; أخيار.. ولا فخر | مجلة المجتمع

العنوان أخيار.. ولا فخر

الكاتب محمد الراشد

تاريخ النشر الثلاثاء 21-سبتمبر-1976

مشاهدات 84

نشر في العدد 318

نشر في الصفحة 26

الثلاثاء 21-سبتمبر-1976

ما زلنا نسمع بين الغينة والفينة نقدًا من الدعاة لأنفسهم، يتخذ أحيانًا عند بعض متحمسيهم شكل تقريع، يتهمون خلاله أنفسهم بأنهم قصروا عن الوصول إلى منازل السلف، وإن بينهم وبين الصفات التي يحكيها التاريخ لنماذج السلف الصالح الأول من الصحابة رضي الله عنهم أجمعين والتابعين وتابعيهم بإحسان رحمهم الله، بونًا شاسعًا، وإن الفاحص يتلفت فلا يرى أحدًا سمًا وعلا في أخلاقه وعبادته وجهاده إلى درجة يماثل بها أولئك النبلاء النجباء. 

وقد يتخذ هذا التقريع بعدًا آخر يتفرع عنه، يضع الدعاة في موقف المتهم لمناهج التربية الإسلامية الحركية، ويحملها مسؤولية هذا القصور.

ولسنا نشك في أن هذه الظاهرة ظاهرة صحية في مجتمعات الدعاة، وإن فحص النتائج ومعاودة الحساب فضيلة راجحة على السير الجزاف الذي لا يعطف المرء فيه إلى مناقشة العمل.

ولكن جمال هذه الظاهرة لا يكتمل إلا بمناقشة وتقويم من قبل المجربين لما يطرح من تساؤلات وشكوك في هذا الباب، وهذا ما يحدونا إلى أن نطلب من الدعاة مصاحبتنا خلال هذه الفقرات في عملية وزن للقضية، نحاول أن تكون حكمًا فيها، تكشف حقيقة الرصيد الحاصل، وطبائع النقص الواجب استدراكه. 

والذي ندعو له ابتداء أن يرى الداعية الناقد لنفسه فروقًا واضحة بين جيلنا وأجيال السلف، وظروفًا قد تغيرت، ولا بد من أخذ ذلك بعين الاعتبار حين البحث. 

طمع محرك، ورحمة مغرية:

فأول ما يبدو هنا من ذلك أن المربي بالأمس غيرة المربي هذا اليوم، فلقد كان النبي صلى الله عليه وسلم، والخلفاء الراشدون المهديون، ومن وازاهم من قدماء المهاجرين ونقباء الأنصار، هم المربون لذلك الجيل السالف الذي فتح الله تعالى على يديه الفتوح العظيمة. وتلك بركة أنيل لها في خصوصية واضحة، من لدن متفضل لطيف منعم سبحانه لا ينبغي لأحد ممن بعد جيلهم أن يسمح لنفسه في أن يأمل عشرها فضلًا عن مثلها. بل لقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لبعض الجيل الأوسط من الصحابة رضي الله عنهم أنهم لن يبلغوا نصيف مد أحد من رعيلهم الأول كما روى مسلم في صحيحه، فكيف بمسلمة الفتح ومن تلاهم؟

فكل مقصد للتربية بعدهم ناقصًا ولا بد عنهم، وإنما فرضتنا الحاجة التربوية فوضعتنا في مقام الأستاذية بعضنا لبعض، طمعًا في أن ننال بالتواصي الجماعي بالحق وبالصبر ما يمكن أن يقال من جميل الخصال الإيمانية، ومحاسن الصفات الإسلامية. 

فنحن بهذا الطمع نتحرك، من دون تطلع لمنافسة السلف الصالح فإنهم قد استبدوا بالحظ الأوفر من الفضل، وبالنصيب الأوفى من المحاسن، ومتجرد عن الأدب ذاك الخلف الذي يطيل عنقه تكلفًا ليصل برأسه إلى مستوى رفعتهم، ولولا حديث «اعملوا فكل ميسر لما خلق له»  لفترت الهمم، وركت العزائم، ولكنها رحمة الله واسعة، تطمع الطامع وتغريه، فيتشبه بالكرام عسى ولعل.

الهدم الصعب:

ولو عكسنا رؤيتنا لجابهتنا حقيقة مقابلة لهذه، تفصح عن أن المتربي هذا اليوم هو غير سلفه المتربي، وليس المربي فقط، فاليوم يشهد المجتمع تصارعًا بين مناهج تربوية مختلفة، يقف المنهج التربوي الإسلامي في خضم تصارعها، ونجد الفرد الشاب الذي تحاول تربيته مختلط الفكر، موزع القلب، مضطرب النفس، من جراء ما خضع لهذا الزخم الشديد المتناقض من مواد التربية التي تصبها عليه مناهج المدارس والجامعات، وبرامج الإذاعة والتلفزيون، ولغو الصحف والمجلات ولكلها تأثيرات تصادم كلام المربي المسلم، وتؤثر سلبًا على تلميذه. 

أما جيل السلف فكان جيلًا بسيطًا فطريًا، وكان العرب خاصة في عزلة عن الأمم، وما ثم إلا شركهم بالله تعالى شركًا بدائيًا غير معقد، يعبدون خلاله الأصنام لتقربهم إلى الله زلفى وهو من أهل صدق في المقال، وعفاف في الجوارح، قد غمرتهم خلوتهم الصحراوية بسكينة افتقدتها الأمم، ولم تكن لهم فلسفة جاهلية تناقض الإسلام الجديد، ولا يعرفون الجدل في ذلك، بل فيهم بقية من الحنيفية الإبراهيمية، حتى لقد كان زید بن عمرو بن نفيل رحمه الله يجهر بالتوحيد عند الكعبة، ويدعو العرب إلى ملة إبراهيم، قبل أربع سنوات فقط من نزول القرآن، فكان صنيعه وصنيع أمثاله من آخر الحنيفيين المهديين، إرهاصًا بين يدي دعوة النبي صلى الله عليه وسلم، بمثابة التمهيد وآثاره تطلع العرب إلى الدين القديم الجديد.

ومن ها هنا، فإن جهود النبي صلى الله عليه وسلم، وجهود أصحابه رضي الله عنهم، في التربية من بعده، قد أثمرت كلها، ولم يتبدد شيء من جهدهم سدى، لجودة معدن المتلقي المتربي، وخلو فكره عما يناقض ما يقال. 

بينما نبذل اليوم جهدًا كبيرًا لإصلاح ما أفسدته التربيات المختلفة في نفوس تلاميذنا، ونسلك معهم طريقًا طويلة لإيصالهم إلى منزلة الحياد، أن صح هذا التعبير، لنبدأ من بعد ذلك بإعطائهم مفردات الإسلام بلا وهي عملية شاقة، عملية استلال بقايا الجاهلية من نفوس المتربين التلامذة فبعضهم يحن حنينًا إلى شيء من طباعه الماضية وقد كنت تظن أنه قد استكمل الإيمان أو قارب، وكمْ من حيصة يحيصها المتربي قرب  النهاية تعلم المربي ضرورة إطالة النفس في هدم تأثيرات ورذائل التربيات المعاكسة في نفس التلميذ الثاني اللاحق له قبل بناء قواعد الإسلام فيه. 

ولا شك أن عملية الهدم والبناء عملية مزدوجة تتم في أن واحد، ولا نريد أن يعترض معترض على ألفاظنا هذه، ولكنها ألفاظ لا بد منها لتوضيح المعنى.

ومما يمكن أن نحتج به ونتخذه دليلًا في هذا الصدد، أن الفرس وأمم الهند، كانت لهم فلسفات جاهلية وكتب مدونة، سببت اختلاط إسلام كثير منهم بالبدع حين أسلموا وعاند كثير منهم، ولم تظهر فيهم نماذج عالية في حيازة صفات الإسلام بمثل كثافة ظهورها في العرب أول ما افتتحت الفتوح، مع أن المربي واحد، وإنما شاع فيهم الخير من بعد دهر طويل نسوا فيه جاهليتهم تلك، واندثرت معالم فلسفاتهم.

وتكررت هذه الظاهرة مرة أخرى في عصر الإسلام الأوسط حين دخلت شعوب جديدة في الإسلام كانت متأثرة بفلسفات الإغريق والرومان، فلم يكثر فيهم النبلاء إلا من بعد دهر كذلك نجد صدى هذه الظاهرة جليًا لما شاعت في زمن المأمون ترجمات كتب أرسطو وأفلاطون، فضعفت الهمم، وندرت نماذج الخير، حتى أن المتفحص للتاريخ ليجد صدودًا غريبًا عن كتب سقراط لا يفهمه لأول وهلة، ولكن عجبه يزول حين يعلم أن سقراط كان أقرب إلى التوحيد من أولئك، فركنوه جانبًا، ولولا وقفة إمام السنة أحمد بن حنبل لضعفت دولة الإسلام، لكن الله رفأ به الفتق وسد الخرق.

ومرادنا من كل هذا: التنبيه على أن بعض جهودنا التربوية اليوم تهدر بلا سبب منا، ولا سبب من المتربي، ولكنها جناية الجاهليات المعاكسة على الجيل الحاضر .

الخيرية المتناقصة:

ومع ذلك فإن احتمال ظهور نماذج تقابل نماذج السلف ممكن، لكنهم لن يكونوا إلا قلائل، ويجب أن نوقن أن الله تعالى شاء ذلك وأراده، وكتب علينا أن نكون أقل استمتاعًا بجمال الإسلام عما كان عليه السلف، فإن الحديث الصحيح ينطق بأن خير القرون قرنه صلى الله عليه وسلم ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم. 

ولو جمعنا هذا الحديث إلى حديث «شرار الناس من تقوم عليهم الساعة وهم أحياء » المروي في دواوين الصحيح أيضًا، لتبين لنا أن خيرية الأجيال في تناقص وتقلص مستمر، وأن القدر قد جعل المنافسة من الآخر للأول مستحيلة، لكنها المقاربة والتسديد، من غير أن يدب إلى نفوسنا يأس في حيازة بعضنا لما حازته أجيال السلف من المكارم، فإن عصابة من أمة محمد صلى الله عليه وسلم لا تزال ظاهرة على الحق حتى تقوم الساعة، كما نطق الحديث الصحيح، ولا ندري أينا الموفق لأن يكون فيها، وعلينا أن نصارع القدر بالقدر كما أرشدنا إلى ذلك عبد القادر الجيلاني رحمه الله حين ذكر أنه قد فتحت له روزنه ، أي فتحة مثل الشباك، فرأى سفينته تجرى في بحر القدر تلاطمها أمواجه، فهو يصارع القدر بالقدر. ومما قدره الله لنا أننا في الجيل المتأخر المفضول، فنصارعه بقدر الخير المتمثل بالعمل على الانتساب لهذه العصابة، ونعمل لما يتيسر لنا، مدافعة وتحويلًا لقدر الشر المتمثل بتناقص الخيرية.

جمال الفضائل سبب تخليدها:

ولا يغيبن عن الأذهان أن الكتب التي عرفتنا بأحوال السلف قد أرخت الفضائل بأكثر مما أرخت نقص الناقصين، وما من شك في أن أساتذة التربية يميلون إلى تاريخ هذا النقص، ليبتعد عنه الموفقون، ميلهم إلى تاريخ الفضائل، ليقتدي بها المشمرون، ولكن في النفس الإنسانية ميلًا إلى حب الجمال فطريًا، مقتبسًا من حبه سبحانه وتعالى للجمال، إذ هو جميل يحب الجمال، كما في الحديث الصحيح عند مسلم، كمثل ما اقتبس الله للإنسان والحيوان شعبة من فيض رحمته الواسعة هو عز وجل، فكانت كتب التاريخ، لذلك أكثر إظهارًا للفضائل، لجمالها، من إظهار العوار والنقص والحيصات، فنحن نرى الصورة الفاضلة لمجموع أجيال السلف، وغابت عنا هفواتهم بتأويل من تأويل تغييبها، جمعًا للقلوب، وسدًا لباب التناحر والفتن والطعن فيهم، وهكذا أصبحنا نظن أن السلف أصحاب كمال مضاعف عما هو عليه أمرهم حقيقة.

وليس هذا من الطعن بالسلف بحال من الأحوال، فإنا قد قدمنا من الكلام ما ينفي هذا الوهم، ونعلم أن الله سبحانه وتعالى يزن المسلمين بميزان سورة الأحقاف، في قوله ﴿أُولَٰئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَنَتَجَاوَزُ عَن سَيِّئَاتِهِمْ فِي أَصْحَابِ الْجَنَّةِ ۖ وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ (سورة الأحقاف:16)، ونعلم أن الله قد ذكر ذلك لنا إرشادًا وتنبيها وتأديبًا وتعليمًا، وأن من رجحت حسناته هو الراجح وقد عظم خيرهم. وفي التأول هفواتهم مندوحة. 

نعم، أنه ليس من الطعن، ولكنها دعوة إلى الواقعية في فهم تاريخنا لا بد منها لتوضيح الجواب للذين يلومون أنفسهم، ودليلنا: ما ذكروه من أشياء على سبيل المدح عن آحاد منهم دون سائرهم، من شدة التعبد، وصلاح الباطن، والشجاعة الفائقة ونحو ذلك فلو لم يكن المجموع قاصرًا بعض القصور عن المستوى المثالي الذي وضعناه فيه، لما تميز هؤلاء بالفعل المذكور عنهم.

وهذه الطبيعة في المؤرخين مستمرة تقتضيها صنعة التربية، حتى أننا لو قرأنا بعض الصحف الإسلامية ترثى بعض خيار أموات المسلمين اليوم، من الدعاة والعلماء والمجاهدين والمنفقين، لرأينا أوصافًا تصور كأنها السلف، بينما نحن نعرف بحكم معايشتنا لهؤلاء المرثيات هفوات وكبوات أغفل ذكرها من كتب رثائهم، لا من باب التدليس والتمويه والتزلف بل من باب تربوي بحت، غايته إثارة الهمة في الأحياء للاقتداء بمحاسن فعالهم. 

فقس ما كان يجري بين السلف من ذلك على ما يجرى بيننا من هذا. 

التراجع يضعف الهمم:

يضاف إلى هذا أننا الآن في فترة اجتماعية وسياسية ميزتها التراجع والتدهور إذا قسناها وفق موازين التمدن، وقد شاهد ابن خلدون في مقدمته، وغيره من علماء الاجتماع، أن أعمار الدول كأعمار بني آدم، وأنها تبدأ بقوة وفتوة، ثم يستوي أمرها على نسق هادئ، ثم يميل إلى التأخر التدريجي حتى تنقضي تلك الدولة، فتتأسس على أنقاضها دولة جديدة تأخذ الأمر بقوة وتستأنف الانتصار. 

والإسلام قد مثلته خلال تاريخه دول متعاقبة انطبق عليها هذا الميزان، وكل منها قد أجاد وأفاد، وحمى الإسلام، وفتح الفتوح، فتأجج حماس المسلمين أبناء تلك الدول في فورات متعاقبات حفظت للإسلام حيويته، كما أنه ليس من هذه الدول دولة إلا وتورطت في هفوة أو تقصير يقابل إحسانها. 

وجيل المسلمين الحاضر يعيش فترة تراجع شديد بانقضاء عمر الدولة العثمانية، تولد عنه فراغ، بانتظار قيام دولة جديدة تمثل الإسلام، لا بد أنها آتية إن شاء الله.. وفي مثل هذا الفراغ يضمحل الحماس، فيبقى حماس الأفراد معتمدًا على ذاتيتهم المحضة ووعظ الواعظين، لا يظاهره أو يعينه الحماس العام السائد في كل دولة فتية، الناتج عن انتصاراتها المبهجة لنفوس أبنائها. 

وهذا ما يعطي من باب آخر شبه عذر نعتذر به لجيلنا الحاضر في تخلفه عن بلوغ الدرجات العالية وقصوره عن منازل السلف. ولقد مرت فترات في التاريخ الإسلامي شبيهة بهذه، هي فترات نهايات الدول الإسلامية، فكان الجهل يشيع، وتبرد الهمم، ثم تبدأ صعودًا آخر بمجيء دولة أخرى يحكمها مسلم موفق عالي الهمة. 

وفي الأحاديث التي صححها الشيخ الألباني حفظه الله ما ينبئ عن قيام خلافة راشدة في آخر الزمان، كأننا في انتظارها الآن ، تجدد حيوية المسلمين وترفع مستوى جيلهم. 

اعتداد بلا غرور:

أن هذه الحقائق توجب سلوكين: السلوك الأول يخصنا نحن أبناء الحركة الإسلامية، خلاصته أن لا نسرف في اتهام أنفسنا بأنواع الضعف وأن نوقن أننا على خير وفير كثير إن شاء الله، وبفضل منه ومنة. 

نعم، ما هو بالخير الكامل، ولسنا كمثل السلف، لكننا أهل عزة إيمانية ترجع بنا بعد كل هفوة إلى إصلاح الخطأ، وعلينا أن نعتقد أن. سبيل إنماء فضلنا وتكميله ليس هو سبيل التقريع الشديد للنفس، القاتل لها، بل هو سبيل التوبة الشرعية مرة بعد مرة، بعد مرة، في أول مسارنا، وفي أوساطه، وفي أواخره فبالتوبة، وبالتناصح، وبالتواصي بالحق والصبر، نسد ثغرات جدارنا ونكمل بناءنا. 

وليس ذلك بغرور، أعاذنا الله منه، ولا هو إذلال بهذا القليل من العمل الذي نؤديه للإسلام، لكنه المنهج التربوي الذي ينبغي لنا ويجب علينا، قدر من أن نقع في ما وقع فيه بعض علماء العصر الأوسط من السلف، حين أكثروا التخويف، وتوسعوا في ذكر الوساوس ومحيطات الأعمال، حتى لف الناس يأس شديد، ولم يفتحوا لهم بابًا من الرجاء يقابله.

مجازات المواعظ لا تفهم بجمود:

ويصدر بعض الدعاة في تضعيف أنفسهم ومن حولهم عن فهم جامد حرفي لكلام الحماسة الذي نعظهم به ويغفلون عن طبيعة المربين في إيراد المجازات والقصص التي يريدون منها تنويع التذكير والتفنن فيه، ليكون ادعى لدخول القلوب، من دون أن تكون نيتهم طلب التطبيق الحرفي من قبل التلميذ لما يريدون.

فلقد وصفوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنه لم يضع لبنة على لبنة وما أرادوا حرفية ذلك، فإنا نعلم أنه قد كانت لكل زوجة من زوجاته حجرة، ولم يكن يعيش في خيمة أو في العراء، لكنهم أرادوا عدم تطاوله في البنيان، وتواضعه فيه، وعدم توسيعه مساحة بنائه. ثم يأتي متحمس من الدعاة اليوم يصفق بيديه ويسترجع، حين يرى أخًا له يبني له دار تستره في مثل هذه المعيشة المعقدة الحاضرة.

وروينا خبرًا فلان من السلف، لم يكن يميز الدرهم من الدينار، وإنما أرادوا عزوف قلبه عن الدنيا، وشدة انغماسه في العلم والعبادة، ثم يجلس دعاة اليوم، يعيبون أخًا لهم يمارس التجارة، لم تصرفه صفقاته عن واجباته في الدعوة، ولو تأملوا لوجدوا أن عدم معرفة الدينار من الدرهم بالأمس يقابلها جهل جميع الدعاة اليوم جهلًا مطبقًا بما هنالك من مضاربات سوق الأسهم وتركهم ذلك في سبيل الله، مرابطة مع خطط الدعوة.

وكذلك ما تداولناه من قبل من خبر ذلك التابعي الذي بنى له ولفرسه حصنا بالكوفة، كأنه يبدي استعداده للجهاد، فيأتي أحد اليوم يقلده في ذلك 

والناظر بعين العقل، المتأني، يعرف أن مقصد ذاك التابعي منصرف إلى تربية الناس بمنظر عملي على معاني المرابطة للجهاد، وإلا فإنه لو كان يريد حرفية فعلته لبنى له حصن في جبهات القتال، وقد تجاوزت الفتوح في عهده بخاري وبلخ. 

ومثله: ذاك الذي لما حدثت الفتنة وضع الطين على بابه وجعل بيته مقفلًا، إلا فتحة صغيرة يتنفس منها ويتناول الطعام، فهو إنما أراد بفعلته هذه أن يذكر الناس بمنظر عملي معنى اعتزال الفتنة كلما مروا به وسألوا عن سر هذا الباب المطين، وإلا فالذي يريد أن يعتزلها يسعه أن يعزم عزمه ويدع أبوابه مفتحة. 

فعلى إخواننا أن يثقوا بأنفسهم، ويعرفون أن الله تعالى قد تفضل عليهم وأسبغ عليهم نعمه من الإيمان والعلم والعمل يجب إظهار شكرهم له عليها، وما ثم إلا دعاء له سبحانه بأن يتم لهم نورهم. 

وصحيح أن أحدنا يجب أن تكون نفسه حساسة لأدنى تقصير، وأن نقول مرارًا -اللهم إنا نعوذ بك من أن نشرك بك شيء نعلمه، ونستغفرك لما نقول لا نعلمه-، وأن نقول -نبوء بنعمتك علينا ونبوء بذنوبنا، فاغفر لنا، فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت-، لكن هذه الحساسية لا تقتضي مقت النفس واتهامها الاتهام المسرف الذي يقتل فيها تطلعها إلى الاقتداء بالسلف المهديين.

انصفونا معاشر النقاد:

وأما السلوك الثاني فإنما يتمثل في واجب منتقدينا نحونا، فنحن نطالبهم بمثل هذه النظرة التي تتقبل أحسن ما عملنا، وتتجاوز عن نقصنا ثم أن يدعوا الله لنا في أن نكون من أصحاب الجنة.

ولقد أسرف بعضهم في الابتعاد عن هذه النظرة، فأحصى ما يظنه من أخطائنا، مما صدر عن آحاد من دعاه حركتنا، حاولوا الاجتهاد، فبعض أصاب وبعض أخطأ. 

ولو أردنا الاستقصاء في الرد على الشبهات التي يوردها المحصون، لوقعنا في المتاهة النفسية التي تراد لنا، ويكون ثمة انشغال عن وجوه النفع التي نحن ماضون في جلبها وتحصيلها كل يوم. 

ولسنا نضيق صدرًا بنقد يوجه لنا ولا ندعي أن الله سبحانه قد حكر لنا الصواب، لكننا ننكر الخلفية المتوترة لمثل هذا النقد. 

والأساس في ردنا لكل ملاحظة وجهت وتوجه لنا، أن الناقدين يغفلون مناقبنا وجمالنا وحسننا، ويجردون الأخطاء تجريدًا عما صاحبها من الإصابة وقارنها من البذل. 

وإن للدعوة من خلال انتشارها في الأقطار العربية مناقب كثيرة، أقلها حفظ الشباب من الانجراف في المفاسد وإمدادهم بالسكينة الإيمانية والطمأنينة القلبية في عصر الاضطراب ولو لم يكن للدعوة إلا هذه المنقبة لكفاها ذاك فخرًا، كيف وأن مناقبها قد سارت كل مسار، فمن صحف تدافع عن قضايا الأمة وترد على الملحدين، وكتب منهجية تعين الشباب على فهم الإسلام، وقتال لليهود والمستعمرين في فلسطين والقناة، وسعى في إعانة الناس على نيل العلاج الطبي وضرورات الحياة، وتوعية سياسية للأمة تقابل خطط الماسونية والصليبية، وأمر بالمعروف ونهي عن منكر الطغاة الظالمين، وإشاعة للقرآن وتحفيظه وتعليم آدابه، وإنشاء للمكتبات والمساجد حتى أن الدعاة قد تجاوزوا في ذلك بذل أموالهم وأوقاتهم إلى بذل أرواحهم ودمائهم، فنقش الرصاص صدورهم، والتفت الحبال على أعناقهم، ولفظت أنفاسًا كريمة تحت السياط وفي غرف التعذيب. 

هذه فعالنا، وهذا تاريخنا، وحاضرنا من بعد مرئي مشاهد، فلم يكن تجاوز هذه الصور الفاضلة، والمفاخر المشرفة لكل مسلم صادق الإيمان، ويسعى الناقدون إلى حصر المسألة في جملة أخطاء رصدوها، على فرض أنها أخطاء فعلًا وأن الدعاة ليس لهم فيها تأويل؟ 

والأصل في ذلك نقاء القيادات، وأهليتها للتصدي لمثل ما تصدت له، وأنا لا نعلم بحمد الله فينا إلا كل قائد نجيب نبيل رفيع.

باب مفتوح لكل طارق:

 أما الاتباع فلا ننكر أن فيهم من قد يخطئ في كلامه أو تصرفه، ولكن لا بد من الانتباه إلى مسألة مهمة جدًا حين تقدير ما يصدر عن الاتباع، ذلك أن الدعوة ليست مجمعًا للكاملين، وإنما هي مجتمع تربوي يسعى إلى تربية كل وافد إليه إذا كان مبتعدًا عن الكبائر، شريفًا في الناس، وإذا قيل إن فلانًا قد صار من جملة شباب الدعوة فليس معنى ذلك أنه قد استكمل الإيمان وحاز العلم من أقطاره ولكننا حين نصفه بذلك فإننا نعنى أنه قد رضى بأن يربيه الدعاة، وأنه قد بدأ السير وفق المنهج الأصح. 

وعلى هذا فإن الاتباع، وحتى القادة، متفاوتون في كمية حيازة خصال الإيمان والفقه الشرعي الذي يجعل أعمالهم صائبة، فمنهم المبتدئ الذي قد يخطأ، ومنهم المتوسط في ذلك، ومنهم الذي كثف خيره، وعبق عطره. 

وليست دلالة القدم أكيدة في ذلك وإنما هي طاقات مختلفة من التحمل والصبر والذكاء والشجاعة، ولربما تجد القديم في منازل المبتدئين مراوحًا إذا لم يكن له مقدار وافر من هذه الخصال الابتدائية، فقد يخطئ في تعامله، أو في كتاباته وأقواله. 

وأمر التجميع وقبول الاتباع في الصف يعتمد إلى حد كبير على الفراسة عند المربين والقادة، والفراسة من شأنها أن تصدق أو تخطئ، والقاعدة التي نتبعها أن نفتح بابنا لكل طارق أمين مهما قل خيره، طالما جاءنا طامعا في أن يقف في صف صلاتنا خلف أمامنا. 

نحاسب بالحسنى ولا نفضح:

والحقيقة أن أكثر أخطاء الأعضاء محاسبون عليها، وتشهد على ذلك قصص فيها مفخرة للقيادات في حرصها على الحسبة ونقاء الصف وتقويم الاعوجاج، ولكنها لا تذيع ذلك أو تنشره، لأن في المقصرين الذين حوسبوا شعبًا وأنواعًا من الخير لا يراد لها أن تضمحل أو تموت بالتشهير، ولو أذاعت القيادات محاضر محاوراتها لأمثال هؤلاء المقصرين، معاتبة ومرشدة ومنبهة لهم لوقعت في الخطأ الذي نعيبه هنا، ولكنه الستر على أهل الخير يستغله الناقدون بلا علم، فيقدمون على الجرح والقدح بجرأة، في موطن تهيبت فيه القيادات واستحسنت الهدوء في معالجة الأمر الذي هيج الناقدين.

