العنوان عمر المختار المسلم البطل
الكاتب د. توفيق الواعي
تاريخ النشر الجمعة 13-أبريل-2012
مشاهدات 64
نشر في العدد 1997
نشر في الصفحة 37
الجمعة 13-أبريل-2012
تبنى الأمم بتاريخها الناصع على أكتاف رجال عمالقة، وعزائم عظيمة، ومثل كريمة تستطيع وضع بصمة على جبين الأمة وعلى عقول شبابها إذا التفتت إلى هويتها وتاريخها ووعت واقعها واقتدت بمثلها، والتركيز على التتلمذ على رجال الصدق، الذين تتحقق فيهم صفات القدوة من الإخلاص والعمل الصالح، وعلو الهمة موافقة القول العمل والسعي نحو الهدف العظيم، ثروة ينهل منها أهل الفلاح والرشاد.
وليس الخلد مرتبة تلقى
وتؤخذ من شفاه الجاهلينا
ولكن منتهى همم كبار
إذا ذهــبــت مـصـادرها بقينا
وآثار الرجل إذا تناهت
إلى التاريخ خير الحاكمينا
وأمامنا الآن شخصية بطل قدوة سنلقي الضوء عليها كقدوة للأجيال، ومثل تحتاج الأمة إلى التأسي به ، وهو عمر المختار محمد فرحات إبريدان إمحمد مومن بوهديمة عبد الله، تربى يتيما، حيث توفي والده المختار بن عمر وهو في طريقه إلى مكة المكرمة وكانت بصحبته زوجته عائشة.
بعد الانقلاب الفاشي في إيطاليا في أكتوبر ۱۹۲۲م، وبعد الانتصار الذي تحقق في تلك الحرب إلى الجانب الذي انضمت إليه إيطاليا، تغيرت الأوضاع داخل ليبيا واشتدت الضغوط على السيد محمد إدريس السنوسي، واضطر إلى ترك البلاد عاهدًا بالأعمال العسكرية والسياسية إلى عمر المختار في الوقت الذي قام أخوه الرضا مقامه في الإشراف على الشؤون الدينية.
تظاهر الحاكم الجديد لليبيا في رغبته للسلام لإيجاد الوقت اللازم لتنفيذ خططه وتغيير أسلوب القتال لدى جنوده، وطلب مفاوضة عمر المختار، تلك المفاوضات التي بدأت في ٢٠ أبريل ۱۹۲۹م،
وعندما وجد المختار أن تلك المفاوضات تطلب منه إما مغادرة البلاد إلى الحجاز أو مصر أو البقاء في برقة وإنهاء الجهاد والاستسلام مقابل الأموال والإغراءات، رفض كل تلك العروض، وكبطل شريف ومجاهد عظيم عمد إلى الاختيار الثالث وهو مواصلة الجهاد حتى النصر أو الشهادة، واستمر جهاده عشر سنوات، وفي معركة «السانية» في شهر أكتوبر عام ۱۹۳۰م سقطت من الشيخ عمر المختار نظارته، وعندما وجدها أحد جنود الإيطاليين وأوصلها لقيادته، فرآها «غراتسياني» فقال: «الآن أصبحت لدينا النظارة، وسيتبعها الرأس يومًا ما».
وفي 11 سبتمبر من عام ۱۹۳۱م، وبينما كان الشيخ عمر المختار يستطلع منطقة «سلنطة» في كوكبة من فرسانه، عرفت الحاميات الإيطالية بمكانه، فأرسلت قوات لحصاره ولحقها تعزيزات واشتبك الفريقان في وادي «بوطاقة» ورجحت الكفة للعدو؛ فأمر عمر المختار بفك الطوق والتفرق، ولكن قتلت فرسه تحته وسقطت على يده مما شل حركته نهائيا، فلم يتمكن من تخليص نفسه ولم يستطع تناول بندقيته ليدافع عن نفسه، فسرعان ما حاصره العدو من كل الجهات وتعرفوا على شخصيته، فنقل على الفور إلى مرسى، كان لاعتقاله في صفوف العدو صدى كبير، حتى أن «غراسياني» لم يصدق ذلك في بادئ الأمر، و«غراسياني» هو أكثر جنرالات الجيش وحشية ودموية.
دار حديث بين المجاهد المختار والمحتل «غراسياني»، يذكره «غراسياني» في كتابه: وعندما حضر أمام مكتبي تهيأ لي أن أرى فيه شخصية آلاف المرابطين الذين التقيت بهم أثناء قيامي بالحروب الصحراوية يداه مكبلتان بالسلاسل، رغم الكسور والجروح التي أصيب بها أثناء المعركة، وكان وجهه مضغوطًا لأنه كان مغطيًا رأسه «بالجرد»، ويجر نفسه بصعوبة نظرًا لتعبه أثناء السفر بالبحر وبالإجمال يخيل لي أن الذي يقف أمامي رجل ليس كالرجال له منظره وهيبته رغم أنه يشعر بمرارة الأسر، ها هو واقف أمام مكتبي نسأله ويجيب بصوت هادئ وواضح:
«غراسياني»: لماذا حاربت بشدة متواصلة الحكومة الفاشستية؟
أجاب الشيخ: من أجل ديني ووطني.
«غراتسياني»: ما الذي كان في اعتقادك الوصول إليه ؟
فأجاب الشيخ: لا شيء إلا طردكم؛ لأنكم مغتصبون، أما الحرب فهى فرض علينا، وما النصر إلا من عند الله.
«غراتسياني»: لما لك من نفوذ وجاه، في كم يوم يمكنك أن تأمر الثوار بأن يخضعوا لحكمنا ويسلموا أسلحتهم؟
فأجاب الشيخ: لا يمكنني أن أعمل أي شيء، وبدون جدوى نحن الثوار سبق أن أقسمنا أن نموت كلنا الواحد بعد الآخر، ولا نسلم أو نلقي السلاح.
ويكمل «غراتسياني» حديثه: وعندما وقف ليتهيأ للانصراف كان جبينه وضاء كأنه هالة من نور تحيط به، فارتعش قلبي من جلالة الموقف، أنا الذي خاض معارك الحروب العالمية والصحراوية ولقبت بـ«أسد الصحراء»، ورغم هذا فقد كانت شفتاي ترتعشان، ولم أستطع أن أنطق بحرف واحد، فأنهيت المقابلة وأمرت بإرجاعه إلى السجن لتقديمه إلى المحاكمة في المساء.
وعقدت للشيخ الشهيد محكمة هزلية صورية في مركز إدارة الحزب الفاشستي ببنغازي مساء يوم الثلاثاء عند الساعة الخامسة والربع في ١٥ سبتمبر ۱۹۳۱م، وبعد ساعة تحديدًا صدر منطوق الحكم بالإعدام شنقًا حتى الموت.
إجابته لبعض الأسئلة التي طرحت عليه في المحاكمة:
- سأله الضابط: هل حاربت الدولة الإيطالية؟
- عمر: نعم.
- وهل شجعت الناس على حربها ؟
- عمر: نعم.
- وهل أنت مدرك عقوبة ما فعلت؟
- عمر: نعم.
- وهل تقر بما تقول؟
- عمر: نعم.
- منذ كم سنة وأنت تحارب السلطات الإيطالية؟
- عمر: منذ ١٠ سنين.
- هل أنت نادم على ما فعلت؟
- عمر: لا.
- هل تدرك أنك ستعدم ؟
- عمر: نعم.
- فيقول له القاضي بالمحكمة: أنا حزين بأن تكون هذه نهايتك.
- فيرد عمر المختار عليه بشجاعة المجاهد المؤمن بربه بل هذه أفضل طريقة أختم بها حياتي.
فيحاول القاضي أن يغريه فيحكم عليه بالعفو العام مقابل أن يكتب للمجاهدين أن يتوقفوا عن قتال الإيطاليين, فينظر إليه عمر المختار، ويقول كلمته المشهورة: «إن السبابة التي تشهد في كل صلاة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، لا يمكن أن تكتب كلمة باطل».
هكذا قالها سيد قطب يرحمه الله عندما طلب منه أن يطلب الرحمة من «عبد الناصر»، قال: إن السبابة التي تشهد لله بالوحدانية في الصلاة لا تكتب كلمة تأييد للطاغية, نعم إن أصحاب الأقلام يستطيعون أن يصنعوا شيئًا كبيرًا بشرط واحد هو أن يموتوا هم لتعيش أفكارهم, كانت آخر كلمات عمر المختار قبل إعدامه: «نحن لا نستسلم, ننتصر أو نموت, وهذه ليست النهاية, بل سيكون عليكم أن تحاربوا الجيل القادم، والأجيال التي تليه, أما أنا, فإن عمري سيكون أطول من عمر جلادي».
وهكذا أبطال الإسلام دائمًا في كل وقت وحين؛ مثلًا في التاريخ، وزخرًا في الأجيال.