; تسهيلات لأوفقير ورجاله في فرنسا | مجلة المجتمع

العنوان تسهيلات لأوفقير ورجاله في فرنسا

الكاتب إدريس الكنبوري

تاريخ النشر السبت 25-فبراير-2006

مشاهدات 57

نشر في العدد 1690

نشر في الصفحة 48

السبت 25-فبراير-2006

المجتمع تنشر الترجمة الكاملة للكتاب المثير لرجل المخابرات المغربي السابق أحمد بخاري «مصالح الدول: كل شيء عن قضية بن بركة» الحلقة «١٤»

كان مخطط الإيقاع بـ «بن بركة» في مشروع الفيلم قد عرف قبل أربعة أسابيع من اختطافه لذا كان لدى الجنرال ومساعده الوقت الكافي للاستعداد لاغتيال بن بركة وإخفاء معالم جثته فوق التراب الفرنسي

قام أوفقير بمئات الرحلات إلى باريس على متن طائرات تابعة لشركة طيران فرنسا أو شركة الطيران الملكية المغربية كما قام بعشرات رحلات الاستكشافية السريعة على متن طائرات عسكرية مغربية

كان يريد قتل بن بركة ودفنه في منطقة مهجورة. لأن الكشف عن الجثة في يوم من الأيام سيكون سببًا في اندلاع مشاكل خطيرة بين المغرب وفرنسا

خلال عمل «لوبيز» لصالح «الكاب» عندما كان موظفًا في مطار أورلي وعميلًا في نفس الوقت للمخابرات الفرنسية كان يحلم بأن يصبح مديرًا لشركة الطيران الملكية المغربية لأن أوفقير وعده بذلك في أحد اللقاءات وهو في حالة سكر!

لم يكن لدى القاضي الفرنسي أي مبرر أو مستند لاستدعاء موريس بابون ومعاونيه إلى مكتبه للاستماع إلى إفاداتهم... والسبب أن العميد الممتاز للشرطة القضائية بوفييه، الذي كان مكلفاً بالتحقيق لم يسجل الجزئيات المتعلقة بـ الحياة الداخلية لولاية الأمن

كان الجنرال أوفقير يرتبط بعلاقات جيدة في فرنسا مع أشخاص من جميع مستويات السلطة، وفي مطار باريس كان يعامل كشخص استثنائي ويحظى بالتشريفات والامتيازات الطبيعية المخصصة للرؤساء والملوك ورؤساء الحكومات وكبار رجال الدولة.

وكان كثير السفر إلى فرنسا وبالأخص منذ يوليو ١٩٦٠ تاريخ تعيينه كمدير عام للأمن الوطني بالمغرب.

وقد استمر شهر العسل، هذا بينه وبين فرنسا إلى نوفمبر ١٩٦٥ عندما صدرت مذكرة دولية لاعتقاله. وخلال تلك الفترة التي استمرت خمس سنوات قام الجنرال بمئات الرحلات إلى باريس على متن طائرات تابعة لشركة طيران فرنسا أو "شركة الطيران الملكية" المغربية أو شركة "إيبيريا" الفرنسية، وعشرات الرحلات الاستكشافية السريعة لساعات على متن طائرات عسكرية تابعة للقوات المسلحة الملكية أو "المكتب الثاني" (المخابرات العسكرية) التابع للقوات المسلحة. وفي مطار أورلي كان يجري تبسيط الإجراءات الإدارية للجنرال ومرافقيه، وتختم جوازاتهم وهوياتهم دون إلقاء نظرة على الصور ولا التأكد من المعلومات، كل ذلك يجري في الطائرة وبسرعة أو في مدرج المطار، ولا تخضع أمتعتهم للتفتيش كسائر المسافرين. وعندما يصل الجنرال تكون هناك سيارة رسمية في استقباله مباشرة فوق مدرج المطار لتجنيبه أعين الفضوليين ونفس الشيء عندما يكون عائدًا؛ حيث كان لديه الحق في ركوب أول طائرة حتى لو حدث ذلك قبل دقائق قليلة من إقلاع الطائرة.

كان الجنرال يعرف العميد الممتاز للشرطة «جون كاي» رئيس مصالح الاستعلامات العامة في باريس كلها، وأقرب معاونيه وتحديدًا أولئك العاملين منهم في مطارات العاصمة، كما كان هؤلاء يعرفونه جيدًا ويعرفون عاداته ومرافقيه ويعرفون أنه شخص نهم لشرب الخمر ويجد صعوبة في التحكم في نفسه، وكان هؤلاء وموظفو الجمارك في المطارات يقدمون له التحية العسكرية استعد لدى رؤيته، الأمر الذي كان يروق له كثيرًا.

هذه الامتيازات والمعاملة الخاصة كانت تحظى بها أيضًا فاطمة الشنا أوفقير زوجته التي كانت تستغل ذلك في تهريب البضائع الثمينة وتقوم بأربع رحلات أو أكثر بين الرباط وباريس في الأسبوع الواحد. وخلال خمسة أعوام قام الجنرال بـ ٣٠٠ رحلة إلى باريس، 90% منها طائرات تابعة لشركات طيران فرنسية أو إسبانية أو مغربية، بينما قامت زوجته في نفس الفترة بـ ٨٠٠ رحلة لجمع أموال طائلة من التجارة غير المشروعة ونقل بضائع وتحف ثمينة من دون أداء الحقوق الجمركية، لقد كانت تقوم بالتهريب في الاتجاهين معًا، بين المغرب وفرنسا، ولم يعترضها أي عارض أو مشكل خلال كل تلك الفترة لا في فرنسا ولا في المغرب.

في رحلاته السرية إلى باريس، وهي كثيرة، كان أوفقير يستعمل لنفسه والمقربة الدليمي جوازين مزورين، غير أن رجال أمن المطار الذين كانوا يعرفون ذلك لم يكونوا يستطيعون فعل شيء، إذ إنهم يتلقون من رؤسائهم ومسؤوليهم لدى إخبارهم بذلك أوامر بترك الأمور عادية، وأمام صمت المسؤولين فهم رجال الأمن أن السلطات العليا في فرنسا هي أعطت الضوء الأخضر لمثل هذه الممارسات، فانتهوا إلى الصمت لكنهم مع ذلك كانوا يسجلون كل شيء في التقارير السرية، كان ذلك يحدث مع رجال الأمن كما مع رجال المخابرات الفرنسية ورجال الجمارك.

وفي يوم ٢٩ أكتوبر عندما قرر الجنرال والدليمي القيام برحلة سريعة استكشافية لباريس، كانا يعرفان أن الأمور سوف تجري كما هي العادة دائماً، غير أنهما لم يستبعدا حصول مفاجأة ما. ولتجنب مثل هذا الاحتمال فقد هاتف أوفقير العميد الممتاز «جون كاي» لكن هذا الأخير كان قد غادر مقر عمله في صبيحة نفس اليوم ثم اتصل بصديقه وزير الداخلية الفرنسي روجر فري طالباً منه التدخل له لدى مصالح الأمن في مطاري أورلي وبورجي لأنه هو ومساعده الدليمي سوف يقومان في نفس اليوم بزيارة خاطفة إلى باريس ولم يفته أن يشير إلى أنهما سيستقلان طائرتين عسكريتين مغربيتين كل بمفرده.

خطة الرجلين

كان مخطط الإيقاع بين بركة في مشروع الفيلم قد عرف أربعة أسابيع من قبل، لذا كان لدى الجنرال ومساعده الوقت الكافي للاستعداد لاغتيال بن بركة في فرنسا وربما أيضا لإخفاء معالم جثته فوق التراب الفرنسي. ومن جانبه لم يكن محمد العشعاشي على علم بخطة الرجلين لقتل الزعيم المغربي المعارض، فاستمر في التحضير لعملية بويا البشير بهدوء محددًا خطته في اختطاف بن بركة ونقله إلى المغرب حيًا ولكن مخدرًا، ولكن الرجلين العسكريين كانا يخططان لعكس ما هو وارد بالمخطط، وكانا ينتظران بفارغ الصبر نجاح العملية ووصولها إلى النهاية لكي يتدخلا. 

كان العشعاشي قد كلف - كما سبق القول في الفصول السابقة - بالإشراف على العملية من طرف المخزن مباشرة، فالمخزن هو الذي أعطى الضوء الأخضر لهذه العملية الخطرة يوم 25 مارس 1996 بهدف دفع بن بركة إلى الصمت وإبعاده عن وسائل الإعلام والصحافة الأجنبية. وكان ذلك بحضور الدليمي وأوفقير والحسن الثاني.

بعد شهور من منح المخزن الضوء الأخضر للعملية شرع الجنرال والدليمي في الإعداد لعملية اغتيال بن بركة فوق التراب الفرنسي وإخفاء أثره. لقد كانا يريدان ألا يكون له قبر كالآخرين. حدث ذلك في نهاية سبتمبر 1965، قبل شهر واحد من اختطاف المعارض المغربي، وقد كان هذا الأخير هو الذي حدد بنفسه موعد موته، مادام هو الذي اختار الساعة والمكان للقاء بالصحافي الفرنسي بيرنيي لتوقيع عقد الفيلم.

خدمات فرنسية

كان وزير الداخلية الفرنسية روجر فري صديقاً للمغرب ولأوفقير شخصيًا ولم يكن يتردد في إسداء الخدمات لهذا الأخير وللدليمي والتدخل لفائدتهما لدى عدد من المؤسسات والمصالح الأمنية الفرنسية من أجل تيسير مهماتهما في أقرب الآجال وفي أحسن الظروف:

- بأمر من وزير الداخلية اتصل والي الأمن في باريس موريس بابون في البداية بعمداء الأمن والشرطة العاملين تحت سلطة جون كاي وطلب منهم تيسير مهمات الجنرال ومرافقه في مطار أورلي أو مطار بورجي عند وصول الأول في السادسة مساءً والثاني في الحادية عشرة والنصف ليلًا وأعطى أوامره لكي يسمحوا بدخول سيارة أو اثنتين إلى داخل المطار لنقل الرجلين كما أعطيت التعليمات لرجال الأمن لكي لا يقيدوا في تقاريرهم عملية مرور الرجلين في المطار ولا نزول طائرتيهما، والاكتفاء بتسجيل ذلك في التقارير السرية التي ترفع إلى وإلى الأمن شخصيًا.

اتصل مسؤولو الاستعلامات العامة الفرنسية والأمن الإقليمي في منطقة باريس العاملون بالمطارين بمسؤولي المصالح الأمنية المدنية والعسكرية لكي يطلبوا منهم عدم تقييد هبوط الطائرتين العسكريتين المغربيتين في تقاريرهم اليومية ولا حتى في التقارير السرية، فقد كانت هذه المصالح جميعها تتبادل الخدمات فيما بينها، وكانت دوائر المخابرات على علم بتعليمات وزير الداخلية وكاي رئيس مصالح الاستعلامات العامة في باريس، ولأن التقارير السرية التي يعدونها هي تقارير سرية ترفع إلى رؤسائهم فقط كان من غير اللازم القول لهم بأنهم سوف يقيدون ذلك فيها.

الزيارة السرية

يجب أن أقول في هذه النقطة إن وزير الداخلية الفرنسي لم يكن على علم بهدف الزيارة السرية لأوفقير ومساعده، ولذلك لم يحرص على معرفة ذلك تأدبًا منه، إذ كان يعتقد أن هذه المهمة السرية العاجلة قد تمت برمجتها في اللحظة الأخيرة من طرف رئيس الدولة نفسه الحسن الثاني، وعلاوة على ذلك فالزيارات السرية التي كان يقوم بها الجنرال والدليمي أو الاثنان معًا كانت كثيرة خلال السنة كما أن أوفقير والمسؤول الفرنسي كانا صديقين وتبادلان الخدمات وكان الجنرال كثيرًا ما يقدم لصديقه الفرنسي هدايا ثمينة وذات قيمة وكان يستضيفه في العديد من المرات في المغرب هو وأسرته؛ حيث يقضي عدة أوقات على حساب الدولة المغربية الخاص.

وقد كان وزير الداخلية الفرنسي يعرف سلفا أن بن بركة لديه موعد في باريس يوم ٢٩ أكتوبر، وأن رجلين من الأمن الإقليمي لباريس مكلفان بأمنه الشخصي مدة إقامته فوق التراب الفرنسي الذي كان يزوره باستمرار كل عام حيث ينتظرانه في المطار قبل وصوله ويرافقانه عن كتب كما كان على علم بأن المعارض المغربي يتفاوض منذ فترة غير قصيرة مع النظام المغربي من أجل العودة إلى بلاده، وأن هذه العودة قريبة جداً، بعد اللقاء مع الأمير مولاي علي سفير المغرب في باريس بألمانيا، وكان يعرف جميع مواعيده وبرنامج خلال يومي 29 و30 أكتوبر في باريس، ويعرف أنه ليس هناك لقاء مبرمج بينه وبين أي مبعوث من الحسن الثاني، ولذا ظن أن أوفقير والدليمي ربما كانا سيحضران إلى باريس للقاء بزعيم المعارضة في اللحظة الأخيرة لترتيب عودته وفوق ذلك لم يكن يخامره شك في النوايا الحسنة لملك المغرب والجنرال أوفقير ولم يكن يعتقد بالتالي أن حضور الجنرال لفرنسا هدفه اختطاف بن بركة واغتياله فذلك لا يمكن أن يخطر على باله ولكن الجنرال وضع صديقه في التقدير الخطأ.

