العنوان قصة قصيرة - لواعج حنين
الكاتب هاجر يحيى السنافي
تاريخ النشر السبت 15-مارس-2008
مشاهدات 72
نشر في العدد 1793
نشر في الصفحة 44
السبت 15-مارس-2008
في غمرة الغربة.. وسكرة الحزن. يئن قلب «زاهر، أنات تقطع مسامع الكون بأسره، ولا مجيب لحزنه..
هو كذلك كل صباح.. يرشف قهوته التي بات لا يتذوق لها سوى طعم الأسى، ولكن رائحة الحنين تأسره.. تطير بروحه نحو بلاد طال سهاده من أجلها..
حبيبة أنت يا بلادي مع كل رشفة تنطق شفته بها كنغمة آلية أصبحت جزءاً من صباحية الفتها الأنسام من حوله.
يصل إلى مقر عمله يمارس ما يتوجب عليه، يتفانى في وظيفته.. ولكنه يتمنى لو تكون خدماته هذه في بلاده الحبيبة.. التي تركها صغيراً، لا يذكر منها سوى مدارج الصبا وملاعب الهوى ذلك الهوى الطفولي الذي عشق ذرات وطنه، دون أن يعلم ما حب الوطن وما الحنين إليه؟!
يوم يتلوه آخر.. وروحه تجتث من أنحائه تأبى المكوث، وتطالب بالرحيل إليها.
إلى حبيبته الجريحة..
حبيبتي بلادي.. شعور الغربة كفيل بالقضاء علي، فكيف وإن أضفت إليه شعور الألم الذي يرزح بصدري للجراح التي تجتاحك.. أراك يا وطني تسبح في الدماء ورائحة النجيع تفوح مع اسمك، فلا يُذكر إلا وشلالات من الدماء ترافقه..
في غضون البعد أشكو غربة *** أودعت روحي حنينًا لا يذر
أيها الساكن في أوردتي *** راعني طيفًا فأضناني السهر
هل ترى نرسو بشطان اللقا *** فيعود الحب ينسينا الكدر
أواه يا «زاهر» أي قلب هو قلبك الذي يتجلد الأحاسيس توهن الجبال العظام. فغدًا لسانك لاهجًا بالدعاء لوطنك الجريح مستمرًا بذلك لا يشغلك عنه شاغل، ترتقب سكون الليل وهجعة الأنام لتهرب من أقرانك إلى غرفة قصية.. تصلي ما كتب الله لك، ثم ترفع يدًا بللها الدمع إلى جبار السموات والأرض تدعو.. وتدعو.. حتى تُبكي أحبابك الذين شاركوك ضيم الغربة في شقة غدت وطناً لكم.. قد يخفف الوحشة التي تكتوون بنارها.
هم يشاركونه لوعة الغربة ولكن سرعان ما تحتضنهم أوطانهم في إجازة عابرة فيستقون حنانًا وأملًا يعيشون به حتى يتجدد اللقاء، أما «زاهر» فيظل الحنين يحرق قلبه، ويفت كبده، ويستمر على حاله كل ليلة عسى الله أن يعجل بنصر قريب ولم الشمل يكون غير بعيد.
وفي ديدن الألم المرير يسير «زاهر» بين الأناسي يفتش عن روح تلم شعثه، ويبحث عمن يشم فيه عبق بلاده وعبيرها..
أواه يا بلدي الحبيب، أو أستطيع الرجوع إليك؟
سألثم ثراك باكيًا.. سأقبل جدران منزلنا، وسأقفز كالطفل في حقل جدنا الأكبر، سأعطيك بروحي وقلبي وجسدي سأعطيك.. وأعطيك.. ولن أفارقك إن وطئت أقدامي ثراك، سأعود.
رفع صوت الرائي ليستمع إلى نشرة البؤس المعتادة، إذ بخبر يطرق مسمعه خبر اعتاده كثيرًا، ولكن وقعه هذه المرة كان غريبًا.. انفجارات متتالية في مناطق مختلفة في بغداد راح ضحيتها العشرات.
اجتمع الصحاب إثر شهقة «زاهر» وجملة أخيرة تركها لأمة الإسلام: «عراقي الحبيب.. هل من مجيب؟ ..