لا نرضى ببدعة:

وفي الواقع أن أكثر الانتقادات التي توجه يمكن ردها بسهولة، ونستطيع أن نقنع المنتقد بوجهة نظرنا إذا كان سليم الطوية، صادرًا عن حب في الإصلاح ما استطاع. 

وخذ مثلًا في ذلك ما يشاع عن الجماعة من أنها لا تحارب البدع، مع أن كل ناظر إلى سيرة الإمام حسن البنا رحمه الله يدرك صفاء عقيدته وبعده عن البدع ومحاربته لها وكفاه بالأصول العشرين وثيقة يضعها بين يدي ربه تعالى يحاج بها ويدلل على قيامه بواجبه السني الإتباعي إزاء الابتداع، وما زالت جماهير المنتسبين إلى دعوته تتدارس هذه الأصول وتشرحها وتنشرها بين الناس.

السياسة كلها ترجع بين المصالح:

ويتداول حديث عن أخطاء سياسية ترتكبها القيادات، وما هي بأخطاء في حقيقتها لمن أمعن النظر، لكنه تفضيل بين المصالح، واتباع لقاعدة الفقهاء في الحرص على أكبر المعروفين عند تعارضهما، ولو بتفويت أدناهما، واحتمال أبصر المفسدتين العارضتين لإبعاد أعظمها وأكبرهما،. 

ولقد أطال الإمام ابن تيمية رحمه الله النفس في بيان هذه القاعدة وتصويبها والأمر بالعمل بها، حتى أنه أفتى في هذا إلا باب بإفتاءات يظنها من لا يخبر السياسة غريبة معيبة.  نذكرها إن شاء الله في مجال آخر بتفصيل. 

وأغلب هذه المواقف المنتقدة على الحركة مخرجة على هذه القاعدة في الموازنة بين مراتب المعروف والمنكر ودرجات المصالح والمفاسد فما من تعاون مع حزب معيب، أو تصريح بثناء على فعلة حسنة من حاكم لم يتم إسلامه، أو ما شابه ذلك، إلا وللقيادات فيها تأويل مستخرج وفق هذا الإفتاء. 

ولا ندعي أن كل هذه التصرفات المعتمدة على هذه القاعدة كانت صوابًا دومًا في نتائجها فإن ذلك ليس ركنا في توثيق المسلم، إنما هو يجتهد في باب السياسة كما في غيرها، فيصيب ويخطئ تبعا لمدى فراسته وطويل تجربته، إنما الركن المهم هو أن هذا التأويل والاجتهاد يستند إلى أقوال معتمدة في مذاهب أعيان الفقهاء القدماء.

ومع ذلك فلا يمكن للقيادات على طول الخط أن تكشف حوارها حين تقرير مثل هذه الخطوات القائمة على الموازنة بين المصالح والمفاسد ذلك لأنها قد تعتمد على أسرار لا يسوغ كشفها، أو تبريرات مضمرة لا تريد أن يتسرب علمها في أعداء الإسلام، فيحورون خطتهم العدائية تبعًا لذلك.

وقد جرى العرف عندنا على الاستقلال في العمل، والدعوة إلى زوال الأحزاب، ومقارعة الظالمين، والعزم على إبعاد من لا ينفع معه الإرشاد، ومضت هذه المعاني أصولًا في التخطيط السياسي، وأفصح عنها كلها الإمام البنا رحمه الله في رسائله ولا تكون موازنتنا بين درجات المصالح إلا على ضوء هذه القواعد فأنصف أيها الناقد، ذلك خير. 

وكفاك هذا أيها الداعية، لا تطلب الرد حرفًا بحرف، فإنها متاهة والله متاهة الردود…

الرابط المختصر :