العنوان بروفسور أسبوسيتو: هذا ما قلته أمام الكونجرس عن الحركات الإسلامية
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 26-يناير-1988
مشاهدات 84
نشر في العدد 853
نشر في الصفحة 14
الثلاثاء 26-يناير-1988
"ثورة هادئة" تمارسها الجماعات الإسلامية في مصر
الأسلوب الذي تعاملت به أمريكا مع بعض
الأنظمة في الشرق الأوسط ساعد على ظهور العنف بين صفوف الإسلاميين.
المسؤولون الأمريكيون ينظرون إلى
الحركات الإسلامية على أساس أكثر فئاتها تطرفًا.
البروفيسور جون إسبوزيتو واحد من أبرز
الأكاديميين الأمريكيين المتخصصين في الدراسات الإسلامية، وقد عمل تحت إشراف
البروفيسور المرحوم إسماعيل الفاروقي. ويشغل إسبوزيتو في الوقت الحاضر منصب أستاذ
في العلوم الدبلوماسية في مدرسة "فليتشر" للقانون والدبلوماسية في جامعة
"تافتس"، ويُشرف على تدريب وتثقيف عدد من موظفي الخارجية الأمريكية
المقرر ابتعاثهم إلى أقطار العالم الإسلامي.
وللبروفيسور مجموعة كبيرة من الأبحاث
والدراسات والكتب حول الإسلام وقضايا العالم الإسلامي، وله نشاطات واسعة تدور حول
القضية الإسلامية في الولايات المتحدة وفي العالم الإسلامي، حيث قام بزيارة بلدان
إسلامية عديدة واتصل برموز الدعوة الإسلامية وأقطاب المجموعات الإسلامية النشطة.
ولخبرته الواسعة وتخصصه فقد طلب منه الكونغرس الأمريكي في العام الماضي الحضور
للإدلاء بشهادته حول الحركات الإسلامية، وللإجابة على أسئلة واستفسارات أعضاء
الكونغرس بهذا الصدد.
وقد سبق لـ "المجتمع" أن
استضافت البروفيسور إسبوزيتو قبل بضع سنوات، وهي تستضيفه ثانية في هذه الصفحات
لتُجري معه هذا الحوار.
كيف ينظر المسؤولون
الأمريكيون للحركات الإسلامية؟
عندما نتحدث عن المسؤولين في أمريكا،
يجب أن نفرق بين نوعين منهم. فهناك الطبقة الوسطى من موظفي الإدارة الحكومية،
كالخبراء وأصحاب شهادات الدكتوراه عن الشرق الأوسط، وهؤلاء لديهم معرفة أفضل عن
الشرق الأوسط من المسؤولين الكبار في الحكومة، فصناع القرار السياسي في الإدارة
على مستوى الرئيس ومسؤولي الأمن القومي هم الأقل معرفة بشؤون الشرق الأوسط وإن
كانت السلطة بيدهم.
وإن جزءًا كبيرًا من الناس في الولايات
المتحدة يستمدون معلوماتهم وفهمهم للحركة الإسلامية في الشرق الأوسط، أو
"الأصولية" كما يسمونها، من خلال ما يرونه في أجهزة التلفزيون، أو من
خلال الأزمات التي ربطت أمريكا بالشرق الأوسط مثل ما حدث في إيران ثم بيروت
كمسؤولين في الحكومة تعاملوا مع هذه الأزمات.
ولكن هناك فئة أخرى من المسؤولين أكثر
اطلاعًا، وتستطيع على سبيل المثال التفريق بين "الثوريين" من الإسلاميين
وهم يمثلون أقلية، وبين الأغلبية من الإسلاميين والذين هم أقرب إلى صفة المصلحين
الاجتماعيين.
وتبقى المشكلة هنا في المسؤولين في
المستويات العليا، وهذا يُبرز عقلية لا تميز بين الحركات الإسلامية والمتطرف منها
والمعتدل وبين بعض الحكومات، فهناك مشكلة سواء في الإعلام أو في الحكومة وربما في
المجتمع الأمريكي عمومًا حيث هذا الخلط في الفهم.
ماذا بشأن المؤسسات
الرسمية الأخرى في واشنطن مثل الكونغرس ومجلس الأمن القومي وجهاز المخابرات
المركزية؟ كيف ينظر هؤلاء للمسألة؟
بالنسبة لمجلس الأمن القومي فحسب علمي
فإنه حتى فترة وجيزة لم يكن هناك أحد يستوعب أو يفهم الظاهرة الإسلامية. أما
بالنسبة للكونغرس فالأمر مختلط؛ فعندما أدليت بشهادتي في الكونغرس وجدت بعض
الأعضاء يوجهون إليَّ أسئلة تدل على فهم جيد، بينما هناك أعضاء آخرون وجهوا لي
أسئلة تدل على الجهل الشديد، فكل شيء عند هؤلاء هو "خميني".
بينما رئيس لجنة الشرق الأوسط بالكونغرس
واسمه "لي هاملتون" شارك في النقاش، وكان لديه قدرة أكبر على التمييز.
أما بالنسبة للمخابرات الأمريكية فلا
أعرف عن موقفها شيئًا.
بالنسبة للإدارة الحكومية فقد كنت قد
كُلفت خلال السنوات الست الماضية بالمشاركة في البرامج التدريبية للموظفين الذين
يُزمع إرسالهم إلى العالم الإسلامي، لذلك فعندما أزور سفاراتنا في الدول الإسلامية
فإنني أستطيع الالتقاء بعدد من موظفي الإدارة الوسطى الذين أعرفهم، وقد وجدت أن
بعض هؤلاء بفضل الإرشادات وبفضل قراءاتهم عن الظاهرة الإسلامية أكثر قدرة على
التمييز بين الفئات الإسلامية المختلفة. ففي مصر وجدت على سبيل المثال قدرة لدى
موظفي السفارة على التمييز بين الإخوان المسلمين وبين تنظيم الجهاد مثلًا، بل إن
بعض هؤلاء نجحوا في إقامة علاقات ودية واتصالات مع الإسلاميين، بينما لم يكن ذلك
يتم في الماضي.
وكذلك فإن المحللين بمنطقة الشرق الأوسط
والذين يحملون شهادات دكتوراه في هذا التخصص، فإنهم في العادة أكثر فهمًا وإدراكًا
لهذا التيار.
ولكن إذا أتيت إلى المسؤولين الكبار في
الإدارة الحكومية فإن معظمهم ليس في الصورة بالنسبة لهذا الموضوع.
هناك تصور بدأ
بالظهور لدى بعض الإسلاميين بأن الغرب عمومًا والأمريكيين بشكل خاص يحترمون القوة
فقط ويضعون لمن يمارس العنف اعتبارًا. في نفس الوقت فإن الغرب يتعامل مع
الإسلاميين على أساس أكثر الفئات فيهم تطرفًا، ولا يفرق بين متطرف ومعتدل، لذلك
ذهب التفكير ببعض ناشئة الحركة الإسلامية بأنه لا مفر من اللجوء إلى القوة والعنف
خاصة في بعض الدول الإسلامية التي تعاني التسلط والبطش وانعدام الحريات.
دعني أقول لك الآتي: هناك في شتى
المجتمعات سواء في الغرب أو هنا في العالم الإسلامي أناس يؤمنون بأهمية السلطة
والقوة ويحترمونها. ومن تجربتي الشخصية فإنني عندما كنت لا أزال دارسًا أتنقل بين
الدول الإسلامية لم أجد فيها من يستمع لي أو يهتم بالسماح لي بإجراء المقابلات
والاتصالات مع الشخصيات البارزة، لكن عندما عرفت الناس بالألقاب التي أحملها أو
قلت لهم على سبيل المثال إنني رئيس لجمعية دراسات الشرق الأوسط وجدت حينها من يهتم
بي، أقصد أنك على قدر ما تحمل من الألقاب ستحصل على الاستجابة.
من ناحية أخرى لو نظرنا إلى قضية حركة
الاتجاه الإسلامي في تونس وعملية اعتقال السيد راشد الغنوشي، إن بعض الإسلاميين قد
سألوا في ما إذا كنت أستطيع المساعدة في هذا الشأن، وقد اكتشفوا أن هناك أناسًا في
الإدارة الأمريكية على استعداد للاستماع لهم، وأن السفير الأمريكي في تونس والذي
كان موجودًا لفترة في واشنطن كان منفتحًا جدًّا وأكثر مما ظننا، حيث تمكنت من عمل
لقاءات بينه وبين مسؤولين وقادة في حركة الاتجاه الإسلامي حول قضية اعتقالات
الإسلاميين في تونس، وطالب هؤلاء السفير أن تضغط حكومته لمنع بورقيبة من إعدام
الإسلاميين. وأظن أن مسؤولي حركة الاتجاه الإسلامي لم يكونوا راضين تمامًا عن
التحرك الأمريكي لصالحهم، ولكن على الأقل استطاعوا أن يفهموا أن هناك قنوات ممكنة
مع الأمريكيين وأن هناك في الإدارة الأمريكية من يفرق بين حركة الاتجاه الإسلامي
وبين الراديكاليين.
مثال آخر بالنسبة لحسن الترابي: لقد
استطعت في وقت ما أن أرتب له لقاء مع نائب السكرتير العام للشؤون الإفريقية، وقد
سألت الترابي عن اللقاء فقال إنه كان جيدًا، وإنه وجد المسؤول الأمريكي متفهمًا.
وأظن أن المسؤول الأمريكي كان كذلك لأنني قضيت معه شهورًا عديدة واستطعت إيصال
معلومات وتصورات إلى ذهنه حول أوضاع الحركة الإسلامية في السودان والفصائل
المختلفة الداخلة في هذه الحركة.
إنني قد أستطيع الوصول لبعض المسؤولين
ونقل قناعات معينة لهم، ولكن الأمر ليس كذلك بالنسبة للمسؤولين الكبار وبخاصة
الرئيس الحالي للولايات المتحدة، إذ إن لديه عقلية ثابتة تجاه هذا الموضوع.
هل المشكلة أن هذه
المفاهيم لا تصل إلى المسؤولين الأمريكيين أم أنهم لا يريدون أن يستمعوا إليها؟
أعتقد أن كلا الأمرين موجود. وهناك
مشكلة البيروقراطية في الجهاز الحكومي، فعندما يكتب شخص ما تقريرًا عن مسألة ما
فإن هذا التقرير يمر بمراحل من الاختصار والتهذيب والتحريف أحيانًا قبل أن يصل إلى
يد المسؤول الحكومي الكبير، وحتى لو وصل التقرير سليمًا إليه وصادف عقلًا جامدًا
أو آراء مسبقة وغير قابلة للتغيير، فإن التقرير يفقد قيمته ويصعب تغيير نظرة هذا
المسؤول.
وهذه المشكلة تجدها في كل مكان، فمثلًا
في العالم الإسلامي قطاع كبير من الناس لديهم قناعة بأن أمريكا عدو مضاد للإسلام،
وأن المسلم الصحيح هو بالضرورة المعادي لأمريكا والغرب، وأن الاتصالات هي شيء
مستحيل ويصعب إقناع مثل هؤلاء بمفهوم الاتصال للالتقاء حول نقاط مشتركة. وأيضًا في
الولايات المتحدة عندما أتحدث لبعض المسؤولين بحماسة حول الإسلام والمسلمين فإن
بعضهم يسألني: هل أنت مسلم؟ هل غيرت دينك إلى الإسلام؟ هل أنت رجل علاقات عامة
للإسلاميين؟
فهناك فئات مختلفة من الناس من حيث
القابلية للاتصال وتبادل الأفكار والآراء أو محاولة تغيير بعض المسائل، وللأسف فإن
بعضًا من النخبة من السياسيين هو من النوع ذي الآراء غير القابلة للتغيير، وأعطي
مثالًا على ذلك موضوع الإرهاب ونظرة بعض المسؤولين له. فمثلًا السيد شولتز وزير
الخارجية الذي كان جنديًّا في مشاة البحرية وتعلم من الحياة العسكرية أنه لا يجب
انتظار الإرهاب، بل يجب مهاجمته في عقر داره، وهكذا اتخذ المسؤولية في إرسال قوات
المارينز إلى بيروت. إن رجلًا مثل هذا لا يمكن تغيير القناعات المسبقة لديه عن
الإرهاب والإرهابيين.
وبالمقابل فإنه لو سنحت لي الفرصة
للالتقاء بأفراد من حركة التكفير والهجرة خاصة في مراحلهم المتأخرة ومحاولة تغيير
أفكارهم حول بعض المسائل، فلربما وجدت نفسي غير قادر على مغادرة هذا اللقاء.
لقد تقدمت بتقرير إلى
الكونغرس الأمريكي حول الحركات الإسلامية، فماذا جاء في هذا التقرير؟
أكدت في هذا التقرير أن على رجال
الكونغرس أن يفهموا أنه عند النظر إلى الحركات الإسلامية يجب التفريق بين من يمثل
الغالبية في هذه الحركات وهم من وصفتهم بالتيار الرئيسي المعتدل للحركة، وبين
الأقلية التي وصفتها بالتيار الذي يميل لاستخدام العنف.
قلت إن غالبية الحركات الإسلامية كما
درستها في العالم الإسلامي هي حركات تسعى لتغيير المجتمع من خلال المجتمع نفسه،
وأعطيت أمثلة على ذلك من نشر للتعليم الديني ومراكز الشباب ومؤسسات إصلاحية رسمية،
وأنهم أناس يسعون لجعل المسلمين أكثر التزامًا بدينهم وأن يجعلوا مجتمعهم أكثر
إسلامية، وهم يسعون لتحقيق تطبيق القانون الإسلامي وهذا ما سيجعلهم يدخلون عالم
السياسة، ولكن من خلال النظام السياسي القائم.
أما الأقلية من هذه الحركات فهي في
الغالب قد بنت أفكارها على أساس خبرتها في التعامل في المجتمع، ونظرتها إلى
مجتمعها بأنه بعيد عن الإسلام وأنه مجتمع ظالم، وفي الوقت نفسه تشعر هذه الحركات
بأنها لا تملك شيئًا من القوة فتقتنع حينئذ بأن العنف هو أفضل وسيلة لتحقيق
التغيير في مجتمعها، ومثل هذه الحركات تتواجد في مجتمعات ذات أنظمة تعمل على تهميش
هذه الحركات وإبعادها عن الساحة، وبالتالي تتكون قناعات بجدوى استخدام العنف بعد
أن سُدت كافة الطرق في وجهها.
وقد ضربت لرجال الكونغرس أمثلة عن
الحركات الإسلامية المعتدلة التي تسود الساحة في العالم الإسلامي، كما أشرت إلى
وجود أقلية من الحركات التي تميل إلى التطرف واستخدام العنف، لكنني أكدت على أن
الحركات المعتدلة قابلة لأن تتحول إلى متطرفة حتى وإن كان قادتها لا يرغبون بذلك،
وذلك متى ما ساءت ظروفها وتعرضت لمعاملة قاسية من قبل النظام السياسي. وأعطيت
مثالًا على ذلك بما يحدث في تونس، حيث إن حركة الاتجاه الإسلامي هناك نموذج للتيار
المعتدل، ولكن ما حدث لها في عهد بورقيبة من تصفيات ومحاكمات قد يعصف بهذا
الاعتدال. وذكرت لهم بأنني التقيت في باريس بعدد من قادة هذا الاتجاه، وأخبرني
أحدهم أنه لو أُعدِم راشد الغنوشي ومن معه فإننا مع رغبتنا في استمرار العمل
الإسلامي المسالم لن نستطيع كبح جماح عناصر الاتجاه من الاندفاع نحو أعمال العنف
ضد النظام.
لقد أكدت أيضًا على أن الحركات المتطرفة
تقوم باستدعاء المعتدلين ليسلكوا نفس الطريق، وعندما يحدث أن يعتقل بورقيبة السيد
الغنوشي أو كما في السابق أن يعتقل النميري حسن الترابي، فإن القسم المتطرف يقول:
"انظروا.. هذه نهاية الاعتدال، إنها مسألة وقت فقط وتكونون ضحية لإحدى ضربات
النظام السياسي، فالنظام السياسي ليس أهلًا للثقة ولا القوى السياسية العظمى لأنها
تؤيد النظام القائم عادة. وقد ختمت تقريري للكونغرس بالتوصية على الاهتمام بتدريب
وإعداد موظفي الإدارة الأمريكية الذين يُوفدون إلى العالم الإسلامي، وأن يكون
هؤلاء الدبلوماسيون الموفدون يملكون القدرة على الإجابة عن أسئلة عديدة ستوجه
إليهم، مثل: لماذا الانحياز التام من قبل أمريكا لإسرائيل وعدم إقدام الولايات
المتحدة على إبداء أي إدانة لما تقوم به إسرائيل من أعمال واعتداءات؟ إن عدم
القدرة على الإجابة عن هذا السؤال سيوقع الدبلوماسيين في إحراج مستمر.
سؤال آخر سيوجه إليهم: لماذا تميز
الولايات المتحدة بسهولة بين المتطرفين والمعتدلين من الحركات اليهودية والمسيحية؟
أعني لو ارتكب المتطرفون اليهود عملًا إرهابيًّا فإن الإعلام الرسمي الأمريكي
سيقول بسرعة إن الجريمة من عمل المتطرفين وليس العموم، لكن هذا لا ينطبق البتة على
الحركات الإسلامية؛ حيث إن أي عمل عنف يرتكبه فرد في إحدى الجماعات المتطرفة
ستواجهه أمريكا بإلقاء اللوم على الإسلاميين جميعًا المتطرف منهم والمعتدل.
سؤال آخر قد يرد أيضًا حول الأسس التي
تُساند الولايات المتحدة على أساسها الحكومات أو تُعارضها. إن الكونغرس الأمريكي
قد اعترض بشدة على المعونات الحالية للسودان بسبب إدخال الأحكام الشرعية الإسلامية
في الماضي والتي اعتبرها الكونغرس منافية لحقوق الإنسان، ولكن عندما كان نميري لا
يطبق الشريعة الإسلامية، ولكنه يعتقل الناس ويُزجهم في السجون ويستبد في الحكم،
فإن الكونغرس لم ير في حكمه أي إساءة لحقوق الإنسان!
وهكذا فإننا -الأمريكيين- نخلق عن
أنفسنا الانطباع بأننا لا نعترض على نميري على الرغم من كل التصرفات الدكتاتورية
فيه، ولكن إذا أدخل العنصر الإسلامي إلى المسألة من ناحية تطبيق الشريعة فإن
أمريكا تعترض.
وبما قلت أيضًا في نفس السياق: لماذا لا
تعترض الولايات المتحدة على خلط الدين في السياسة في أمريكا الوسطى أو في إسرائيل،
ولكن عندما يتم ذلك في العالم الإسلامي تظهر الإدارة الأمريكية تخوفها الشديد؟!
فهذه بعض النقاط التي آثرتها في تقريري للكونغرس.
ومن التوصيات التي طرحتها في لقائي مع
الكونغرس ألا يكون التدخل الأمريكي في المنطقة بالصورة المباشرة الفظة كإرسال
القوات العسكرية، بل أن يبقى لأمريكا نفوذ في المنطقة عن طريق المزيد من الدعم
الاقتصادي والثقافي؛ إذ إن الولايات المتحدة عندما تُظهر نفسها كحليف عسكري لنظام
حكم غير مرغوب فيه في المنطقة، فإن صورتها ستزداد سوءًا لدى الشعوب.
وأود الإشارة هنا إلى ملاحظة غريبة
وجدتها في السنوات الأخيرة في بعض الدول الإسلامية، وهي أن المسؤولين وأفراد
الجهاز الحكومي يميلون إلى استخدام ذات الكلمات والصفات التي يطلقها الإعلام
الغربي بجهل عن الحركات الإسلامية: "الأصوليون"، "المسلمون المتطرفون"...
إلخ.
ما هو السبب في ذلك
برأيك؟
الذي أظنه أن السبب هو أسلوب التعليم في
البلاد الإسلامية، فما يحدث عندكم أن الطالب يبتعد شيئًا فشيئًا عن المواد
الدراسية التي تُعنى بالدين والشريعة مع ارتفاع مستواه التعليمي، وإذا بلغ الجامعة
أو المستويات الدراسية العليا فإنه لا يكاد يدرس شيئًا عن الإسلام، فترى بعضهم
يمارس العبادات الإسلامية، لكنك تجده في الوقت نفسه جاهلًا بدرجة كبيرة بالشريعة
والتاريخ الإسلامي.
إن مثل هؤلاء يحتلون مراكز سياسية
وإدارية بارزة في الدول الإسلامية ويحملون في نفوسهم فكرة "فصل الدين عن
السياسة" نتيجة للمنهج التعليمي الذي نشأوا عليه، وتكون نظرتهم في هذا الشأن
كنظرة الإنسان الغربي، وعندما تُعرض عليهم فكرة الدين ضمن قضية سياسية فإنهم
يستجيبون كما يستجيب الإنسان الغربي تمامًا، فيرون في عرض المسائل السياسية على
الإسلام رجعية أو تهديدًا أو تطرفًا.
وكالغربيين تمامًا يفسرون ظواهر الثورة
الإيرانية أو جماعة الجهاد بصورة معممة، وأن الغالبية المسالمة من الإسلاميين ما
هي إلا تنظيمات مشابهة تخفي تطرفها.
ومن الأشياء الطريفة التي لاحظتها في
مصر بالذات، أن كلمات التطرف أو التعصب تزداد استخدامًا من قبل الرسميين لوصف
الجماعات الإسلامية هناك، مع أن ما يحدث في مصر أن الفئات المتطرفة من
"التكفير" أو "جماعة الجهاد" تضعف تدريجيًّا وتزداد بالمقابل
قوة الفئات الإسلامية المعتدلة. ومع ذلك فإن شعور الرسميين هناك نحو المعتدلين
أكثر انزعاجًا من شعورهم بذلك بالنسبة للفئات المتطرفة فعلًا، فالجماعات المعتدلة
تبدو أكثر جاذبية بالنسبة للإنسان المصري وتجتذب فريقًا أكبر من الشعب هناك، بل إن
هؤلاء الرسميين عاجزون عن تفسير ما يقوم به كثير من الكفاءات العليا في المجتمع
المصري كالأطباء وغيرهم، حيث يقومون بإنشاء مستوصفات ومستشفيات ومدارس مُلحقة
بالمساجد، وهو ما دفع صحيفة مثل "كريستيان ساينس مونيتور" لأن تصف هذا
الذي يحدث في مصر بـ "الثورة الهادئة".
لقد قمت بجولات عديدة
في العالم الإسلامي التقيت خلالها بكثير من العاملين في الحقل الإسلامي ودرست
المنطقة عن كثب، كيف ترى المستقبل الحركي الإسلامي في المنطقة؟
الذي أتوقعه أن تستمر الحركة الإسلامية
في النمو ولأسباب مختلفة أتوقع أن يبقى "الثوريون" في هذه الحركة،
ولكنهم سيكونون الأقلية دائمًا، وقد يقومون بين حين وآخر بأفعال تبرزهم للسطح وقد
تعطيهم حجمًا إعلاميًّا يفوق حجمهم الفعلي، فعملية خطف إنسان أو طائرة لا تكلف
كثيرًا وبصراحة فإنها أسلوب فعال للغاية في جذب الاهتمام لمن يقوم بذلك.
ولكن الإسلاميين في نموذجهم المصري
المعتدل على سبيل المثال، ومتى ما سمح لهم الوضع السياسي بالتحرك، سيستمرون في
النمو خلال مجتمعاتهم، وقد يزدادون من حيث الكم في بعض الدول أو يتحسنون من حيث
النوع في دول أخرى. وبرغم احتمال حدوث تذبذب في قوة المجموعات الإسلامية في مختلف
الدول، إلا أن المؤشر العام يؤكد على استمرار النمو.
في أي من الدول
الإسلامية ترى الحركة الإسلامية قوية وتتوقع لها النمو؟
على سبيل المثال فإنني أرى الحركة
الإسلامية في تونس قوية وبصورة لم تكن متوقعة قبل خمس سنوات، وأتوقع أن تستمر حركة
الاتجاه الإسلامي هناك في النمو. وكذلك في السودان على الرغم من حدوث تراجعات في
فترة سابقة، فإن التيار الإسلامي يبدو بصورة حسنة جدًّا هناك.
وفي مصر أيضًا هناك نمو كبير جدًّا
للتيار منذ مقتل السادات، ونتيجة لذلك فإنني ألاحظ أن الرسميين ليسوا فقط هم
المستائين من ذلك، بل إن المتطرفين الإسلاميين مستاؤون من ذلك أيضًا لأن نجاح
التيار المعتدل وامتداده بين الجماهير يجعل جاذبية المتطرفين تقل. لقد زرت بعض
مستشفياتهم هناك ورأيتهم يُعالجون المدمنين على المخدرات والمرضى النفسيين وهذا
يعكس تطورًا حقيقيًّا في مصر.
إن التيار الإسلامي قوي كذلك في الكويت،
وأتوقع له زيادة في التطور ليس من الناحية العددية بالضرورة، وإنما في نوعية
الأداء وفي القدرة على جذب المزيد من الكفاءات في المجتمع إلى صفوفه.
في باكستان يبدو التيار الإسلامي قويًّا.
في ماليزيا وجدت التيار الإسلامي قويًّا
وإن كان ذلك يشوبه الخلاف بين الجماعات الإسلامية المختلفة هناك، وذلك حول مسائل
ثانوية كاللباس وهي قضايا تقع في كثير من الدول الإسلامية.
أعتقد أن الجماعات الإسلامية ستستمر في
المستقبل بعدد من التجارب التي قد ينجح بعضها وقد يفشل البعض الآخر؛ ذلك أن
التعامل مع المجتمعات هو مثل دخول مختبر التجارب، فتجربة تنجح وتجربة أخرى يُصيبها
الإخفاق، ومن خلال ذلك يتعرف المجتمع على ما يُفيده وما لا يُفيده.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل