; مصارحات في الدين والفكر والسياسة (1) في الدين والحضارة | مجلة المجتمع

العنوان مصارحات في الدين والفكر والسياسة (1) في الدين والحضارة

الكاتب النذير المصمودي

تاريخ النشر السبت 26-يوليو-2003

مشاهدات 53

نشر في العدد 1561

نشر في الصفحة 40

السبت 26-يوليو-2003

الجرأة على الوقوف أمام النفس ومحاسبتها بشجاعة على الجليل والتافه من شئونها، دليل على روح اليقظة، وشارة على الضمير الحي. 

وهذه وقفات أمام النفس، تصلح لأن تكون مقدمة لنقاش جاد في قضايا الدين والفكر والسياسة.

عشر سنوات من التطورات بأوروبا، جعلتني أتأكد من أن هذه القارة تسودها حضارة بشرية يانعة، والمدنية التي بلغتها دول أوروبا الغربية في ميادين المعرفة والكشوف والصناعة والعمران طور ذكي من أطوار النشاط الإنساني على ظهر الأرض.

وبصرف النظر عن الانهيار الأخلاقي الصارم أمام الزحف المادي المتمرد على الدين والوحي الأعلى، فإن ما حققته أوروبا من تفوق في البر والبحر والجو، لم يأت محض صدفة أو ضربة حظ من جائزة «يانصيب»!!

كلا.. بل هو نتيجة طبيعية لسعي دائب، ونشاط مستمر وقدرة على تسخير الأشياء طوع الإرادة.

فلماذا هذا التقدم الهائل في الغرب، والتأخر المزعج في بلداننا؟

يحزنني أن أعترف بأننا قوم أماتنا الكسل واستبدت بمسالكنا أوهام غبية وأخلاق بلّدت شعورنا، وجمدت ملكاتنا، وفتكت بخصائصنا.

إن الله تعالى أبدع هذه الأرض وشحنها بالخيرات وأمر الإنسان أن يعمرها، ولقد أعمر الأوروبيون أرضهم بعد معركة طويلة استغرقت أجيالًا وكانت الحصيلة رخاءً ماديًا ضخمًا، وتقدمًا حضاريًا كبيرًا، بينما كانت حصيلتنا تشبه حصيلة قرية في الريف، ترك أهلها الحقول من غير حرث وغرس وسقي، ثم أخذوا يبتهلون إلى الله أن يرزقهم ثمرًا طيبًا!! لم يحصلوا على شيء ولن يحصلوا على شيء، فالسماء لا تمطر ذهبًا ولا فضة، وقوانين الكون لا تلين مع من يجهلها والنواميس الإلهية لا تحابي أحدًا.

ما الذي جعل أمور أمتنا تنقلب رأسًا على عقب حتى إذا فتحت عينك على مصيرها الكالح لم تلبث أن تغمضها على القذى؟!

لقد كانت الأمة الإسلامية في قرونها الأولى أمة عظيمة تفتقت في فضائها الرحب المواهب المختلفة، ونبتت في جوها النظيف العبقريات الكبيرة التي استفادت منها الأمم الأخرى ووصلت بالحضارة إلى أعلى قممها، ذلك أن الدولة التي أقامها الأسلاف الأولون بنتها نفوس بلغت شأوًا بعيدًا من سعة الكفاية والنشاط وصدق الأخلاق، ومن وراء هذه النفوس الكبيرة كان صاحب الرسالة العظمى محمد صلى الله عليه وسلم يتعهدها بالصقل ويأخذها بالأدب الشامل، وينسق صفوفها بالوعي والذكاء.

ما زلت أتساءل في حزن: إن بين أيدينا الكتاب الذي نزل فأعاد بناء الأمة وبناء الإنسانية كلها من جديد، وأزال ما خلفته القرون الأولى من عوج في العقول والأفئدة والحياة، ووضع للأمة من شرائع القوة ما انتهى بها إلى السيادة.. فلماذا لم يُعد هذا الكتاب بناء أمتنا من جديد، ويغير حضيضها الحالي بمستوى أعلى وأرقى، وهو الكتاب الذي ما زال كما أنزل؟!

السذج من جمهور المسلمين يحسبون أن القرآن يعمل بطريقة تلقائية في إسعاد أمته ويدفعها آليًا إلى التفوق والسيادة.

كلا.. إن هذا الكتاب لا يأتي لأحد، وعلينا الاعتراف بأن حياتنا العامة والخاصة ملونة بركام من السخف والدجل والإثم.. وإذا أردنا تغيير حالنا، علينا نحن أن نذهب لذلك الكتاب ليغسل قلوبنا، وينقينا من الأدران ورواسب الجهالة والتخلف، فإذا فعلنا ذلك خرجنا خلقًا جديدًا. ونهضنا نحو حياة أطهر وأكرم وأشرف، وإلا ظللنا نتدحرج حتى نبلغ الحضيض!!.

إن من التزوير الديني والكذب على الله الاعتقاد بأن سيادة الأمم وتفوقها معجزة تأتي من السماء.

كنا في رحلة سياحية إلى «الأندلس»، وكان دليلنا رجلًا إسبانيًا ذكيًا يتقن عدة لغات ووقفنا طويلًا أمام «قصر الحمراء» تتأمل براعة هندسته وجمال منظره، ونستمع إلى الدليل وهو يشرح بإتقان تاريخ هذا القصر وحكاية إنجازه. ثم قال هذا هو تاريخ أجدادكم. ولم يتمالك رجل وقور نفسه فأجهش بالبكاء على الأطلال وهو يقول: هذه هي أمجادنا الضائعة!!.

قلت للرجل الإسباني: ليس هذا تاريخ أجدادنا فقط، بل هو تاريخ إنساني كان الميدان فيه مفتوحًا للنشاط الإنساني الحر، وغاية ما ترجوه الإنسانية المهذبة من هذا النشاط أن يسخر حصاده في الخير لا في الشر.

قال: ولكن العرب هم الذين أبدعوا هذا القصر، وما ينم عنه من حضارة وذكاء.

قلت: ليس العرب وحدهم، بل كل المسلمين بمن فيهم الإسبان الذين دخلوا في الإسلام، وإن كان العرب بنظرتهم الصافية، وانبعاثهم العادي لخدمة الإسلام أتقنوا هذا كله.

قال رجل كان معنا: إن هذه الحضارة جاءت بهذه وستعود بهذه، وأشار إلى مسبحة بين أصابعه.

قلت: لا.. فالذكر نافلة، وإقامة حضارة فريضة مؤكدة، والله لا يقبل النافلة حتى تؤدى الفريضة.

قال: ولكن الله على كل شيء قدير.

قلت: أجل. ولكن لله سننًا وقوانين جارية لا تحابي أحدًا.

إن من المهم أن نعرف تاريخنا وحضارتنا وأمجادنا، لكن الأهم أن نعرف الأسباب التي أزرت بكل ذلك.. إننا نريد علاج الخلل حتى تتمكن هذه الأمة الكبيرة من استئناف مسيرتها الحضارية الأولى ونشاطها القديم في خدمة الثقافة الإنسانية والعمران البشري.

جلست مرة أستمع إلى خطيب شاب وقف على المنبر يبكي بحماس على أمجادنا الضائعة. والتمست عذرًا لعاطفته الجياشة، لكنني انتظرت أن يقول كلمة تربط عواطفنا بآمالنا الجديدة في خلق نهضة أصيلة ذكية، يمكن من خلالها استدراك ما فات.. فلم يقل شيئًا من هذا القبيل وظل ساعة كاملة يعلق أفئدة الناس وعقولهم بتفاصيل تاريخية معروفة.

إن كل معني بتجديد حضارتنا واستعادة دورتها، لابد أن يديم النظرة في الوسائل والإمكانات. إننا لا نستطيع إقامة حضارة جديرة بالاحترام إلا إذا تحرر العقل المسلم من الأوهام والخرافات.. ونال حريته كاملة في إطار تعاليم الدين.. في البحث والتأمل والاختراع في ميادين المعرفة والثقافة والكشوف.

قرأت بعض ما يكتبه علمانيو العالم العربي والإسلامي عن الدين والحضارة فوجدت دعوة صريحة إلى إلغاء الدين في هذه المسألة والإخلاص للعقل وحده، كما فعل الغرب في نهضته.

وسواء كانت نيات هؤلاء مغشوشة أو نظيفةـ فإني أتفق معهم في أن الحضارة الغربية الحديثة ليست حضارة دينية، إنما هي حضارة إنسانية عامة لا تشعر بولائها للدين وإن كانت قد ازدهرت في أقطار تنتشر فيها المسيحية.

وأتفق معهم في أن فرقًا من المسلمين تتحدث عن الحضارة الإسلامية، فتجعل آفاق الحياة سوداء أينما اتجهت.. وهذه معصية مركبة. وأتفق معهم في أن العقل الإسلامي الحالي مازال فاقد الصلة بالحياة والكون ومازال يختلق من عند نفسه أمورًا ثم يقدمها زاعمًا أنها من عند الله.