في بداية شهر أكتوبر وثلاثة أسابيع قبل اختطاف بن بركة اتصل أو فقير من الرباط به «انطوان لوبيز» في باريس، وطلب منه تهيئة بقعة أرضية سبخة بقرب شقته التي لا تبعد كثيرًا عن شقة «بوشيش» وتقع في منطقة خالية تقدر مساحتها بعدة كيلومترات، فقد كان يريد كما هو واضح قتل بن بركة ودفنه تلك المنطقة المهجورة، لكن كان ينبغي أن يفكر مرتين في ذلك الأمر قبل الإقدام عليه، لأن الكشف عن الجثة في يوم من الأيام سوف يصبح سببًا لاندلاع مشكلات خطيرة بين المغرب وفرنسا، وفهم لوبيز ما يدور في ذهن الجنرال، وبعد أيام اتصل من باريس على الهاتف الشخصي لأوفقير في الرباط لإخباره بأنه أنجز المهمة، لكن الجنرال لم يكن حاضرًا في تلك الساعة وبعد عدة اتصالات من دون جدوى فضل لوبيز أن يترك رسالة بذلك لدى الكاتبة الشخصية للجنرال في الكاب بديعة المسناوي، وقد أوصلت هذه الأخيرة الرسالة إلى الجنرال، لكنها بلغتها أيضًا إلى زوجها محمد المسناوي، فلم يتردد هذا الأخير في إبلاغ رئيسه محمد العشعاشي بالخبر، وقد كنت على علم بهذا.

عندما وصلت الرسالة إلى الجنرال أوفقير الدليمي في رحلة عاجلة إلى العاصمة الفرنسية لتحديد موقع المكان السبخ بجوار شقة لوبيز جيدًا، لكي يمكن له أن يذهب إليها بمفرده في أي وقت، وقبل أن يسافر الدليمي في الأسبوع الثاني من أكتوبر هاتف ميلود التونسي في باريس وطلب منه أن ينتظره في مطار أورلي وأثناء غياب الدليمي عن مقر الكاب لمدة خمسة أيام لم نلاحظ أي وجود لشبيهه فاتح الذي كنا نراه مرتين إلى ثلاث في اليوم فقهم الجميع أنه سافر إلى جانب الدليمي لقد كان يسافر بجواز سفر مزور وأحيانًا يستعمل جواز سفر الدليمي الحقيقي، وكان هذا السر يعرفه فقط والدليمي وشبيهه وعبد الحق العشعاشي الذي كان مكلفاً بتحضير الجوازات المزورة لهما وللعاهرات اللواتي يرافقن الدليمي في سفرياته.

عملاء الكاب

لدى وصوله إلى باريس وجد الدليمي في انتظاره اثنين من عملاء الكاب، هما ميلود التونسي وحليم محمد، ومعهما لوبيز فقاد هذا الأخير الثلاثة إلى شقته لكي يريهم البقعة السبخة التي أعدها، وأخذ لوبيز ورقة وقلما ورسم رسمًا إعداديًا للمكان بحيث يمكن العودة إليه من أي ناحية كانت وقد اعتقد حليم والتونسي أن قضية البقعة جزء من عملية «بويا البشير»، فرفعا خبرًا عنها في التقرير اليومي إلى مصلحة الدوام الخاص بمقر الكاب في الرباط في مساء نفس اليوم ووردت الإشارة إلى الخبر أيضًا في التقرير الأسبوعي الذي توصلنا به يوم 15 أكتوبر مرفوقًا بالرسم الإعدادي للبقعة، وظهر كل ذلك في التقرير الأسبوعي التحليلي ليوم ١٨ أكتوبر.

