العنوان تصحيح بشأن قضية الصحراء
الكاتب أحمد سالم محمد
تاريخ النشر الأحد 30-نوفمبر-1997
مشاهدات 58
نشر في العدد 1276
نشر في الصفحة 34
الأحد 30-نوفمبر-1997
قرأت المقال الذي كتبته الأخت نوال السباعي تحت عنوان «الصحراء الغربية.. ثاني أهم قضية سياسية في العالم»، وذلك في العدد (1264)، الصادر بتاريخ 28 أغسطس 1997م، ولقد رأيت أن أتوقف عند بعض الأفكار التي وردت في المقال المذكور، والذي يعتبر في حد ذاته خطوة في الاتجاه الصحيح نحو تعريف المسلمين بحقيقة جرح من جراح العالم الإسلامي طال نزفه وألمه وسط تجاهل مقصود ومدير من وسائل الإعلام، حتى كان ما يجري في الصحراء الغربية يحدث في قارة بعيدة أو على كوكب آخر.
فالذي يجهله الكثيرون هو أن قضية الصراعات بين أهالي الصحراء الغربية والمسلمين والاستعمار الإسباني والفرنسي كانت في جوهرها وجهًا آخر من وجوه الصراع الدامي والطويل بين الإسلام وأعدائه، فبعد فشل محاولات التنصير وتذويب الشخصية العربية - الإسلامية للإنسان الصحراوي، وكذلك إثر تبدد محاولات إسبانيا نسج شراك ما يعرف بسياسة - الإدماج، أنشأ السيد محمد بصيري -وهو صحفي صحراوي درس بالقاهرة ودمشق في أواخر السبعينيات- حركة سياسية عرفت باسم الحزب المسلم، والتي كانت فضلًا عن برنامجها المتركز على الحفاظ على الهوية العربية - الإسلامية لأهالي الصحراء الغربية كمجموعة بشرية متميزة تاريخيًا وثقافيًا وعرقيًا تحرص كذلك على الدفاع عن حقوقها السياسية والاقتصادية في وقت تكالبت فيه الشركات الاستعمارية الغربية على هذه الأرض، ولكن النهاية المأساوية لهذه الحركة المسالمة والتي تمثلت في القضاء على رموزها إثر مظاهرات سلمية جرت في مدينة العيون في 17 يونيو 1970م انتهت باعتقال زعيمها واختفائه مع المئات من مناصريه كل هذا هيأ الظروف لميلاد جبهة البوليساريو التي قامت كرد فعل شعبي على فشل سياسة المطالبة السلمية والنضال السياسي التي لم تجد صدى أمام صلف وغطرسة المستعمر الإسباني، وكان البديل هو الكفاح المسلح كطريق وحيد للتحرير.
هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن الثروات الطبيعية الهائلة للصحراء الغربية كانت تشكل دافعًا رئيسيًا في تصلب الموقف المغربي المطالب بضم الصحراء بأي ثمن ومن ورائه موقف بعض المثقفين المغاربة.
والآن لنعود إلى مقال السيدة نوال السباعي الذي تضمن جملة من الأحكام المسبقة والأفكار التي لا نتفق مع كثير منها، ولكن قبل الرد نفضل الإشارة إلى مسألة قد تغيب عن أذهان الكثيرين من القراء مفادها أن جدية الجانب المغربي في تطبيق مشروع السلام الأممي في الصحراء تصبح محل تساؤل إذا تذكرنا أن ملك المغرب أعلن عن قبوله تنظيم استفتاء تقرير المصير في الصحراء الغربية بهدف صرف منظمة الوحدة الإفريقية عن ضم الجمهورية الصحراوية إلى حظيرتها، حين أعلن عن ذلك في قمة منظمة الوحدة الإفريقية المنعقدة في نيروبي بكينيا في صيف 1981م، وكان المغرب في بداية الأمر مصرًا على أن يصوت في الاستفتاء المزمع إجراؤه أولئك الصحراويون الذين شملهم الإحصاء الإسباني لعام 1974م والبالغ عددهم 74 ألف نسمة فقط، ولكن بعد ذلك عاد ليقترح إضافة حوالي 180 ألف مواطن مغربي بحجة أنهم صحراويون خرجوا من الصحراء في زمن الاحتلال الإسباني، وسر هذا الانقلاب في الموقف المغربي يعود إلى حالة التذمر والرفض التي ما فتئ سكان الصحراء يبدونها للحكم المغربي من خلال المظاهرات وتوزيع المنشورات المؤيدة لجبهة البوليساريو، مما يعني حتمية استقلال الصحراء في حالة إجراء استفتاء عادل ونزيه لشعبها، ولا بأس من تذكر أن الـ 180 ألف مواطن إضافي الذين يصر المغرب على ضمهم إلى لائحة المصوتين هم مغاربة لا علاقة لهم بالصحراء.
ورد في المقال إشارة إلى دور ألمانيا وبريطانيا الخفي في نزاع الصحراء الغربية وهو دور مبالغ فيه إن كان ثمة وجود لمثل هذا الدور أساسًا والكاتبة تقول في مقالها «بالنسبة لألمانيا فإنها تملك وتسيطر على جزء لا يستهان به من شركات استثمار الفوسفات في الأراضي الصحراوية» وهذا خلاف للواقع إذ إنه لا وجود أصلًا لشركات من هذا النوع، فمنجم الفوسفات الوحيد المستغل في الصحراء الغربية هو منجم «بوكراع» وتستغله شركة فوس بوكراع التي أنشأتها الحكومة الإسبانية عام 1968م، وتملك الآن 35 % من أسهمها، في حين يملك المكتب الشريفي للفوسفات التابع للحكومة المغربية 65 % من أسهم هذه الشركة.
