العنوان المجتمع التربوي العدد 1622
الكاتب د. مجدي الهلالي
تاريخ النشر السبت 09-أكتوبر-2004
مشاهدات 74
نشر في العدد 1622
نشر في الصفحة 48
السبت 09-أكتوبر-2004
كيف نتعامل مع القرآن في رمضان؟
كتاب الله طريق التغيير الحقيقي
الكاتب: مجدي الهلالي
اعتاد كثير منا عندما يدخل شهر رمضان أن ينكب على المصحف ويجتهد في قراءة القرآن وختمه عدة مرات، بل يتبارى في ذلك الأقران، ومما لا شك فيه أن هذه الظاهرة تحمل في طياتها بعض الجوانب الإيجابية، ولكن مما يدعو للأسف، أن محور الاهتمام غالبًا ما يدور حول حروف القرآن وألفاظه، دون أن يصاحب ذلك اهتمام مماثل بما تحمله هذه الألفاظ من معان هادية تدفع من يعيش في أجوائها إلى الاستقامة على أمر الله وعلى صراطه المستقيم، كما قال تعالى ﴿إِنَّ هَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانَ يَهۡدِي لِلَّتِي هِيَ أَقۡوَمُ﴾ (الإسراء: 9).
وخير دليل على أن ما نفعله مع القرآن ينقصه الكثير والكثير واقعنا الذي نحياه، فالواحد منا يقرأ الآيات والسور وينتهي من الختمة تلو الختمة، دون أن تجد أثرًا لهذه القراءة في أفعاله وسلوكه، بل إنك إن سألته عما استوقفه من آيات لم تجد منه جوابًا، فالهم منصرف لتحصيل أكبر قدر من القراءة طمعًا في الأجر والثواب الذي أخبر به ﷺ بقوله: «من قرأ حرفًا من كتاب الله فله به حسنة والحسنة بعشر أمثالها، لا أقول ألم حرف ولكن ألف حرف ولام حرف، وميم حرف» (۱).
المعنى هو المقصود
لو كان أمر القرآن يتعلق بالثواب المترتب على قراءة القرآن فحسب لكان من الأولى أن نتجه إلى أعمال أخرى تعود علينا بثواب أكبر مثل ما أخبرنا به من دخل السوق فقال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو حي لا يموت بيده الخير وهو على كل شيء قدير كتب له ألف ألف حسنة، ومحي عنه ألف ألف سيئة ورفع له ألف ألف درجة وبني له بيت في الجنة (۲) ولسنا نعني بذلك التقليل من شأن الثواب المترتب على قراءة القرآن، بل نعني إعادة النظر في طريقة تعاملنا معه فقيمة القرآن وبركته الحقيقية تكمن في معانيه، ولأن اللفظ وسيلة لإدراك المعنى كان التوجيه النبوي بالإكثار من تلاوته، وتحفيز الناس على ذلك من خلال الثواب الكبير المذاكرة عدة ساعات، هو بالتأكيد لا يقصد من وراء ذلك مجرد جلوسه على المكتب والنظر في الكتب دون فهم ما تحتويه بل هدفه تشجيع ابنه على المذاكرة بذهن حاضر ليتحقق له النجاح.
فإذا نظرنا إلى الهدف الأسمى من نزول القرآن، وربطنا بينه وبين ما رتب الشارع الحكيم على قراءته من ثواب عظيم وجدنا أن من أهداف هذا الثواب تشجيع المسلمين على دوام قراءته حتى يهتدوا بهداه ويستشفوا بشفائه.. أما أن نقرأه وليس لنا هدف إلا ثواب القراءة فقط، دون الالتفات إلى المعنى المقصود من الخطاب فإننا- لا شك- سنخسر كثيرًا بالاقتصار على ذلك التعامل الشكلي، ولن يحقق فينا القرآن، حينئذ، مقصوده.
لا بديل عن التدبر
إن نصوص القرآن واضحة في أهمية تدبره عند قراءته أو الاستماع إليه ليكون التدبر وسيلة للفهم والتأثر ثم العمل.
