذا يجري في جمهورية باكستان الإسلامية؟
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 17-مارس-1981
مشاهدات 81
نشر في العدد 520
نشر في الصفحة 32
الثلاثاء 17-مارس-1981
• التحرك المعارض في إسلام آباد هو من فعل بقايا حزب الشعب اليساري في محاولة تفرض على ضياء الحق إجراء انتخابات.
• الإعلام الغربي يبالغ في وصف الاضطرابات داخل باكستان ... لماذا؟
• المطلوب من الاضطرابات منع التقدم نحو تطبيق الشريعة الإسلامية في كل مرافق الحياة.
• القوى الدولية حريصة على إبقاء باكستان ضمن موازنة سياسية داخلية يكون اليسار أحد أطرافها.
• الروس الشيوعيون هم المستفيدون بالدرجة الأولى من أي اضطراب يحصل في باكستان.
تولى الحكم في باكستان ثلاثة قادة من العسكريين منذ أن حصلت البلاد على استقلالها عام 1947، وخاضت حربين مع الهند فقدت معها نصفها الشرقي الذي أصبح الآن بنغلاديش.
والصحف الغربية بشكل عام توجه سهامها اليوم صوب باكستان!! لماذا يا ترى؟؟ ألأنها تقف مع بقايا حزب الشعب اليساري الذي تقوده أرملة بوتو وابنته؟ أم لأن باكستان قطعت شوطًا طيبًا في مجال تطبيق الشريعة الإسلامية في عصر ضياء الحق؟ أم أن الأمر لا هذا ولا ذاك، ومهما يكن الأمر فإن الصحف الغربية تشكك في إمكانية بقاء الرئيس ضياء الحق على رأس الحكم في باكستان، مستشهدة ببعض الاضطرابات الطلابية التي حصلت في الأسبوع الماضي، وبالحادث الذي دبره ثلة من أنصار حزب الشعب، وخطفوا الطائرة الباكستانية إلى كابول مطالبين بالإفراج عن مجموعة يسارية وإخلائهم من السجن، والذي يشير إلى أن الأطراف اليسارية هي التي عمل على خلق الجو المضطرب في باكستان أمور عدة منها:
إعلان ما يسمى بـ(حركة استعادة الديمقراطية، التي عمل على إحيائها أنصار الحاكم الباكستاني الأسبق «ذي الفقار علي بوتو»، وهي حركة تدعي لتشكيلها رجال يمثلون الاتجاه الإلحادي والعلماني ومنهم الشيوعيون، وبقايا حزب الشعب الذي تقوده زوجة بوتو والقوميون والاشتراكيون على اختلاف ألوانهم، ومجموع أنصار هذه الحركة تسعة أحزاب صغيرة وضئيلة.
دعوة أحزاب المعارضة اللاإسلامية من خلال حركة استعادة الديمقراطية الشعب الباكستاني إلى إضراب واحتجاج على حكومة الجنرال محمد ضياء الحق.
خطف طائرة باكستانية وإعلان مسؤولية اليسار المؤيد لبوتو عن ذلك في محاولة لإطلاق سراح زعماء اليسار المعارض من المعتقلات.
وإثر هذه المحاولات المكثفة لليسار في التحريض على حكومة ضياء الحق، فإن الصحافة الغربية بدأت تصور أن الأرض تهتز تحت أقدام ضياء الحق نهائيًا، لكن جميع وكالات الأنباء نقلت يوم 3/3/1981 عن إسلام آباد أن دعوة أحزاب اليسار تلك لم تثمر سوى عن خطف الطائرة، أما الثورة الشعبية المزعومة، والتي روجت أخبارها اللاواقعية صحافة الغرب فما حصل شيء منها. «حيث لم تشهد المدن الباكستانية تظاهرات شعبية مطلقًا» سوى مسيرة بسيطة نظمها اليساريون وزجوا فيها بعض العمال سارت في شوارع لاهور فقط، ثم تفرقت دون أن تكون هناك إرهاصات لثورة شاملة في البلاد، ومع كل هذا فإن مطلب اليسار يتحدد الآن بإجراء انتخابات برلمانية في البلاد، وفي هذا الصدد تقول صحيفة الفايننشال تايمز البريطانية:
«إلا أنه ليست هناك أية دلائل تشير إلى أن ضغوط السياسيين تستطيع أن تجتمع من التأييد الشعبي ما يكفي لإرغام الجنرال ضياء الحق على إجراء الانتخابات، أما والأمر هكذا فإن ما يخشاه الجنرال أكثر هو ازدياد التنمر في صفوف العسكريين.
وبالرغم من جميع هذه العوامل التي تقف ضده، لا زال باستطاعة الجنرال أن يعتمد على دعم الفئات المتدينة، فقد عمل الجنرال على تعزيز الحكم الإسلامي، فأقام محاكم للشريعة لتتولى الفصل في القضايا التي تعرض عليها بدل نظام القضاء الذي كان معمولًا به منذ أيام الحكم البريطاني، ومنذ بداية العام الماضي أدخل نظام المصارف الإسلامية، حيث يحل اقتسام الأرباح محل الفائدة التي يحرمها الدين الإسلامي باعتبارها ربا.
إن المراقبين الإسلاميين يفسرون ما يجري في باكستان تفسيرين اثنين:
الأول: إن اليسار المعارض في باكستان يخوض معركة إثبات للذات متجهًا بذلك نحو إبطال الخطوات الإسلامية التي اتخذتها الحكومة في تطبيق الشريعة، وقد أشارت الفايننشال تايمز إلى موقف أولئك من تطبيق الشريعة الإسلامية بقولها:
«إن الانتقال إلى الحكم الإسلامي في باكستان ليس عملية سهلة، فالمثقفون الذين تعلموا في الغرب يعتبرون ذلك خطوة متخلفة» وهؤلاء الدارسون في الغرب يشملون بين صفوفهم الشيوعيين والملاحدة.
الثانية: وهي رغبة الدول الكبرى في أن تحافظ باكستان على توازن داخلي بين القوى السياسية، بحيث لا يطغى الاتجاه الإسلامي على غيره، والمطلوب أن تبقى الاتجاهات السياسية الداخلية في حالة من الصراع مع الإسلاميين، لئلا يتمكن الإسلاميون في يوم من الأيام من الاستقلال بباكستان وحكمها وفق استقلالية إسلامية قد تكون مخيفة للقوى الدولية المعنية بالمنطقة الإسلامية، ويعلل هذا بما ذكرته بعض الصحف الغربية (لوموند- تاو- الفايننشال تايمز) ... بقولها:
«وهكذا فإن الوضع الداخلي هو وضع توازن غير مستقر، فالغرب قلق لأن عددًا من خطوط الأخطاء في الجيولوجيا السياسية تلتقي في باكستان، فالبلاد طريق ترانزيت للأسلحة الذاهبة إلى إيران، وكذلك إلى المتسللين ضد نظام «بابراك كارمال» المؤيد للسوفييت في أفغانستان، وقد يكون التدخل السوفيتي قد سبب درجة صغيرة من التقارب بين الهند وباكستان، ولكن العداوات القديمة تموت بصعوبة.
وفي مواجهة القوة السوفيتية عبر الحدود الأفغانية تطلع ضياء الحق نحو دعم من الصين ومن إخوانه في الدين في المملكة العربية السعودية، وكلاهما لا يملك القوة الكافية لحماية باكستان دون دعم غربي، كما لا يستطيع الغرب بدوره أن يستخف بهذا الوضع في جنوب غرب آسيا، إن عدم الاستقرار الكامن في نظام الجنرال ضياء الحق خطر لا يقتصر على النظام نفسه».
(عدد 2 مارس)
• وإذا كانت قوى دولية معينة تحاول إثارة الاضطرابات في باكستان، فهي لا تنسى موضوع اللاجئين الأفغان المتأثرين بالبطش الروسي والهاربين إلى باكستان، وعددهم يكاد يصل إلى مليوني لاجئ أفغاني مسلم، وعن استغلال اليسار لوجود هؤلاء تقول صحيفة (تاو):
• فرص الاختراق والتدمير كثيرة، فالاشتراكيون الباكستانيون الذين يعارضون وجود المنفيين الأفغانيين المسلمين في المنطقة الشمالية الغربية، والأفغانيون الذين ربما أخذوا يفكرون بإحياء فكرة دولة «بوشتو» الكبرى المستقلة، يتيحون الفرص للتدخل العسكري السوفيتي، وكثير من الرادياكاليين والقوميين في بلوشستان يرحبون بالتدخل السوفيتي، ويبدو أن الجنرال ضياء الحق مدرك لهذه الأخطار، ولذلك فقد عمل على تعزيز الاستقرار في هذه المناطق.
• وفي 28 من هذا الشهر سيقوم وزير الخارجية البريطاني اللورد كارنغتون بزيارة قصيرة لباكستان، وسيزور خلالها بلوشستان، وهذه واحدة من الإشارات الغربية العديدة التي تدل على القلق وتبين الموافقة المحدودة على سياسات إسلام آباد الحذرة.
• وفي الأيام والأسابيع القليلة المقبلة الحرجة، لا يحتاج أي باكستاني لمن يذكره بأن الاتحاد السوفيتي لا يبعد عن الخليج أكثر من 300 ميل، وهذه المسافة لا تحتاج أكثر من دقائق لحاملات الجنود ومقاتلات السوبر سونيك التابعة لسلاح الجو الأحمر، وماذا يعني هذا؟
• إن في هذا القول دلالة واضحة على أن الاتحاد السوفييتي كقوة دولية عظمى في المنطقة ستستغل اليسار الباكستاني بما يخدم وجودها في أفغانستان، وهنا تعلق مصادر صحافية غربية بقولها:
• «إنه إذا ما وصل حزب الشعب إلى الحكم فسوف تكون سياسة باكستان تجاه كابول، واعتداءات موسكو على جنوب آسيا مختلفة تمامًا».
بعد هذا يمكن أن نقول:
• إن ما يجري في باكستان من قلاقل متفرقة إنما هي من فعل اليسار وليست من عمل الشعب بأسره كما زعم البعض.
• إن اليسار من خلال مطالبته بالديمقراطية يريد أن يتوازى مع التيار الإسلامي الذي كسب الجولة وأدخل الكرة في شباك اليسار بعد ذهاب بوتو.
• إن القوى الدولية قد تغض الطرف عما يجري في باكستان لإجبار ضياء الحق على التراجع عن بعض الخطوات المتعلقة بتطبيق الشريعة الإسلامية.
• إن الروس الشيوعيين يعملون على تأجيج وتأزيم الأحداث ليفيدوا بعد ذلك من الواقع المجاور لهم في أفغانستان.
• إن القوى الاستعمارية كلها متفقة على أن اليسار قوة فعالة، يجب أن تستغل لكبح جماح الاتجاه الإسلامي من خلال موازنة لا تسمح للإسلاميين بالانفراد عن غيرهم بالسلطة.
• إن الرئيس ضياء الحق لن ينجو من لعبة التوازن هذه إلا إذا أعطى الإسلاميين جميع مطالبهم ومنحهم الحرية الكاملة، فهم الدرع الواقي من خطر اليسار، بل هم الذين سيستأصلون داء اليسار من باكستان.