ولكن.. قد يبدو حديثهم مقبولًا في إلغاء الدين والإخلاص للعقل وحده لو أن وظيفة الإسلام هي صد الناس عن الحياة وعن إعمار الأرض، وإعمال العقل فيما يحسن شروط الحياة.

إن الإسلام ليس كذلك.

إنه الدين الذي يقول: إن الله أبدع هذه الأرض وبث فيها من الطيبات والخيرات ما يعين الإنسان على حياة كريمة وأمره باستغلال كل الطيبات فإذا ارتكس هذا الإنسان وجمد فمن الملوم: دين الله أم هو؟!

أعترف بأن مسافة التخلف العمراني والاجتماعي والاقتصادي بين عالمنا الهامد القاصر والعالم الجديد في الغرب مسافة شاسعة تثير الحسرة.

وعلى الذين يريدون أن يطعموا وهم قعود وأن يسعدوا وهم نيام وأن يتقدموا وهم كسالى وألا يلقوا الحياة إلا وهي تهب الرفاء.. عليهم أن ينتظروا ولكن ليس باسم الدين!!.

وعلى الذين يدعون إلى إلغاء الدين من حياتنا العامة والخاصة حتى نتحرر وتتقدم أن يعرفوا أن الأمة الإسلامية وصلت إلى قمة الحضارة في قرونها الأولى بالدين ثم جاءت أجيال لم تحسن الاستفادة من رصيدها، ففقدت القدرة على الصعود وانحدرت لتعود من حيث أتت.

وعلى الذين ينتظرون تدخل القرآن بطريقة تلقائية في فرض أسباب التمكين للأمة، أن يفهموا أن القرآن لن يفعل شيئًا، فيما كل هداياته وشرائعه أو أكثرها معطل في حياة الأفراد والجماعات والحكومات، وتلك نكسة لا يغني عنها مصحف يتلى أو دموع ساخنة يذرفها رجل مذهول.

لقد رأيت أقوامًا يبكون وهم يسمعون القرآن يتلى، ويحركون رءوسهم لإبداء التأثر الكاذب، ثم ينفضون وقد أخذ شعورهم بما كانوا يسمعون طرائق قددًا، تجعل الصلة بينهم وبين ما كان يتلى عليهم مجرد توقير مادي للتلاوة وحسب.

وقف غلام متحمس يقول لأصحابه في خطبة ساخنة لا تهنوا ولا تحزنوا، إننا سنرث الأرض وسنحكم العالم بعد سنتين إن شاء الله – كان هذا قبل سبع سنوات!!.

وحملق في أحد العقلاء كأنه يسألني عن عقبى هذا الهراء!!

قلت لصاحبي: افرض جدلًا أن زمام هذا البلد الأوروبي أفلت من أيدي أهله، وآل إلى هذا الغلام ليتسلمه ترى ماذا سيحدث؟!

إن العاجز عن تحكيم الإسلام في نفسه وبيته، لهو أعجز عن تحكيمه في حدود قرية صغيرة، بله حدود العالم الكبير.

أردت اختبار الغلام فقلت له مازحًا بعد سنتين سنبايعك أميرًا على هذا البلد. فما برنامجك السياسي والاقتصادي والاجتماعي لتسيير شئونه؟

قال: سأهدم الكنائس وأحولها إلى مساجد

قلت: ثم ماذا؟ 

قال: أمنع الاختلاط والسفور.

لم أملك نفسي من الضحك.. وأخذتني حيرة مظلمة عندما تخيلت أن هذا الغلام يحتل مكان الصدارة، وقلت في نفسي: لم يكن الدين أبدًا مرادفًا للغباء والبلادة وقسوة الطبع، وليست وظائفه هدم الكنائس وبناء المساجد ومنع السفور والاختلاط وحسب، دون بناء الإنسان ومنع حياته كلها من الانحراف.

يقول الشيخ محمد الغزالي «ومن أهم وظائف الحكم الإسلامي أن يمهد لأتباعه الحياة المتجاوبة مع مشاعرهم النفسية ومعاملاتهم الاجتماعية، في الوقت الذي يكفل فيه للآخرين عقائدهم وعباداتهم...».

إن الذي ينطق به بعض المسلمين عن غير فهم ليس بالضرورة أن يكون دينًا من عند الله. بل هو أهواء من عند أنفسهم ولن يكون اتباع هؤلاء تقوى ومثوبة.

الرابط المختصر :