كما ورد في المقال المشار إليه عبارة تقول: «سارعت إسبانيا إلى الانسحاب من الصحراء بعد أن أجرت استفتاءها الذي تسبب في إطالة عمر صراع في الصحراء عشرين عامًا فيما بعد مفسحة المجال لإمكانية تسليمها إلى البوليساريو التي أصبحت تتخذ من مدريد مقرًا إضافيًا لها». وهذا القول يخالف وقائع التاريخ، فأبسط العارفين بمجرى الصراع في الصحراء الغربية يعلم أن إسبانيا لم تجر أي استفتاء في الصحراء خلافًا المطالب الأمم المتحدة، ولكن الذي جرى هو توقيع اتفاق ثلاثي بين المغرب وإسبانيا وموريتانيا سلمت بموجبه إسبانيا الصحراء إلى المغرب وموريتانيا لتقسيمها أرضًا وشعبًا بينهما كما يقسم القطيع دون أخذ في الاعتبار رأي أو مصالح الشعب الصحراوي.
هذا الاتفاق الذي أعطى الضوء الأخضر للجيش المغربي لتعبر قواته الحدود الشمالية للصحراء في 31 أكتوبر 1975م في الوقت الذي كانت فيه القوات الموريتانية تجتاز الحدود الجنوبية لهذا البلد الصغير، كل ذلك بمباركة إسبانيا وبمساندتها التي لم تخرج من الصحراء إلا في 26 فبراير 1976م ولم يمر الاجتياح المغربي - الموريتاني دون ضحايا، ذلك أنه صوحب بقصف مكثف للمدن والقرى الصحراوية، الشيء الذي أسفر عن قتل المئات من المدنيين الصحراويين في أم دريكة، وأمغالا، وتفاريتي، وغيرها، كل ذلك أجبر عشرات الآلاف من الأهالي على الهروب في اتجاه الحدود الجزائرية بحثًا عن ملجأ أمن، وقد أسفر هذا كله عن تشريد وإبعاد الآلاف من الصحراويين الآمنين.
في مكان آخر من المقال تقول السيدة نوال السباعي: «هناك -أي في الصحراء الغربية- نشأ جيل يكره الدين ورموزه»، وكذلك عبارة غيرت إسبانيا سياستها الاستعمارية الحديثة تجاه البوليساريو من الدعم والتأييد إلى الاحتواء الكامل والتطبيع الثقافي الذي أدى بعد عشرين سنة إلى تنشئة جيل كامل من صنائع الاستعمار الإسباني...» والرد الأمثل على مثل هذه الأحكام نقول للكاتبة والقراء الكرام إن هذا من قبيل المثال الذي أوردته الآية الكريمة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ (الحجرات: 6)، فالقول إن الجيل الحالي في الصحراء الغربية يكره الدين ورموزه وأن هذا الجيل من صنائع الاستعمار الإسباني قول «سيكتب وتسألون»، وأقول للكاتبة: اتقي الله في إخوانك في الدين والعقيدة، وفي شعب يدين عن بكرة أبيه بدين الإسلام والذي لم يرتض عنه بديلًا رغم حوالي 100 سنة من التنصير المسيحي الممنهج، شعب لعب خلال تاريخه المشرف دورًا رائدًا في نشر الإسلام، وفي الذود عن حياضه ولعل في شهادات المستعمرين أنفسهم خير دليل.
هذا من ناحية ومن ناحية أخرى وردت في المقال مجموعة من الأخطاء التاريخية من بينها أن الفوسفات اكتشف في الصحراء عام 1960م والصحيح أنه اكتشف هناك عام 1947م، وبدأ استغلال أول مناجمه في سبتمبر 1963م، كذلك فإنه في العام 1970م لم تكن أول ثورة مسلحة في الصحراء، إذ إن المقاومة الوطنية لم تخمد منذ 1884م حتى 1932م لتبلغ ذروتها في الأعوام 1957 - 1958م، أما سنة 1970م فقد كانت المقاومة سلمية سياسية كما سبقت الإشارة إليه وورد في المقال أنه في عام 1967م أعلن البوليساريو الكفاح المسلح ضد المغرب والواقع أن جبهة البوليساريو بدأت عملها العسكري منذ 20 مايو 1973م، في البداية ضد إسبانيا ومن ثم ضد المغرب وموريتانيا بعد احتلالهما للصحراء الغربية في أكتوبر 1975م لتخرج موريتانيا من هذه الحرب في أغسطس 1979م بعد توقيعها على اتفاق السلام مع البوليساريو وانسحابها من الجزء الذي احتلته من الصحراء، أما في عام 1976م فقد أعلنت جبهة البوليساريو والمجلس الوطني الصحراوي المؤقت عن قيام الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية لسد الفراغ القانوني الذي نتج عن انسحاب إسبانيا من المنطقة دون تمكن شعب الصحراء من ممارسة حقه المشروع في تقرير مصيره واختيار مستقبله.
وفي الختام نشكر لمجلة المجتمع تسليطها الضوء على هذه القضية شبه المجهولة للقارئ العربي المسلم، ونشكر للكاتبة محاولتها تناول هذا الموضوع العويص، أملين ألا تحرم أجر المجتهد في حالتي الصواب والخطأ.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل