العنوان العلاقات الخليجية - الإيرانية.. تاريخ من التغيرات المثيرة
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 25-مايو-1999
مشاهدات 62
نشر في العدد 1351
نشر في الصفحة 22
الثلاثاء 25-مايو-1999
رفسنجاني دشن مرحلة الانفراج الحذر.. وخاتمي اتجه نحو الانفتاح.. لكن الموقف الإيراني من «الجزر» يثير العديد من التساؤلات
فتحت جولة الرئيس الإيراني محمد خاتمي ملف العلاقات الخليجية - الإيرانية على وجه الخصوص.. فما المراحل التي مرت بها تلك العلاقة منذ عهد الشاه حتى الرئيس خاتمي؟
منذ عهد الشاه مرت العلاقات الخليجية - الإيرانية بالعديد من المراحل التي تختلف عن بعضها من حيث شكلها والظروف الإقليمية والدولية التي أحاطت بها وألقت بتأثيراتها عليها.
أولى هذه المراحل مرحلة: الهيمنة الإقليمية في عهد الشاه، حيث كانت إيران تلعب دور الشرطي الإقليمي بدعم ومساندة الولايات المتحدة كما كانت طرفًا في كل التحالفات التي قامت بدعم أمريكي لتنفيذ أهداف السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط، وكان لها أطماعها الإقليمية الواضحة في الدول المجاورة، سواء في فترة الوجود البريطاني في الخليج أو بعد انسحاب بريطانيا منه عام ۱۹۷۱م حالت دون تحقيقها أسباب عديدة، إلا أنها أدت إلى توتر العلاقات بين شاطئي الخليج في بعض الفترات.
وثانية هذه المراحل: مرحلة التوتر والتي بدأت مع قيام الثورة الإيرانية عام ۱۹۷۹ م وما صاحبها من أطروحات تصدير الثورة.
وقد زاد من سخونة مياه الخليج خلال هذه الفترة العداء الأمريكي الشديد للثورة الإيرانية وسعي الولايات المتحدة بكل الطرق إلى تطويقها والقضاء عليها.
ومع اندلاع الحرب العراقية – الإيرانية في عام ۱۹۸۰م والتي استمرت ثماني سنوات - بدأت مرحلة جديدة من مراحل العلاقات الإيرانية الخليجية هي مرحلة الصدام، حيث تحول التوتر إلى اشتباك عسكري بين شاطئي الخليج اشتركت فيه العراق وإيران بصورة مباشرة، ودول أخرى وقفت إلى جانب بغداد ماديًّا ومعنويًّا.
وخلال هذه المرحلة استطاع العراق أن يحول الحرب إلى حرب عربية - فارسية، بدعوى أنه يدافع عن البوابة الشرقية للأمن القومي العربي ضد طموحات الهيمنة الفارسية.
وكان الغزو العراقي الدولة الكويت في أغسطس عام ۱۹۹۰م إيذانًا ببدء مرحلة جديدة تتسم بسمات جديدة في العلاقات بين إيران ودول الخليج، حيث أدانت إيران عملية الغزو، ووقفت على الحياد بشأن التحالف الدولي الذي تشكل لطرد القوات العراقية الغازية من الكويت، ولذا يمكن أن نطلق على هذه المرحلة من العلاقات «مرحلة الحياد المشوب بالتوتر»، أحدث غزو الكويت صدمة كبيرة لدول العالم العربي، وأطاح بالعديد من المسَلَّمات الخاصة بمصادر التهديد لأمن الخليج والأمن القومي العربي بشكل عام والتي كانت إيران من ضمنها قبل أغسطس ۱۹۹۰م، وبالتالي بدأت إرهاصات التقارب بين دول مجلس التعاون وإيران، غير أن ترتيبات الأمن التي تم إرساؤها في المنطقة بعد انتهاء عملية عاصفة الصحراء والتي اعتمدت على الاتفاقيات الأمنية مع الدول الكبرى، وإعلان دمشق الذي ضم إلى جانب دول مجلس التعاون الست مصر وسورية، فقد أغضبت إيران بشدة حيث عارضت الأخيرة وجود أي قوات أجنبية أو عربية غير خليجية استنادًا إلى أن أمن الخليج مسؤولية دوله، وأن إيران طرف محوري في أي ترتيبات بهذا الشأن.
وخلال هذه الفترة حدثت بعض التوترات بين إيران ودول مجلس التعاون حاول بعض الأطراف الدولية إذكاءها وتصعيدها إلا أن التعامل الحكيم معها من قبل دول المجلس حال دون تفاقمها.
ومع تصعيد التشدد الأمريكي تجاه إيران وسعْي واشنطن إلى محاصرتها سياسيًّا واقتصاديًّا وعسكريًّا، سواء من خلال قانون داماتو الذي قرر فرض عقوبات اقتصادية أمريكية على أي شركة تستثمر في قطاع الطاقة الإيراني أكثر من ٤٠ مليون دولار، ومن خلال الضغط على روسيا والصين وكوريا لقطع تعاونهم العسكري مع طهران، إضافة إلى المضايقات الإسرائيلية -بدأت إيران في نهاية عهد الرئيس السابق هاشمي رفسنجاني في التقارب مع دول الخليج خاصة مع مواقف الأخيرة التي عبرت عن رغبة في عدم إثارة أي توتر معها.
ومن هنا بدأت مرحلة جديدة من مراحل العلاقات الإيرانية - الخليجية يمكن أن يطلق عليها اسم مرحلة الانفراج الحذر، والتي عبرت عن نفسها من خلال عدة مظاهر أهمها:
- اللقاء الذي تم بين رفسنجاني وولي العهد السعودي الأمير عبد الله بن عبد العزيز على هامش اجتماعات مؤتمر القمة الإسلامي الاستثنائي في إسلام أباد عام ۱۹۹۷م، والذي كان أول لقاء خليجي - إيراني على هذا المستوى منذ الثورة في عام ١٩٧٩.
- الجولة التي قام بها وزير الخارجية الإيراني السابق علِي أكبر ولاياتي في الخليج وبعض الدول العربية الأخرى لدعوتها لحضور مؤتمر القمة الإسلامي في طهران في ديسمبر ۱۹۹۷م.
- مطالبة إيران بتعاون أمني مع دول الخليج وتعزيز العلاقات مع مصر خاصة في المجال العسكري دون ربط ذلك بعودة العلاقات الدبلوماسية بينهما.
- استئناف الرحلات الجوية بين جدة وطهران وعودة العلاقات الدبلوماسية التي قطعت في عام ١٩٩٦ م بين إيران والبحرين.
مرحلة الانفتاح: وعندما جاء محمد خاتمي إلى الحكم في نهاية عام ۱۹۹۷م، كان ذلك بمثابة تحول تاريخي في إيران الثورة ذي بعدين أحدهما داخلي يتعلق بنجاح الخط الإصلاحي المعتدل والثاني خارجي يتعلق بتوجهات الرئيس الجديد الانفتاحية تجاه العالم والجيران، حيث أكد أنه سوف يضع ضمن أولى أولوياته، فتح حوار مع كل دول العالم بما فيها الولايات المتحدة التي توصف في إيران بأنها الشيطان الأكبر، وركز خاتمي في إطار ذلك على علاقات إيران بدول الجوار وهي دول الخليج والدول العربية الأخرى، وهذا ما انعكس في أمرين هما:
1-ضمت حكومته التي قدمها للبرلمان لأخذ الثقة العديد من العناصر ذات التوجهات العربية الواضحة مثل: محمد أبطحي الذي وضعه خاتمي على رأس مكتبه، وهو المعروف بعلاقاته الوثيقة بالعالم العربي.
كما أن وزير الدفاع الأدميرال علي شمخاني من أصول عربية، حيث إنه من عائلة الشمخانة وهي فخذ من أفخاذ بني تميم المنتشرة بين ضفتي شط العرب.
أما وزير الثقافة الدكتور عطا الله مهاجراني فمعروف عنه اهتمامه الواضح بمتابعة الحركة الثقافية العربية والشؤون العربية بشكل عام.
فضلًا عن أن خاتمي نفسه كان يولي اهتمامًا كبيرًا بالعلاقات مع العرب قبل وصوله للحكم وكان أول تقرير يطلبه بعد وصوله للحكم عن العلاقات الإيرانية – العربية.
2-إصدار أول صحيفة بالعربية في إيران أطلق عليها اسم «وفاق»، تعبيرًا عن طبيعة المرحلة القادمة في العلاقات بين الطرفين، وأشير إلى أنها تأتي في إطار الجهود الإيرانية لتحسين العلاقات مع العرب وخاصة أنه يساهم فيها ۲۰ صحفيًّا عربيًّا، ولاقت ترحيبًا واسعًا داخل الأوساط الإيرانية، حيث رحبت بها صحيفة «إيران ويكلي» مشيرة إلى أن إيران والدول العربية تتمتع بموروث ثقافي وإسلامي عريض، لذا فإن لديهما القدرة على التفاهم ودعم علاقات الصداقة.
وقال مدير وكالة الأنباء الإيرانية التي تصدر عنها الصحيفة في افتتاحيتها: إن إصدارها يستهدف فتح صفحة جديدة في العلاقات الطبيعية بين جناحي الحضارة الإسلامية وحضارة الشرق الأوسط العالمية.
وقد ترجم مؤتمر القمة الإسلامي في ديسمبر ۱۹۹۷م نجاح سياسة خاتمي الانفتاحية
تجاه دول الخليج، وهذا ما وضح من الحضور العربي والخليجي، وعلى مستوى عال في القمة.
وقد حرص المسؤولون الإيرانيون – سواء خاتمي أو خامنئي - على عدم إثارة قضية التسوية العربية - الإسرائيلية أو أي من القضايا الخلافية الأخرى مثل العراق والقوات الأجنبية في الخليج أثناء القمة، أو في البيان الختامي لها الذي انتقد إسرائيل لاستمرار احتلالها للأراضي العربية دون التعرض لعملية التسوية التي ترفضها إيران بشدة، كما لا تعترف بإسرائيل أصلًا.
وعلى هذا فقد كانت القمة نقطة انطلاق للعلاقات الإيرانية - الخليجية، والإيرانية - العربية بشكل عام، وهذا ما انعكس في حجم الزيارات المتبادلة واتفاقيات التعاون التي عقدت بين إيران ودول الخليج، حيث زار الخليج أكثر من مسؤول إيراني على رأسهم رفسنجاني وكمال خرازي وزار إيران أكثر من مرة مسؤول خليجي على رأسهم ولي عهد الكويت، ووزير الخارجية السعودي.
وخلال هذه الفترة بدأت صورة إيران تتغير في الإدراك السياسي والأمني العربي، وهذا ما عبر عن نفسه من خلال العديد من المظاهر أهمها:
- التأكيد على أن إيران طرف أساسي و محوري في منطقة الخليج لا يمكن استبعاده عند الحديث عن أي ترتيبات إقليمية أمنية أو سياسية فيه.
- المطالبة بمحور عربي - إيراني ضد المحور الإسرائيلي - التركي، ولمواجهة التحديات المشتركة سواء في منطقة الخليج أو على مستوى منطقة الشرق الأوسط بشكل عام.
- تغيرت اللهجة الخليجية تجاه إيران بصورة واضحة في البيانات الصادرة عن اجتماعات تغيرت اللهجة الخليجية تجاه إيران بصورة واضحة في البيانات الصادرة عن اجتماعات وزراء خارجية دول مجلس التعاون أو اجتماعات القمة، فأخذت ترحب بالتوجهات الانفتاحية للرئيس خاتمي دون أن تتحدث عن الأخطار الإيرانية على أمن الخليج.
- لم تعد المناورات العسكرية الإيرانية أو جهود إيران التسليحية تغضب دول مجلس التعاون والمثال البارز في هذا الشأن هو تجربة إطلاق صاروخ شهاب ۳ الإيراني، والذي قالت عنه دول الخليج إنه لا يمثل أي مصدر تهديد لها، وقالت إيران إن قدراتها العسكرية تحت تصرف دول الخليج الأخرى.
وقد ساعد على هذه التوجهات الموقف الإيراني المتفق مع الموقف العربي في العديد من القضايا مثل: التحالف بين تركيا وإسرائيل وأسعار البترول وغيرها.
لكن الموقف الإيراني من قضية الجذر الإماراتية التي تحتلها إيران وترفض الجلاء عنها وإقدامها على إنشاء وحدة بلدية بها، وإجراء مناورات عسكرية بالقرب منها يدعو إلى إثارة العديد من الملاحظات حول التناقض في السلوك الإيراني، ففي الوقت الذي يدعو فيه خاتمي إلى تحسين العلاقات مع دول الخليج، ويخطو خطوات ملموسة في هذا الشأن، يستمر الموقف الإيراني القديم من الجزر والذي يؤكد على إيرانيتها».
ونشير هنا إلى ملاحظتين اثنتين:
أولًا: جاءت الإرهاصات الأولى للانفراج بين ضفتي الخليج بمبادرة إيرانية في عهد الرئيس الإيراني السابق رفسنجاني في ظل ظروف إيرانية صعبة بعد صدور قانون «داماتو» وإحكام سياسات الحصار الأمريكية حولها سياسيًّا واقتصاديًّا، وتعلقت أهم مظاهرها وهي جولة ولاياتي العربية بالدعوة لحضور مؤتمر القمة الإسلامي في طهران، والذي كان أهم حدث إسلامي بها بعد الثورة، وكانت تحرص على إنجاحه بحضور عدد كبير من القادة العرب والمسلمين به بصورة تثبت للولايات المتحدة فشل سياسة الحصار التي تفرضها عليها ولهذا كان من اللافت للنظر أن القادة الإيرانيين حتى المتشددين حرصوا على عدم إثارة أي قضية تغضب العرب أثناء القمة أو في بيانها الختامي.
ويؤدي ذلك إلى القول إن طبيعة الظروف التي تمت فيها دعوات الانفتاح الإيرانية مع العرب تثير الشكوك حول أهدافها، وهل ما حدث تحول إستراتيجي، في النهج الإيراني تجاه الضفة الأخرى من الخليج أم أنه تحرك تكتيكي مصلحي، كانت الولايات المتحدة هي المقصودة به أساسًا، دون أن يعني استعدادًا إيرانيًّا حقيقيًّا المطابقة الأقوال مع الأفعال في علاقاتها العربية ووفقًا لذلك فإن تحسن العلاقات الإيرانية - الأمريكية أو الأوروبية سوف يعني أن المعادلة المعكوسة سوف تعود إلى وضعها الطبيعي، بأن تمتلك إيران ناصية علاقاتها مع العرب وتوجهها بالصورة التي تخدم مصالحها بالأساس.
ثانيًا: جاءت مظاهر الانفراج في العلاقات بين إيران والعرب في ظل مواجهة المنطقة العربية بتحديين أساسيين هما:
أ-التدهور الكبير في عملية التسوية في ظل حكومة نتنياهو الذي اعتمد على اختلال توازن القوى مع العرب في التملص من التزاماته وتحقيق أكبر المكاسب في مواجهتهم، إضافة إلى تجاهل أفكار الشرق أوسطية التي روج لها سلفه شيمون بيريز.
ب-مواجهة العرب لتحديات أمنية عديدة تتمثل في التحالف العسكري الإسرائيلي - التركي والهجمات التركية المستمرة على شمال العراق.
ومن هنا يتحدث البعض عن استغلال إيراني للظرف التاريخي الصعب الذي تمر به الأمة العربية لفتح حوار معها، وضعفها في تثبيت أقدامها في الخليج، ولعب دور إقليمي مؤثر فيه على حسابهم.
ويبقى أن الطرفين العربي والإيراني في حاجة إلى التقارب، ونسيان الماضي، لأن في ذلك تحقيقًا للمصالح المشتركة في مواجهات تحديات مشتركة أيضًا.