العنوان من روائع حضارتنا
الكاتب د. توفيق الواعي
تاريخ النشر السبت 31-مايو-2008
مشاهدات 71
نشر في العدد 1804
نشر في الصفحة 39
السبت 31-مايو-2008
لم تكن الحضارة الإسلامية روحية فقط، أو أخلاقية بدون رخاء أو تكنولوجيا أو علم، وإنما ...انت حضارة جامعة محيطة، تحترم الحياة وتلبي ... الإنسان وتطلعاته، تهتم بإيمانه وعقيدته ما تهتم بمعاشه وواقعه، وتغذي روحه وقلبه كما طعم بطنه وجسده وتهتم بلباسه ومظهره، كما يرعى أمانته وأدبه، والإنسان المؤمن يزكيه نشاطه الحيوي، وعمله وجهده، وفي الأحاديث والآثار في هذه الحضارة ما يدفع إلى ذلك، ويرشد المسيرة الخيرة التي يحتاجها العالم.
عن عمرو بن العاص، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «نعم المال الصالح للمرء الصالح» المال الذي اكتسب من حلال وأنفق في حلال، يكون زيادة في سعادة الأفراد والأمم، وقوة للشعوب والدول.
عن عبد الله بن بريدة، قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «فخر أهل الدنيا الذي يذهبون إليه هذا المال».
عن الحسن، عن سمرة بن جندب، قال رسول الله ﷺ: «الحسب المال، والكرم التقوى».
عن يحيى بن سعيد ، قال: سمعت سعيد بن المسيب، يقول: «لا خير فيمن لا يريد جمع المال من ....، يكف به وجهه عن الناس، ويصل به رحمه ويعطي منه حقه».
قال سعيد بن المسيب: «ينبغي للعاقل أن يحب حفظ المال في غير إمساك، فإنه من المروءة، يكف به وجهه، ويكرم نفسه، ويصل منه رحمه».
عن بلال بن سعيد، قال: خطب عمر بن الخطاب على منبره، فقال: «يا معاشر العرب، أصلحوا هذا المال إنه خضرة حلوة، وإن هذا المال يوشك أن يصير إلى الأمير الفاجر أو التاجر النجيب»، قال أبو بكر بن ... الدنيا: «الماهر في الأمور».
عن القاسم بن محمد، قال: لما كان زمن عمر كثر المال، وحدثت الأعطية، وكف الناس عن طلب ...، قال عمر: «أيها الناس أصلحوا معايشكم فإن فيها صلاحًا لكم وصلة لغيركم».
عن العلاء بن زياد، قال: قال عمر: «عليكم بالجمال واستصلاح المال، وإياكم وقول أحدكم: ما ....».
عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب، أنه أدرك دنانير كثيرة، فلما حضرته الوفاة، قال: «للهم إنك تعلم أني لم أجمعها إلا لأصون بها ...، وأصل بها رحمي، وأكف بها وجهي، وأقضي بها ديني، لا خير فيمن لا يجمع المال ليكف به ...، ويصل به رحمه ويقضي به دينه، ويصون به دینه».
حدثنا الحسين بن علي العجلي، قال: سمعت عبيد الله بن موسى، يقول: سمعت سفيان الثوري يقول: «المال في هذا الزمان سلاح المؤمن».
حدثنا أبو عبد الله الباهلي، حدثنا أبي قال: سمعت سفيان الثوري، يقول: «كنا نكره المال للمؤمن، وأما اليوم فنعم الترس المال المؤمن».
عن عروة بن الزبير، قال: قال الزبير: «إن المال فيه صنائع المعروف، وصلة الرحم، والنفقة في سبيل الله عز وجل، وعون على حسن الخلق وفيه مع ذلك شرف الدنيا ولذتها».
عن سعيد بن المسيب، يقول: «لا خير فيمن لا يحب المال، ليؤدي عنه أمانته، ويصل رحمه ويستغني به عن خلق ربه عز وجل».
عن المغيرة بن شعبة، قال: سمعت رسول الله ﷺ ينهى عن وأد البنات، وعن عقوق الأمهات وعن منع وهات، وعن قيل وقال، وعن كثرة السؤال، وعن إضاعة المال.
