العنوان هل ينجح «أردوغان» في إنهاء أزمة دموية عمرها 30 عامًا؟ تركيا.. استراتيجية جديدة لحل المشكلة الكردية
الكاتب محمد العباسي
تاريخ النشر السبت 21-يوليو-2012
مشاهدات 66
نشر في العدد 2012
نشر في الصفحة 64
السبت 21-يوليو-2012
تجريد حزب «العمال الكردستاني» من السلاح شرط أساسي لإشراكه في مفاوضات الحل
حركة «الاعتدال الديمقراطي» والرموز الوطنية الكردية تساهم في تحقيق الحل السلمي
الإفراج عن «أوجلان» أو إيجاد وسيلة لتنفيذ الحكم مع تخفيف ظروف الحبس.. سيكون وسيلة دفع للجهود السلمية
كان استقبال رئيس الوزراء التركي «رجب طيب أردوغان» للنائبة الكردية عن محافظة ديار بكر «ليلى زنا» في استراحة رئاسة الوزراء مؤشرًا قويًا على رغبة حكومة حزب «العدالة والتنمية» لإيجاد حل سلمي ومرض لكافة الأطراف للمشكلة الكردية، في إطار الحفاظ على وحدة الأراضي التركية.. فـ«زنا» ليست نائبة عادية، لكنها زعيمة كردية قضت سنوات في السجون التركية بسبب نضالها السياسي لحل المشكلة الكردية.
فهي النائبة التي رفضت أداء اليمين الدستورية باللغة التركية عندما فازت بعضوية البرلمان في التسعينيات من القرن الماضي، وأصرت على أدائه باللغة الكردية، وبالتالي، فإن «أردوغان»، وفقًا لآراء المراقبين، ولج الطريق الصحيح للحل، خصوصًا وأن تصريحات «زنا» عقب اللقاء كانت مشجعة؛ إذ قالت: «إن كان هناك أحد بمقدوره تسوية المشكلة الكردية فهو أردوغان»، وبالتالي فتحت الطريق أمامه للمضي قدمًا لتنفيذ استراتيجيته الجديدة لحل المشكلة الكردية قبل انتهاء عام ٢٠١٤م، ويبدو أنه يسعى لوضع حد للنزاع المسلح الناشب بين الدولة التركية وحزب «العمال الكردستاني» قبل ٣٠ عامًا، وراح ضحيته عشرات الآلاف من المواطنين، وخسرت تركيا عشرات المليارات من الدولارات أيضًا.
وكان «أردوغان» قد لخص الخطة بقوله:
«مكافحة منظمة حزب «العمال الكردستاني» الإرهابية بكل الوسائل والإمكانات، وإجراء المفاوضات مع امتداداتها السياسية».. وبتحليل هذا التصريح في ضوء المعلومات والمعطيات، فإنه طالما يستخدم حزب «العمال» السلاح؛ فإن الجيش سيضطر لمواجهته؛ لذا فعلى الراغبين من القوى الكردية -وهم كثر- لحل المشكلة سلميًا عليهم إقناعه بإلقاء السلاح والانسحاب بالكامل إلى أماكن في شمال العراق كخطوة أولى؛ لإعطاء المفاوضين من الطرفين الجلوس إلى مائدة المفاوضات لإيجاد حل للقضية، ومنح الفرصة للحكومة للتحرك بعيدًا عن ضغوط «القوميين الأتراك» الذين لن يسمحوا باستمرار المفاوضات طالما أن الجنود الأتراك يسقطون ضحايا بسبب هجمات حزب «العمال».
وبالتالي، إذا أعلن الحزب وقفًا لإطلاق النار من جانب واحد وسحب مقاتليه من الأراضي التركية، وأظهر حسن نية لانتهاج الحل السلمي؛ فإن الحكومة سيكون بمقدروها المضي قدمًا مع العناصر الكردية لحل المشكلة قبل الانتخابات الرئاسية المقبلة، التي سيكون «أردوغان» مرشحًا رئاسيًا فيها؛ وبالتالي يمكنه الحصول على الأصوات الكردية في الانتخابات، ويكون قد حقق إنجازًا تاريخيًا وهو حل المشكلة الكردية.
توظيف الرموز
وتتضح النوايا الحسنة لحكومة «أردوغان» عندما أقنعت الزعيم الكردي «كمال بورقاي» بالعودة إلى تركيا، والذي كان مبعدًا منذ عشرات السنين بل واستقبله أحد الوزراء الأتراك، وأجرى معه مباحثات العام الماضي حول رؤيته لحل المشكلة، وبالطبع فإن «بورقاي» من الشخصيات الكردية المعتدلة الذي انتهج النضال السلمي منذ بداية نشاطاته السياسية لإيجاد حل سلمي.. كما أن الحكومة انفتحت على الكثير من العناصر الكردية الناشطة سياسيًا وثقافيًا للمساعدة في تهيئة الأجواء لحل المشكلة المستعصية، ووضعت خطة الانفتاح الكردي، لكن لم تتحقق النتائج المرجوة منها؛ بسبب استمرار العمليات المسلحة من جانب حزب «العمال»، والتي تؤدي إلى ردود فعل شعبية غاضبة لا يمكن لحكومة «أردوغان» تجاهلها.
بل إن حزب «السلام والديمقراطية» الذي يعتبر الجناح السياسي لحزب «العمال الكردستاني» والممثل في البرلمان حاليًا بمجموعة برلمانية، يتمادى في طلباته التي تعرقل خطة الحل، خصوصًا وأن حزب «الحركة القومية» بزعامة «دولت بهشلي» يعبئ الشارع ضد «أردوغان»، رغم أنه لم يقدم تنازلات بعد، لكن استقبال «أردوغان» لـ«ليلى زنا»، الزعيمة الكردية المتشددة والراشدة في آن واحد، فتح آفاقًا جادة للحل الذي لم تعلن تفاصيله بعد.
حركة الاعتدال الديمقراطي
لا يمكن اعتبار الإعلان عنها «حركة الاعتدال الديمقراطي» من جانب مجموعة من المثقفين الأكراد والأتراك بعيدًا عن جهود الحل، إذ نشرت صحيفة «بوجون» التركية بيانًا لمجموعة من المثقفين المنحدرين من أصول عشائرية مختلفة، تركية وكردية وأرمنية، تعلن فيه عن أن الوقت قد حان لترسيخ دعائم المحبة والسلام في البلاد، وحل المشكلات العالقة منذ عقود.
وقال المتحدث باسم الحركة «ساري تيمور»: إن الكثير من المثقفين الأكراد والأتراك والأرمن قد وقعوا على البيان؛ لأن الأتراك والأرمن وباقي شرائح المجتمع يحتاجون إلى السلام، وليس الأكراد فحسب؛ لأن الأضرار الناجمة عن المشكلة الكردية تلحق الضرر بالجميع، مضيفًا أن الأكراد سيؤدون دورًا محوريًا في المرحلة المقبلة لإقامة جسور السلام والتواصل مجددًا بين الشعوب التركية والكردية والأرمنية.
ومن أهم الأسماء الموقعة على البيان الذي كان عنوانه «سيأتي السلام يومًا إلى هذا البلد أيضًا، فليكن هذا اليوم هو المنتظر» الدبلوماسي المتقاعد «أقين أوجار»، والمثقف الكردي «جودت أقباي»، ووكيل جمعية الكتاب والصحفيين «جمال عشق»، والمؤرخ «خليل بركتاي»، والكاتب الكردي «أورهان مير أوغلو»، والأستاذ الدكتور «عثمان جين»، والمثقف الأرمني «هايكو بغداد» وغيرهم من الناشطين السياسيين والمثقفين.. ويرى المراقبون أن هذا البيان والتحرك الجديد من جانب مجموعة من المثقفين يدعم تحركات «ليلى زنا» و«أردوغان» لإيجاد حل سياسي للمشكلة.
«أوجلان» الحل
ورغم أن هناك قوى من القوميين الأكراد تسعى لعرقلة الحل السياسي بتنظيم المظاهرات للمطالبة بإطلاق سراح زعيم حزب العمال الكردستاني «عبد الله أوجلان» من خلال الصدام مع قوى الأمن، فإن المعلومات المتداولة في الإعلام التركي تشير إلى أن عبد الله أوجلان غادر محبسه في جزيرة «أمرلي» إلى مكان لم يعلن عنه، في إشارة إلى أن الحكومة لبت جزئيًا مطالب حزب «السلام والديمقراطية» بنقله من محبسه في «أمرلي» والإفراج عنه لاحقًا.
ويبدو أن الإفراج عن «أوجلان» أو إيجاد وسيلة لتنفيذ الحكم مع تخفيف ظروف الحبس كسجنه في بيته مثلًا سيكون وسيلة دفع للجهود السلمية للحل، وتفويت الفرصة على القوى التي تستخدم ورقة «أوجلان» الإفشال مساعي الحل، وهو ما تسعى الحكومة لتحقيقه فيما يبدو مقابل تحقيق بعض المكاسب على الأرض لصالح الحل السلمي، وأهمها على الإطلاق إعلانه إلقاء السلاح وانتهاج الحل السلمي لحل المشكلة الكردية.