كان في ذهن لوبيز أن المهدي بن بركة قد قتل في شقة «بوشيش» وأنه دفن في تلك البقعة السبخة بجوار شقته في الخلاء الواسع، ولم يخبر العميل الفرنسي المزدوج السلطات الفرنسية لا قبل الاختطاف ولا بعده معتقدًا في قرارة نفسه أنه أصبح يملك معلومة سرية على درجة كبيرة من الأهمية والخطورة تمكنه، فيما بعد ومتى أراد من ابتزاز أوفقير والدليمي ووزارة الداخلية المغربية والكاب بل حتى رئيس الدولة المغربية نفسه. وبعد قضاء فترة سجنه في بداية السبعينيات بفرنسا حاول أن يفعل ذلك، حيث اتصل هاتفياً بعدد من كبار المسؤولين المغاربة لكن بدون جدوى، ثم أرسل رسائل عدة بالبريد إلى السيدة بديعة المسناوي في وزارة الداخلية وعبد الحق العشعاشي وجميل الحسين وهابي الطيب بالكاب، دون أن يحصل على نتيج، وأخيرًا وجه رسائل مكتوبة إلى رئيس الدولة وصلت إلى الديوان الملكي ولم يتلق ردودًا، وفي النهاية قرر أن يأتي شخصيًا إلى المغرب كان يعيش في تلك الفترة صعوبات مالية وكان يعتقد أن الكاب سيمد له يد المساعدة ويظن أنه يملك سرًا خطيرًا «يريد بيعه للمغرب». وخلال عمله لصالح الكاب عندما كان موظفًا في مطار أورلي وعميلًا في نفس الوقت للمخابرات الفرنسية كان يعلم بأن يصبح ذات يوم مديرًا لشركة الطيران الملكية المغربية لأن أوفقير وعده بذلك في إحدى اللقاءات به وهو في حالة سكر ونشوة.

في الرباط حاول لوبيز أن يتصل بعيد الحق العشعاشي بمقر الإدارة العامة للأمن الوطني، وحين لم يجده ترك روابطه الهاتفية لدى المكلف بالاستقبال، وفي المساء التقاه العشعاشي بفندق «حسان» الذي كان ينزل به دائمًا عملاء الكاب، لكنه هذا المساء قابل شخصًا آخر غير عبد الحق العشعاشي الذي كان يعرفه في الستينيات، جلس الاثنان في مكان منعزل في الفندق لمدة ساعتين في نقاشات مطولة، وتحدث لوبيز عن «السر» الذي ادعى أنه يملكه والدليل، الذي قال إنه يتوافر عليه، ثم طلب مبلغًا كبيرًا من المال. لكن العشعاشي نصحه بالصمت ومغادرة المغرب خلال أربع وعشرين ساعة القادمة بشكل نهائي. ورغم ذلك الرد البارد الغليظ فقد حاول لوبيز أن يلتقي الحسين الثاني في فرنسا اشاء زياراته خلال فترة الثمانينيات والتسعينيات دون جدوى.

أرشيفات

إن الحقائق بشأن ما وقع في مطار أورلي أو مطار بورجي يومي 29 و30 أكتوبر 1965توجد في الأرشيفات السرية بعدد من الإدارات والمؤسسات والمصالح الفرنسية:

1- على مستوى ولاية الأمن: لقد عقد وزير الداخلية الفرنسي رجر فري لقاءين وجهًا لوجه مع والي الأمن في منطقة باريس موريس بابون يومي ۲۹ و30 أكتوبر 1965في مكتب الوزير، والتقارير السرية للاستعلامات العامة الفرنسية والأمن الإقليمي تبدأ بهذه العبارات «بتدخل من السيدين روجر فري وموريس بابون...» أو «بتدخل من السيدين وزير الداخلية ووالي منطقة باريس للأمن ...» أو تبعًا للتعليمات الشفاهية للسيدين روجر فري وموريس بابون..... وقبل القراءة يوقع الوالي على كل تقرير قبل أن يضع التقارير كاملة في الأرشيف السري ولابد أن تكون الإشارة إلى التدخل المزدوج لكل من فري وبابون قد وردت في التقارير التحليلية الأسبوعية التي ترفع عادة إلى وزير الداخلية ورئيس الحكومة ورئاسة الجمهورية الفرنسية والمدير العام للأمن الوطني، أما التقارير التي يمكن أن تفيد القضاء وتساهم في تعرية الحقيقة فهي مؤرخة في 2 و3 نوفمبر 1965 لأن يوم الإثنين الموافق للأول من نوفمبر كان يوم عطلة في فرنسا في ذلك الوقت نفس الأمر مع التقرير الأسبوعي التحليلي المؤرخ في 2 أو 3 نوفمبر والتقريرين الشهريين لشهري أكتوبر ونوفمبر اللذين يتضمنان الإشارة إلى رقمي تسجيل الطائرتين العسكريتين المغربيتين وهويتي قباطنتهما وأوقات الهبوط والإقلاع ومكان قدومهما واتجاههما وأرقام أجنحة المطار التي نزلنا بها والهويات المزورة لكل من أوفقير والدليمي ومرافقيهما الحسنوي التونسي وجثمان بن بركة. إن الاطلاع على هذه الأرشيفات من طرف القاضي الفرنسي لويس زولينغر عام ١٩٦٥ كان سيسمح له بالكشف عن عدة جوانب من لغز اختفاء المهدي بن بركة.

في نوفمبر ١٩٦٥ لم يكن لدى القاضي الفرنسي المذكور أي مبرر او مستند لاستدعاء موريس بابون ومعاونيه إلى مكتبه للاستماع إلى إفاداتهم، والسبب واضح، لأن العميد الممتاز للشرطة القضائية «بوفييه» الذي كان مكلفاً بالتحقيق لم يسجل تلك الجزئيات المتعلقة بالحياة الداخلية لولاية الأمن في محاضره، لقد فضل عن عمد وسبق إصرار إبعاد تلك المعطيات كشكل من التضامن مع زملائه، وربما كان ذلك بإيعاز من جهات عليا لتجنب وقوع كارثة حقيقية كانت ستنفجر أولًا في فرنسا، وقد فعل ذلك لسحب البساط من تحت قدمي القاضي الفرنسي والحيلولة بينه وبين الذهاب حتى النهاية.

2- على مستوى مصالح الاستعلامات العامة: كان عميد الشرطة الإقليمي جون كاي، رئيس الاستعلامات العامة بباريس في عطلة بين 29 أكتوبر على الساعة العاشرة و2 نوفمبر على الساعة السادسة مساء وذلك بمناسبة عيد جميع القديسين وقبل ذهابه في عطلة قام بتعيين رجال الأمن المكلفين بضمان أمن وحماية المهدي بن بركة فور وصوله إلى مطار أورلي أو مطار بورجي.

وعند عودته علم من خلال مساعديه المقربين كل ما وقع في اليومين السابقين تنفيذًا لتعليمات روجر فري وزير الداخلية وموريس بابون، وقد اطلع في التقارير الموضوعة فوق مكتبه على كل ما قام به بن بركة في صبيحة يوم ۲۹ أكتوبر منذ وصوله إلى المطار وحتى وصوله إلى مطعم ليب واختطافه من طرف شرطيين فرنسيين فاسدين حوالي نصف ساعة بعد منتصف النهار. وقد أنجز رجال الاستعلامات العامة المكلفون بحماية بن بركة والسهر على سلامته تقريرًا وضعوه فوق مكتب رئيسهم في نفس اليوم حوالي الساعة الثانية زوالًا قبل ذهابهم هم أيضًا في عطلة بمناسبة «عيد القديسين» الذي صادف نهاية الأسبوع، وعلم رئيس الاستعلامات من خلال الهتاف وهو في عطلته بنبأ اختطاف بن بركة بشارع الشانزيليزيه، ولم يظهر له أثر بعد ذلك، وأن كلًا من الجنرال أوفقير والدليمي قد مكنا بباريس ذلك اليوم واليوم التالي لبضع ساعات، كما اطلع على أرقام سيارة الشرطة التي نقلت بن بركة صوب جهة مجهولة، وتعرف أيضًا على هوية رجلي الأمن الفرنسيين الذين قاما بعملية الاختطاف.

يوم الثلاثاء ٢ نوفمبر التقى كل من جون كاي وبوفييه بمكتب والي الأمن في العاصمة موريس بابون للتحدث سويًا في موضوع الاختطاف، لأن تقارير الاستعلامات كانت تشير إلى أن زعيم الاتحاد الوطني للقوات الشعبية تعرض للاختطاف من طرف رجلي أمن فرنسيين تابعين لفرقة مكافحة المخدرات، وأن العملية تمت باستعمال سيارة تابعة للشرطة الفرنسية وقد تم التعرف على هوية الشرطيين الفرنسيين وهما: لويس سوشون وروجي فواتو وتم إلقاء القبض عليهما كما تم إلقاء القبض على كل من أنطوان لوبيز وفيليب بيرنيي الصحافي والشرطي/ الطالب المغربي غالي الماحي بضعة أسابيع أو أيام بعد القبض على الكولونيل «لوروا فانفيل» من مصلحة محاربة التجمس الفرنسية.

يتبع …

الرابط المختصر :