يقول تعالى: ﴿ كِتَٰبٌ أَنزَلۡنَٰهُ إِلَيۡكَ مُبَٰرَكٞ لِّيَدَّبَّرُوٓاْ ءَايَٰتِهِۦ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُواْ ٱلۡأَلۡبَٰبِ﴾ (ص: 29)
ويقول: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ ٱلۡقُرۡءَانَ أَمۡ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقۡفَالُهَآ﴾ (محمد: 24).
ولأن فهم مقصود الخطاب لابد أن يلازم المترتب على قراءته، ومثال ذلك: الأب الذي يرصد مكافأة لابنه إن استمر في قراءته كان توجيه الرسول ﷺ لعبد الله بن عمرو بن العاص بألا يختم القرآن وأقل من ثلاث معللًا ذلك بقوله لا يفقهه من يقرؤه في أقل من ثلاث (۳).
إننا نعمل جاهدين على فهم المقصود من أي کلام نقرؤه أو نسمعه.. فلماذا لا تطبق هذه القاعدة على القرآن؟
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية:
ومن المعلوم أن كل كلام، فالمقصود منه فهم معانيه دون مجرد ألفاظه، فالقرآن أولى بذلك (٤).
ويؤكد هذا المعنى الأستاذ حسن الهضيبي يرحمه الله. فيقول:
ليست العبرة في التلاوة بمقدار ما يقرأ المرء وإنما العبرة بمقدار ما يستفيد، فالقرآن لم ينزل بركة على النبي ﷺ بألفاظه مجردة عن المعاني، بل إن بركة القرآن في العمل به، واتخاذه منهجاً في الحياة يضيء سبيل السالكين، فيجب علينا حين نقرأ القرآن أن يكون قصدنا من التلاوة أن نحقق المعنى المراد منها، وذلك بتدبر آياته وفهمها والعمل بها (٥).
وقال القرطبي عند تفسير قوله تعالى: ﴿َ أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ ٱلۡقُرۡءَانَۚ وَلَوۡ كَانَ مِنۡ عِندِ غَيۡرِ ٱللَّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ ٱخۡتِلَٰفٗا كَثِيرٗا﴾ (النساء: 82).
يقول ودلت هذه الآية على وجوب التدبر في القرآن ليعرف معناه (6).
فتدبر القرآن، وإن كان واجبًا على قارئه أو مستمعه إلا أنه ليس غاية في حد ذاته بل هو وسيلة لتفعيل معجزته الكبرى وتحقيقها في نفس متلقيه.
المعجزة الكبرى
نعلم جميعًا أن القرآن هو أكبر وأعظم معجزة جاءت من عند الله عز وجل للبشر.
فما سر هذه المعجزة الذي جعلها تتفوق على كل ما سبقها من معجزات؟
قد يجيب البعض بأن معجزة القرآن تكمن في أسلوبه.. وبلاغته.. وتحدي البشر به، وأنه صالح لكل زمان ومكان، إلخ.
نعم.. هذا كله من أوجه إعجاز القرآن ولكن يبقى سر إعجازه الأعظم في قدرته على التغيير..
- تغيير أي إنسان ليتحول إلى إنسان آخر عالم بالله عابد له في كل أموره وأحواله، حتى يتمثل فيه قوله تعالى: ﴿قُلۡ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحۡيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ﴾ (الأنعام: 162).
كيفية التغيير
والتغيير الذي يحدثه القرآن يبدأ بدخول نوره إلى القلب، فكلما دخل النور إلى جزء من أجزائه بعد ما يقابله من ظلمة أحدثتها المعاصي والغفلات واتباع الهوى.
وشيئًا فشيئًا يزداد النور في القلب، وتدب الحياة في جنباته، ليبدأ صاحبه حياة جديدة لم يعهدها من قبل.
قال تعالى: ﴿أَوَ مَن كَانَ مَيۡتٗا فَأَحۡيَيۡنَٰهُ وَجَعَلۡنَا لَهُۥ نُورٗا يَمۡشِي بِهِۦ فِي ٱلنَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُۥ فِي ٱلظُّلُمَٰتِ لَيۡسَ بِخَارِجٖ مِّنۡهَاۚ ﴾ (الأنعام: ١٢٢)
فالقرآن إذن هو الروح التي تبث في القلب فتحييه.
وقال تعالى: ﴿وَكَذَٰلِكَ أَوۡحَيۡنَآ إِلَيۡكَ رُوحٗا مِّنۡ أَمۡرِنَاۚ مَا كُنتَ تَدۡرِي مَا ٱلۡكِتَٰبُ وَلَا ٱلۡإِيمَٰنُ وَلَٰكِن جَعَلۡنَٰهُ نُورٗا نَّهۡدِي بِهِۦ مَن نَّشَآءُ مِنۡ عِبَادِنَاۚ﴾ (الشورى: ٥٢).
وعندما تبث الروح في القلب وتمتلئ جنباته بنور الإيمان، فإن هذا من شأنه أن يطرد منه الهوى وحب الدنيا، مما يكون له أبلغ الأثر على سلوك العبد واهتماماته، وهذا ما أوضحه ﷺ للصحابة عندما سألوه عن معنى انشراح الصدر الذي جاء في قوله تعالى﴿أَفَمَن شَرَحَ ٱللَّهُ صَدۡرَهُۥ لِلۡإِسۡلَٰمِ فَهُوَ عَلَىٰ نُورٖ مِّن رَّبِّهِۦۚ ﴾ (الزمر : ۲۲).
فقال ﷺ: «إ ذا دخل النور القلب انشرح وانفتح قلنا: يا رسول الله وما علامة ذلك؟ قال: الإنابة إلى دار الخلود والتجافي عن دار الغرور والاستعداد للموت قبل نزوله» (7).
من آثار المعجزة
يقول تعالى: ﴿ وَلَوۡ أَنَّ قُرۡءَانٗا سُيِّرَتۡ بِهِ ٱلۡجِبَالُ أَوۡ قُطِّعَتۡ بِهِ ٱلۡأَرۡضُ أَوۡ كُلِّمَ بِهِ ٱلۡمَوۡتَىٰۗ بَل لِّلَّهِ ٱلۡأَمۡرُ جَمِيعًاۗ ﴾ (الرعد: ۳۱).
إن للقرآن تأثيراً قوياً يفوق ما يمكن تخيله.
ولقد ضرب لنا سبحانه وتعالى مثلاً لذلك فقال عز من قائل: ﴿لَوۡ أَنزَلۡنَا هَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانَ عَلَىٰ جَبَلٖ لَّرَأَيۡتَهُۥ خَٰشِعٗا مُّتَصَدِّعٗا مِّنۡ خَشۡيَةِ ٱللَّهِۚ وَتِلۡكَ ٱلۡأَمۡثَٰلُ نَضۡرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمۡ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (الحشر: ٢١)
فالجبال، كما يقول القرطبي . إذا ما خوطبت بهذا القرآن مع تركيب العقل لها لانقادت لمواعظه، ولرأيتها على صلابتها ورزانتها خاشعة متصدعة، أي متشققة من خشية الله (۸).
وفي هذا المثل دعوة للتفكر في قوة تأثير القرآن ليكون حجة على الجميع، ويبطل دعوى من ادعى بأنه ليس أهلًا لتدبر القرآن.
هكذا نستقبل الضيف الكريم
الكاتبة: سمية عبد العزيز
إذا أردت أن تعرف أهمية الضيف الزائر فلتنظر إلى مدى الاهتمام باستقباله.
فبعد أيام قلائل يهل علينا وافد حبيب إلى قلوب أهل الإيمان والإحسان، وموسم عظيم من مواسم الخير والرحمة والغفران، إنه شهر الصيام والقيام وتلاوة القرآن... شهر الصبر والنصر والإحسان، فكيف نستقبل هذا الضيف الحبيب استقبالاً يليق بنا كأمة مسلمة ويليق برمضان باعتباره خير شهر؟ يجب أن نستقبل هذا الشهر الفضيل بما يلي:
بشوق وفرح، ففيه نفحات ربانية، إذ تزداد فيه العبادة والطاعة، ويتضاعف الأجر والثواب وتهب فيه رياح الجنة والمغفرة والرحمة قال تعالى: ﴿قُلۡ بِفَضۡلِ ٱللَّهِ وَبِرَحۡمَتِهِۦ فَبِذَٰلِكَ فَلۡيَفۡرَحُواْ هُوَ خَيۡرٞ مِّمَّا يَجۡمَعُونَ﴾، (يونس: 58).
ثم نعقد النية لله في الصيام والقيام وباقي الأعمال الصالحة، لأن الرسول ﷺ أخبرنا أن الأعمال بالنيات، ولكون هذه الفريضة العظيمة سرًا بين العبد وربه يكون جزاؤها عظيمًا، كما أخبرنا المصطفى عن ربه سبحانه: «كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به» (رواه الشيخان).
ثم بعد ذلك نعزم على التوبة الصادقة من جميع الذنوب كبيرها وصغيرها ظاهرها وباطنها.. فمن الطبيعي أن يستقبل المحب حبيبه العائد بعد طول غياب بأبهج صورة وأحسن ثياب وأطيب رائحة فهل يعقل أن نستقبل هذا الوافد الحبيب الذي يحمل إلينا بين ثناياه خيرًا وبركة بشعور بارد وعقول مغيبة؟
وهل يعقل أن نستقبله بذنوبنا ومعاصينا الكثيرة وقلوبنا المريضة؟ لا بد من أن نطهر أنفسنا من الخطايا بدموع التوبة والاستغفار وننظف قلوبنا من الأمراض والعلل، ومن الشبهات والشهوات، ونعزم عزمًا أكيدًا على إصلاح الظاهر والباطن، ونتذكر ما أخبرنا به رسولنا الكريم ﷺ حين قال: «ينادي مناد أول ليلة من ليالي رمضان يا باغي الخير أقبل ويًا باغي الشر أقصره ».
وصدق الشاعر:
يا ذا الذي ما كفاه الذنب في رجب
حتى عصى ربه في شهر شعبان
لقد أظلك شهر الصوم بعدهما
فلا تصيره أيضاً شهر عصیان
وائل الكتاب وسبح فيه مجتهدًا
فإنه شهر تسبيح وقرآن
وهناك شيء مهم وهو أن أي عمل يقربنا إلى الله له أحكامه وضوابطه وآدابه وفضائله فيجب علينا أن نتعلم أحكام هذه العبادة من شروط وأركان ومبطلات ومكروهات حتى نؤديها على الوجه الصحيح وحتى ينطبق علينا قول رسولنا الكريم: «من صام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه».
بقي شيء آخر وهو الاستفادة من صيامه بتقوى الله عز وجل واكتساب صفات الصبر وقوة الإرادة والشعور بالمراقبة في السر والعلن، وتهذيب الأخلاق والتدرب على الصدق والأمانة والكرم والجود والبذل والتضحية في سبيل الله واعتياد النظام والدقة في المواعيد فهذه الصفات يحملها لنا هذا الضيف الكريم.
فلنعقد العزم باستقباله بغض البصر وهجر وسائل الإعلام الهابطة والمفسدة وكف اللسان وسائر الجوارح عن المعاصي والمنكرات التي أحاطت بنا من كل جانب ولنغتنم كل يوم وكل لحظة تمر فيه قبل فوات الأوان، وكما أخبرنا رسولنا الكريم ﷺ اغتنم خمسًا قبل خمس: شبابك قبل هرمك، وصحتك قبل سقمك وغناك قبل فقرك، وفراغك قبل شغلك، وحياتك قبل موتك، (رواه الحاكم والبيهقي).
فأهلًا بك ضيفًا عزيزًا كريمًا، وشكراً لله على هذه النعمة، بأن جعل في أيام دهره نفحات ليغفر لنا ويطهرنا ويزكينا بفضله وكرمه سبحانه وتعالى.