سأل رجل سعيد بن جبير عن نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن إضاعة المال، قال: هو أن يرزقك الله رزقًا حلالًا فتنفقه فيما حرم الله عليك.
عن الشعبي، قال: قال معاوية للأحنف: ما تعدون المروءة فيكم؟ قال: التفقه في الدين، وبر الوالدين، وإصلاح المال. فأرسل معاوية إلى يزيد فقال اسمع من عمك. وسئل أبو هريرة عن المروءة ما هي؟ فقال: «الثبوت في المجلس، والغداء والعشاء في أفنية البيوت، وإصلاح المال».
قال رجل لمعاوية: «المروءة إصلاح المال، ولين الكتف والتحبب إلى الناس».
عن عبدالمجيد بن أبي عبس، قال: دخل أحيحة بن الجلاح حديقته الزوراء، فهبط به نسوة من بني سليم، وأنزلن به حاجاتهن، فقال ادخلوا، فدخلن، فبينا هو يمشي في حديقته إذ نظر إلى تمرة فأخذها، ثم إلى أخرى فأخذها فجعل يلقط التمر كذلك، حتى جمع تمرات فقالت امرأة منهن: ألا ترين إلى ما يصنع؟ ما لكن عنده خير بعد هذا، فارجعن، فسمع قولها فقال: التمرة إلى التمرة تمر، والذود إلى الذود إبل، فذهب مثلًا، وأنشأ يقول:
ولن أزال على الزوراء أعمرها
إن الحبيب إلى الإخوان ذو مال
استغن أو مت ولا يغررك ذو نشب
من ابن عم ولا عم ولا خال
قال الأشعث بن قيس لبنيه يا بني اصلحوا المال لجفوة السلطان، وشؤم الزمان.
كتب الحسن إلى الحسين رضي الله عنهما يعيب عليه إعطاء الشعراء، فقال الحسين إن خير المال ما وقي به العرض.
وقال مروان بن الحكم، لوهب بن أسود الثقفي ما المروءة فيكم؟ قال: العفاف، وإصلاح المال، فقال مروان: علي بعبد الملك والعبد العزيز فلما أتيا. قال: اسمعا ما يقول عمكما ؟ قال: فما السؤدد فيكم؟ قال: الحلم والنوال. قال: أي بني اسمعوا.
قال عبدالملك لرجل من قريش إنا نعد الحلم وإعطاء المال سؤددًا، ونعد القيام على المال وإصلاحه مروءة.
عن عائشة قالت: كان من دعاء النبي صلى الله عليه وسلم الذي لا يكاد أن يدعه: «اللهم اجعل أوسع رزقك علي عند كبر سني وانقطاع عمري، وقرب أجلي».
وعن العلاء بن زياد، قال: قال عمر رضي الله عنه: «عليكم بالجمال، واستصلاح المال، وإياكم وقول أحدكم لا أبالي».
ولهذا كان نشاط المال في الأمة يرفع قيمتها ويسد جوعتها، ويزكي قوتها، وكان جلب التجارة وإدارة المال لنفع الناس وعدم الإضرار بهم فضيلة تبارك الرزق وتزكي المال، ولهذا قيل: «الجالب مرزوق، والمحتكر ملعون» بل جعل الرسول ﷺ من يستورد الطعام وييسر على الناس له أجر شديد، إعظامًا لشأنه.
عن إبراهيم النخعي، عن ابن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من يجلب الطعام إلى بلد من بلاد المسلمين، فباع بسعر يومه محتسبًا، كان له أجر شهيد، ثم تلا النبي ﷺ: ﴿وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ اللَّهِ ۙ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ۖ﴾ (المزمل:۲۰)
قال أبو نصر قلت المعافى وترى الكداد على عياله محتسبا ؟ قال: وهل المحتسب غيره.
هل تسمع الأمم التي لا تجد اليوم ما تأكله والتي تسرق أموالها وتحتكر أرزاقها، هذه التوجيهات وتسير على الطريق، أم أنها قد صمت الآذان وأغلقت العقول وسارت إلى قدرها المحتوم.