العنوان بر المربين.. خلق العابدين (۲)
الكاتب د.عبدالحميد البلالي
تاريخ النشر الثلاثاء 16-فبراير-1999
مشاهدات 57
نشر في العدد 1338
نشر في الصفحة 54
الثلاثاء 16-فبراير-1999
- من آداب المتربي مع المربي: حسن الإنصات والصبر على الجفوة ورد الغيبة
- الشافعي تنقل بين عدد من المربين فجمع في شعره زبدة تجاربه
كان الصالحون يتعلمون الأدب والعلم معاً في مجالس التربية على أيدي المربين؛ لذلك فإن هناك مجموعة من الآداب يجب على المتربي أن يراعيها مع المربي حال تربيته، وتعليمه.
ويصف ابن جماعة ما يجب على المتعلم مع من يعلمه من الأداء في أثناء الدرس فيقول: أن يجلس بين يدي الشيخ جلسة الأدب، كما يجلس الصبي بين يدي المقرئ، أو متربعاً بتواضع وخضوع وسكون وخشوع، ويصغي إلى الشيخ ناظراً إليه، ويقبل بكليته عليه متعقلاً لقوله، بحيث لا يحوجه إلى إعادة الكلام مرة ثانية، ولا يلتفت من غير ضرورة، ولا ينظر إلى يمينه أو شماله أو فوقه أو قدامه بغير حاجة، ولاسيما عند بحث له أو عند كلامه معه (۱)
ويقول أحمد بن سنان كان عبد الرحمن بن مهدي لا يتحدث في مجلسه، ولا يبرى قلم، ولا يقوم أحد كأنما على رؤوسهم الطير أو كأنهم في صلاة (۲).
أنصتوا ولا تقاطعوا
إن من أبجديات التأدب مع المربي، ومن البر به عدم مقاطعته، والإنصات له حتى ينتهي مما يريد قوله، فقد يعلم المتربي بعض أو كل ما يقوله المربي ولكن ليس من الأدب مقاطعته أو تبيين علمه بتلك المسألة، وما أجمل ما روي عن أخلاق ابن وهب وهو من كبار العلماء، إذ يقول: إني لأسمع من الرجل الحديث قد سمعته قبل أن يجتمع أبواه فأنصت له كأني لم أسمعه (۳).
فإذا كان هذا الأدب من عالم كابن وهب، فما أخرى طلبة العلم والمتربين في المحاضن التربوية في الحركة الإسلامية بهذا الأدب.
إن شهوة المقاطعة قد تقطع حبل أفكار الشيخ المربي، وتنسيه ما كان يريد قوله، كما أن المقاطعة تخفف من حماس بقية طلبة العلم المتربين، إلا إذا طلب الشيخ أو رضي بالمقاطعة من أوَّل الدرس.
يقول الإمام ابن الجوزي: ومتى أشكل شيء من الحديث على الطالب صبر حتى ينتهي الحديث ثم يستفهم الشيخ بأدب ولطف، ولا يقطع عليه في وسط الحديث (٤).
يروي أحد كبار العلماء - من الذين تربوا على يد الإمام الشافعي، وهو الإمام المزني عن أدبه مع شيخه الشافعي - فيقول: «كنت يوماً عنده، إذ دخل عليه حفص الفرد فسأله عن مسائل كثيرة، فبينما الكلام يجري بينهما وقد دق حتى لا أفهمه! التفت إلي الشافعي مسرعاً فقال: يا مزني فقلت لبيك، قال: تدري ما قال حفص؟ قلت: لا. قال: خير لك ألا تدري (٥).
كان من الممكن أن يدعوه الفضول، أو حب العلم إلى أن يقاطعهما، ويسألهما عما يتحدثا عنه، ولكنه لزم الصمت حتى لا يقطع عليهم حديثهما، كما نلاحظ لفتة الإمام الشافعي لتلميذه المزني، وسؤاله إن كان يعلم ما يقول محدثه.. ثم التعليق على إجابة المزني خير لك ألا تدري تحتمل خوف الإمام الشافعي على تلميذه من تعلم علم ليس هذا أوانه أو أنها مزحة على جوابه.
مر التعلم
المربون بشر، ولا بُدَّ من أن يعي المتربي هذه البديهية بالرغم من بساطتها، ذلك أن استيعاب هذا الأمر وتذكره يجعل المتربي يدرك أن البشرية في المربي تبرز فيه أحياناً الغضب، والجفوة، والجفاف والشدة، والنسيان، وضيق الصدر إلى آخر قائمة الصفات السلبية البشرية، وأنه لا يمكن أن يكون دائم الابتسامة، واللين، وسعة الصدر، وباقي الصفات الإيجابية، وإن كان يسعى لذلك، أو يغلب عليه ذلك، وعليه فلا بُدَّ أن يتوقع المتربي في أحضار الحركة الإسلامية وفي محاضتها التربوية ذلك، وأن يتهيأ لأن يحدث له أحياناً ما يكره من مربيه سواء ارتفاع نبرة الصوت أو الزجر، أو تجهم الوجه أن رد الاقتراح أو الغلظة في المعاملة، وإن كان ذلك قليلاً.. لأن عدم توقع هذا الأمر يجعل البعض ينصدم عند أوَّل عهده بهذه الصفات في مربيه، الإمام الشافعي - والذي تنقل بين عدد من المربين في حياته - أدرك هذه الحقيقة، فأعطى زبدة تجربته من بعده من المتربين في هذا المضمار المبارك فقال:
اصبر على مر الجفا من معلمٍ
فإن رسوب العلم في نفراته
ومن لم يذق مر التعلم ساعة
تجرع ذل الجهل طول حياته (٦)
ولئن نفخ الشيطان في نفس ذلك الداعية الذي راق من الجفا من مربيه بالثأر لكرامته، والوقوف أمام مربيه، ثم يزين له بعد تلك المواجهة الخروج التمرد من دائرة الخير، فإنه يحرم نفسه من خير كثير، ويعرض نفسه لمخاطر السقوط والانتكاس من دائرة الالتزام بأبسط مستلزمات الإسلام، وهذا ما يتمناه الشيطان، ولئن اعتبر ذلك الداعية المتربي أن ما يلقاه أحياناً هو من الذل والإهانة، وإن كان نادراً، فالإهانة وأنت داخل الصف، خير ألف مرة مما يعتبره عزاً وهو خارج الصف، بعيداً عن إخوانه، وأجواء الخير
يقول الأصمعي: من لم يحتمل ذل التعلم ساعة، بقى في ذل الجهل أبداً (۷)
والصبر على جفوة الشيخ يجعله ابن جماعة من أبرز ما يتصف به طالب العلم والأخلاق على يد مربيه؛ إذ يقول في تذكرته: أن يصبر على جفوة تصدر من شيخه أو سوء خلق، ولا يصده ذلك عن ملازمته، وحسن عقيدته، ويتأول أفعاله التي يظهر ن الصواب خلافها على أحسن تأويل، ويبدأ هو عند جفوة الشيخ بالاعتذار (۸).
إلا أن البعض يستسلم لوساوس الشيطان وینسى مداخله ودروبه، فيقنعه إبليس بعدم محبة المربي له، وأن يضمر له العداوة، وسوء القصد.
الأمر الذي لمسه الإمام الجيلاني مع أحد الذين يربيهم فصاح فيه ويحك ما بيني وبينكم عداوة غير أني أقول الحق، ولا أحابيك في دين الله عز رجل، قد تربيت على خشونة كلام المشايخ وخشونة الغربة والفقر (۹).
ولا يستسلم لمثل هذه الوساوس الشيطانية إلا من قلت ثقته بمن يربيه، وبمجموعة الخير التي ينضم إليها، لذلك جعل الإمام البنا - رحمه الله - افتراض الخطأ فيه، والصواب مع الجماعة عند الاختلاف فيما يؤمر به من غير النصوص الشرعية جزءاً مهماً من الثقة التي اعتبرها ركناً اً من أركان البيعة.
التهيؤ للاستماع
من أكبر مصادر التلقي للعلم والتربية اللقاء الجماعي، واللقاء الفردي، ولا بُدَّ من أن يتهيأ المتربي لمثل هذه الجلسات حتى يحصل على النفع الكامل منها، وأن يتخلص من كل الشواغل حتى لا يقلل ذلك من تحصيله العلمي والأخلاقي.
يقول ابن جماعة: وينبغي أن يدخل على الشيخ أو يجلس عنده وقلبه فارغ من الشواغل له. وذهنه صاف لا في حال نعاس أو غضب أو جوع شديد، أو عطش، أو نحو ذلك، لينشرح صدره لما يقال، ويعي ما يسمعه (۱۰).
ولا يمكن للمربي أن يتفاعل في إلقاء موعظته وتوجيهه وأمامه من يتناسب، أو من هو شارد الذهن أو كثير الحركة والحديث مع القريب منه، كما لا بُدَّ للمتربي أن يهيئ نفسه للقاءات الفردية، فيؤدي ما طلب منه من الواجبات، ويحضر ما يحتاجه من الأسئلة مدونة على ورقة حتى يستفيد من الشيخ الفائدة القصوى.
تعظيم حرمة المربي
من حق المربي على من يربيه الدفاع عنه في غيبته، والإنكار على من يقع في عرضه، وإن من الخيانة الرضا بما يقال عنه في غيبته، والسكوت عن الدفاع والإنكار عند ما يقع الآخرون في سمعة الشيخ ويستطيلون في عرضه، وأخلاقه، وسيرته.
فمن أبجديات حق الشيخ المربي على من يربيه أن يعظم حرمته يقول النبي -صلى الله عليه وسلم- فيما رواه الإمام أحمد: من ذب عن عرض أخيه بالغيبة، كان حقاً على الله أن يعتقه من النار (۱۱).
ويقول الرسول -صلى الله عليه وسلم- فيما يرويه الإمام البيهقي: من رد عن عرض أخيه كان له حجاباً من النار (۱۲)، وهذا عام في كل أخ مسلم، وحق الشيخ أوجب، لأنه يعلمه الدين، يقول ابن جماعة ومن ذلك أن يعظم حرمته ويرد غيبته، ويغضب لها، فإن عجز عن ذلك قام وفارق ذلك المجلس (۱۳).
ومن قام بالواجب في الدفاع عن عرض شيخه ومن يربيه كان له ذلك النصيب العظيم في صون وجهه عن النار، يقول الإمام المناوي: وذلك لأن عرض المؤمن كدمه، فمن هتك عرضه فكأنه سفك دمه، ومن عمل على صون عرضه، فكأنه صان دمه فيجازي على ذلك بصونه عن النار يوم القيامة، إن كان ممن استحق دخولها، وإلا كان زيادة رفعة في درجاته في الآخرة في الجنة (١٤)
الهوامش
١- تذكرة السامع: ص 97/98.
٢- التذكرة ج١/ ٣٠٣
٣-٤- الآداب الشرعية ۲ /۱۸۰
5- طبقات الشافعية ١/ ٢٤١
٧- ديوان الشافعي ۲۹ ط الجيل.
7- أدب الإملاء والاستملاء: ص ١٤٥.
٨- تذكرة السامع ص ۹۱
٩- الفتح الرباني: ٢٤
١٠- تذكرة السامع: ٩٦
۱۱- رواه الإمام أحمد بإسناد صحيح
١٢- رواه الإمام البيهقي بإسناد صحيح.
۱۳- تذكرة السامع: ٩٠ ١٤ - فيض القدير: 6/135
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل