; الدم السوري المباح.. بين مهلة وأخرى! | مجلة المجتمع

العنوان الدم السوري المباح.. بين مهلة وأخرى!

الكاتب نصر حسن

تاريخ النشر الجمعة 23-ديسمبر-2011

مشاهدات 69

نشر في العدد 1981

نشر في الصفحة 28

الجمعة 23-ديسمبر-2011

  • غرابة المشهد السوري تكمن في نظام يقتل شعبه بلا رحمة ونظام عربي وقف متفرجا!!
  • قبل قرارات الجامعة العربية.. كان معدل القتل الإجرامي 30 شهيدا يوميا واليوم ارتفع المعدل إلى 50 شهيدا.. فهل هذا يطمئن الجامعة إلى استمرار الحوار؟!

مضى على الثورة السورية 9 أشهر دفع خلال الشعب أعلى فاتورة دموية في ربيع الثورات العربية، وأظهر أرقى حالة احتجاج سياسية سلمية، واجه الشعب الأعزل أسوأ الأنظمة الأمنية وأكثرها همجية ووحشية وانحطاطا، استخدم – ويستخدم - النظام كل ما يمتلك من سلاح وحقد ضد الأبرياء الصادحين بالحرية كبارا وصغارا أطفالا رجالا، طالت وحشيته كل شيء، منفذا – علانية – فيلما دمويا مروعا بالصوت والصورة، لم يشهد العالم مثيله في الترويع والقتل الجماعي والإهانات، التي فجر فيها النظام وشبيحته ورعاعه المدججون بكل أصناف الأسلحة والحقد والكراهية التي تجاوزت غرابتها كل عجائب طغاة التاريخ.

غرابة المشهد السوري تكمن في نظام يقتل شعبه، يقتل ويعتقل ويجتاح المدن والقرى مستمرا في مسلسله الدموي، مصرا على إجهاض ثورة سلمية بلغت تضحياتها رقما قياسيا في تاريخ الثورات، مسجلة «الثورة» تفوقا سياسيا وأخلاقيا أفرز تمايزا واضحا بين نهجين؛ نهج الثورة السلمي وبرنامجها الوطني المدني الديمقراطي، ونهج النظام الدموي الذي يمثل العنف المنفلت من كل إطار سياسي وطني أخلاقي، ورغم ذلك الخلل في موازين القوى المادية والفرق أو التناقض بين سلمية الثورة وتفوقها الأخلاقي وعسكرية النظام وانحطاطه الوطني والأخلاقي، بقي النظام الرسمي العربي ممثلا في جامعة الدول العربية متفرجا على الجرائم، يتعامل بمنتهى البطء والارتباك مع أحداث دامية في قلب العروبة النابض. 

طرفان.. وعدد من المتفرجين

واليوم تلخص المشهد السوري بطرفين وعدد كبير من المتفرجين، الأول هو ثورة شعبية سلمية ذات مطالب شرعية، وطرف آخر يمثله نظام متصلب متوحش أغلق كل الأبواب وأضاع كل الفرص، يتخبط بالدماء خارج التغطية العقلية والوطنية والسياسية والأخلاقية، منفلتا يصطف معه من على شاكلته يسانده بالمال والسلاح والصمت والتسطيح والغوغائية والوقت والمُهل والمراهنات والسمسرات، نظام أدمن القتل والترويع، كشف نهجه الدموي على المستوى الداخلي، كاذب منافق مراوغ على المستوى العربي، قاعدي على المستوى الإقليمي الدولي، تلك محددات المشهد السوري اليوم في جمعة «إضراب الكرامة»، موجها لجامعة الدول العربية قبل الآخرين، في وقت يقوم النظام المجرم بحملات إبادة ضد المدنيين، مطمئنا إلى سيناريو مهل جامعة الدول العربية. 

نفهم دور الجامعة وآلية عملها ومدى قدرتها على حل الأزمات، سواء بين الدول العربية أو بين الأنظمة وشعوبها، ونعرف تجاربها وحلولها في كل الأزمات العربية، لكن من غير المفهوم لدى الشعب السوري وثورته هو ذلك التمايز في الحرص والسرعة بين دولة عربية وأخرى!! وبطء الجامعة وارتباكها في مواكبة الأحداث الخطيرة في سوريا رغم أنها الاكثر سلمية ودموية ولا إنسانية وتأثيرا على واقع ومستقبل العرب جميعا! 

استبشر السوريون خيرا بقرار الجامعة بتعليق عضوية النظام وفرض العقوبات عليه، واعتبره الشعب السوري وثورته تطوراً نوعيا وربما ثوريا في تاريخ الجامعة، عكست الثورة ذلك في شعاراتها التي شحنت الشعب بقدر من الأمل في وقف النظام، أو ردعه ومعاقبته على جنونه وجرائمه، والجامعة والعالم يعرفون طابع الثورة السني وخيارها المدني الديمقراطي، عمدت ذلك الخيار بآلاف الشهداء، وما برحت تصر على خيارها المدني السلمي رغم ذلك الكم المخيف من القتل والترويع، وأيضا تدرك الجامعة جيدا طبيعة النظام وهي على يقين أنه سبب المشكلة وعدم الحل، وتعرف تماما أن النظام مصر على الحل الأمني العسكري، وأن الحل السياسي معدوم مع النظام ورموزه المجرمة التي استباحت الدم والعرض والكرامة في طول سوريا وعرضها! 

ولعل قرار الجامعة بتجميد عضوية النظام وتطبيق العقوبات عليه هو نتيجة إصرار النظام على القتل والكذب على الجامعة والدول العربية، ومراهنته على كسب الوقت عبر المماطلة والتلاعب بفقرات القرار، والتعامل معه كبنود لإدخال الجامعة في متاهة مستمرة يظن واهما أن كسب مزيد من الوقت يعني إضعاف الثورة وإرباك الجامعة ليبقى يقتل بحرية على أمل وقفها وإخفاء معالم جرائمه! 

لعل الجامعة تدرك وضوح المعادلة السورية في متغيراتها وثوابتها على المستوى الداخلي بما يخص الثورة والنظام وتطور الأوضاع الميدانية على الأرض، وأن النظام المجرم سوف يستمر في خياره العسكري حتى الهاوية، لكن من غير المفهوم تردد الجامعة، أكثر من ذلك وقوعها في فخ النظام وألاعيبه عبر تمديد الوقت والمساجلة معه بعد صدور القرار الذي أصبح من الناحية القانونية نافذا للتطبيق، وترى يوميا سلوك النظام الدموي الذي زاد عنفا وترويعا بعد صدور القرار كما تشير قوائم الشهداء التي كانت بما معدله ٣٠ شهيدا في اليوم قبل القرار، وأصبح معدله ٥٠ شهيدا بعده، هل هذا مؤشر يطمئن الجامعة باستمرار الحوار مع القتلة؟ وهل أصبح ٨٠٠ شهيد على هامش قرار الجامعة مجرد أرقام؟ فهل الدم السوري رخيص لهذا الحد لدى الجامعة العتيدة؟ وهل تدرك خطورة التردد والضعف على حافة الهاوية ونتائجه الخطيرة؟

الجامعة العربية.. تدرك!

لا شك أن الجامعة تدرك أن توقف الثورة بات مستحيلا، وهذا ليس رأيا وتحليلا نظريا بقدر ما هو قرار قالته الثورة مرارا وتكرارا، وتدرك الجامعة أيضا تعقيدات الوضع الداخلي والإقليمي والعربي والدولي، وتلمس ارتباك الجميع بغياب رؤى سياسية للحل، وأيضا قد اجتمعت مع عديد أطراف الثورة والمعارضة السورية وسمعت آراء الجميع ولمست اتفاهم على هدف واحد هو إسقاط النظام كلة وتفكيكه والانتقال إلى سوريا الجديدة المدنية الديمقراطية، يبقى بعض الاختلاف في الوسائل بين أطراف المعارضة، هذا شيء طبيعي، بل يمكن اعتباره كتمرين استباقي على التعددية الديمقراطية والاحتكام إليهما. 

بمعنى آخر، إن النظام المجرم موضوعيا وقانونيا فقد شرعيته الوطنية، وأن الثورة والمعارضة وهياكلها السياسية فرضت نفسها كشرعية بديلة تأسيسا على ذلك واتساقا مع تعامل الجامعة مع المعارضة، وخاصة المجلس من جهة، ومن أخرى عدم تجاوب النظام ولو بالحد الأدنى مع الجامعة، بل أهان الجامعة أكثر من مرة، وشبيحته الإعلاميون وصفوها بأقذع الألقاب، هنا يفرض الأمر على الجامعة أن تتعامل مع الشريعة الوطنية الجديدة وتبحث معها عن الحل الفوري الذي يردع النظام المجرم ويوقفه عند حده بشتى الوسائل الممكنة. 

أخيرا، تحرص الثورة والمعارضة والمجلس الوطني على دور الجامعة في بلورة حل عربي يقطع الطريق على النظام وسلوكه الدموي الأحمق في دفع الأمور إلى استجلاب التدخل الخارجي والتدوير والحرب الأهلية، وتدرك الثورة جيدا التوازنات في مؤسسة الجامعة التي تمكنها أو تعيقها من القيام بدورها بالحد الأدنى للحفاظ على الأمن الوطني والقومي، وتدرك أيضا أن هناك قوة عربية وإقليمية ودولية تحاول إعادة ترتيب التوازنات الداخلية في الجامعة والتأثير على عملها وقرارها الأخير الخاص بالنظام السوري لتطويق الثورة وإجهاضها.

الثورة تراهن على الجامعة

هنا تكمن الخطورة والاستهانة بالدم السوري الطاهر، لكن على الجميع أن يدرك أن الثورة تراهن على الجامعة نسبيا في حقن الدم السوري وليس المساهمة في إهداره أولا، وأن الدول العربية التي وقفت مع النظام المجرم وضد الشعب السوري غير مؤهلة سياسيا وأخلاقيا للدخول كوسيط، لأنها شريكة النظام في قتل الشعب السوري ثانيا، وأن الثورة السورية غير مرهومة البتة لبطء تنفيذ القرار أو التلاعب فيه والتحايل عليه بما يؤذي الشعب السوري ثالثا، وأن فجور النظام المجرم وتمادية سببه هو هذا الارتباك لدى الجامعة وعدم قدرتها على فرض آلية عملية فورية تردع النظام وتوقفه عند حده رابعا، وأن سياسة التساهل والباب الدوار تسهم في إراقة الدم السوري خامسا، والثورة تعتمد على الشعب وإرادته القوية في تحقيق النصر وكل الخيارات لحماية المدنيين مشروعة ومفتوحة أولا وأخيرا. 

ما أشبه اليوم بالبارحة، ما أشبه الابن بأبيه، ما أشبه الطغاة، ما أشبه حمص بحماة! ما أشبه حاضر الجامعة بماضيها، لكن حاضر سوريا تجاوز ماضيها، والشعب السوري كسر حاجز الخوف وغادر مملكة الصمت.. وانتفض المارد الشعبي ولن يتوقف سوى بإسقاط النظام كله وكنس مخلفاته في الدولة والمجتمع.

الرابط المختصر :