العنوان ذكريات عشتها ولم أكتبها من قبل(14).. أحمد النحاس المضحك للضحك
الكاتب الأستاذ الدكتور جابر قميحة
تاريخ النشر السبت 30-يونيو-2012
مشاهدات 66
نشر في العدد 2009
نشر في الصفحة 48
السبت 30-يونيو-2012
شخصية غريبة يبيع الفاكهة الموسمية وهو لا دكان له يعرض فيه بضاعته بل يفترش الأرض هو وزوجته
يقولون: إن الإنسان مجموعة من الذكريات والمواقف، والعاقل هو الذي يسجلها إحياء لذاته، وحرصاً على انتفاع الآخرين، والذكرى أو الموقف يبقى له مكانه في التاريخ صغر أو كبر، المهم أنه يشغل حيزا من الزمن. وفي هذه الحلقات التي أنشرها تباعاً، يهمني أن أنبه القارئ أن كثيرا منها قد مضى على وقائعها سبعون عاماً، وربما أكثر من ذلك... وأحمد الله تعالى إذ أسوقها بمصداقية وعفوية دون تزويق، أو إسراف.
أحمد النحاس شخصية غريبة يبيع بعض الفاكهة الموسمية، وكذلك قصب السكر، وهو لا دكان له يعرض فيه بضاعته، بل يفترش الأرض هو وزوجته «فرحة» وابنه «أحمد»، ويحمي نفسه من الأمطار بسقف من الحصير على قوائم من الخشب القديم، ولم تكن بضاعته من النوع الجيد، بل كنا نرى الزنابير» تتمتع بالبلح» الرطب الذي يعرضه في محله المتواضع، وكنا نذهب إليه وتلقي طواقينا على الزنابير ونمسك بها، وتربط رجل كل واحد منها في خيط رفيع طويل، فيطير به ونحن نمتع أنفسنا إذ نسير به في حارة قميحة. وأحمد النحاس راض عن هذا العمل لأننا ننقذه من لسع الزنابير، ونخلص بلحه» منها.. وكنا أحيانا نشتري منه القصب بتعريفة أي نصف قرش فنظل نمصه وتلقي بالمصاصة عنده وننال من شتمه ما يضحكنا .
كان مقره يبعد قرابة ثلاثين متراً عن قصر أحد أثرياء المنزلة من أسرة غنية هي أسرة السودة».
ومما يروى عنه أنه عندما ولدت زوجته فرحة ابنه الوحيد أرادت أن تسميه فتحي، أو جودت، أو عفت فصرخ في وجهها:
يخرب بيتك يا فرحة يا بنت الـ ...... هو «إحنا أغنية؟»، دا احنا الفقر أكلنا من صاصنا الراسنا !!»، طلاق بالثلاثة ما هو زايد عن أحمد.
وكان أعيان المنزلة يذهبون إليه ويطيلون الوقوف معه، ويشترون منه القصب، ويمصونه على مهل، والهدف الأساسي أن يقول ما يضحكهم فبعضهم يقول له: «معلش يا أحمد معلش يا أحمد أصل أنا ممعياش» فلوس النهاردة، اكتب في الدفتر اللي عندك أنا علي كام، فيرد أحمد هائجا: دفتر إيه يا بن الـ ....! منتا عارف أنني مقيح، لا بقرأ ولا بكتب، روح امش من هنا لحسن أجيبلك ستين داهية...
وذهب إليه أحد الأعيان الكبار جداً وكان به عرج، وبعد مص القصب، ودفع المعلوم قال له: اشتمني والله يا أحمد ... هزاني والنبي يا أحمد.
فيقول أحمد: أهزاك إزاي يا عم الحاج دا أنت نوارة البلد، وأكبر رأس في المنزلة؟!
والله يا أحمد لازم تهزاني ... عشان خاطري هزأني يا أحمد.
اشتمك إزاي ... وأهزأك إزاي ...؟ يا عم الحج ........ وأنت أعرج ابن ستين كـ .!!
ما يصالح أحمد!
ويروي أن ابنه أحمد ضرب في سوق المنزلة ضربا شديدا أدماه، وأراد بعض ضحيكة» المنزلة أن يستغلوا هذا الموقف، فأسرعوا إلى أحمد الأب قبل وصول الابن إليه وقالوا له: يا عم أحمد ابنك أحمد ضرب عشرين واحد في السوق، فإحنا عايزين نلم الدور، وتخليه يصالحهم.
يصالحهم؟ طلاق بالثلاثة ما يصالح حد، إحنا بتوع يصالح؟ كفاية إنه علمهم الأدب، دا ابني أحمد عليه ضربة ركيز» محصلتشي الركيز هو العصا الغليظة التي لها سن حاد في أسفلها يغرس في الأرض ليرفع المظلة).
وبعد دقائق حضر أحمد الابن يجر قدميه فبادره أبوه قائلا: شوف يا وله .... طلاق بالثلاثة من أمك فرحة» لو صالحتهم لا أعرفك، ولا تخش لي بيت.
ويروى عنه أن رجالا نصحوه نصيحة جادة يا عم أحمد صل لله، وخصوصاً الجمعة علشان تدخل الجنة، ولقنوه كيفية الصلاة.
وذهب يوم الجمعة ليصلي في مسجد صغير اسمه زاوية زين الدين، وكان الخطيب الإمام الشيخ توفيق حمادة، ومعروف أنه يطيل في صلاته جداً، دخل أحمد المسجد والإمام بهم بالصلاة، وقرأ الشيخ توفيق الفاتحة، وبدأ بمطلع سورة البقرة وأخذ يتلو ... ويتلو، وأحمد يكاد من الضيق ينفجر والناس جميعا يستمعون في خشوع كان على رؤوسهم الطير .. وفجأة صاح أحمد : والله ما أنا مصلي أبداً بعد المقلب اللي أكلتهولي يا ولاد الـ(.....)
لم يكن هذا مستغرباً من أحمد النحاس. ولكن المستغرب أن كثيرا من المصلين لم يملكوا أنفسهم من الضحك.
والعجيب أن أحمد كان يضحك الآخرين بصورة عفوية دون أن يقصد إلى ذلك قصدا. أما هو فأشهد أنني لم أره ضاحكاً، أو مبتسما مرة في حياته.
ومات أحمد النحاس، وودعه آلاف من أهل المنزلة، وكثير منهم لم يملك نفسه من البكاء، وكثير منهم كان من أغنياء البلد وذوي المكانة والحيثية.
ولم أملك أنا نفسي من الدموع فقد كان يضحك الجميع ... ويسري عن الجميع... يرحمه الله تعالى ..
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل