; موقف المسيحيين في الانتخابات الرئاسية المصرية | مجلة المجتمع

العنوان موقف المسيحيين في الانتخابات الرئاسية المصرية

الكاتب د. عبد الله الأشعل

تاريخ النشر السبت 16-يونيو-2012

مشاهدات 57

نشر في العدد 2007

نشر في الصفحة 22

السبت 16-يونيو-2012

يعز علينا أن يقف المسيحيون مع مرشح تتمنى «إسرائيل» نجاحه وتعقد عليه آمالا أكبر من سابقه

النظام السابق لا يوفر حماية للمسيحيين من التيار الإسلامي.. وإنما الحماية الحقيقية في احترام الدستور والقانون واستقلال القضاء

لقد تم تشويه صورة الإخوان عند إخوانهم المصريين عموما والمسيحيين خصوصا رغم أنهم لم ينلهم أي شر من جانب الإخوان

لعل عامل الانتماء الديني هو المسكوت عنه في الدراسات المصرية عندما يتعلق الأمر بانتخابات مجلس الشعب أو الانتخابات الرئاسية، فالمعلوم أن الانتماء الديني وحده لم يكن قضية مهمة في الحياة المصرية على اتساعها ثم بدأت مصر تشهد منذ بداية السبعينيات بسبب السياسات الدينية العابثة للرئيس «السادات» اضطرابا خطيرا في هذا الملف تواكب مع الهجرة للعمل في دول الخليج في سنوات الطفرة المالية النفطية؛ مما جعل الانتماء الديني يقترن بصفة أعمق عند قطاع عريض من الشعب المصري لاحظناه بشدة في الانتخابات التشريعية الأخيرة، و نلحظه الآن في الانتخابات الرئاسية.

ورغم أن ثورة ٢٥ يناير بدت وكأنها أعادت المصريين إلى ما قبل مرحلة التصنيف الديني، وكأن مصر كلها قد استعادت روحها المتسامحة التي كانت ساحة لكل أديان السماء، وتجعل المواطنة والشراكة في العيش هي معيار التصنيف والتفاضل، فإن الضغط على الانتماء الديني الإسلامي بعد الثورة قد أفزع بعض المسيحيين بلا مبرر في نظري لدرجة أن بعض كبارهم هدد بأن يرحل عن الوطن أو يتخلى عن جنسيته إذا آلت السلطة إلى التيار الإسلامي.

النظام المتآمر

ثم كانت المفارقة في نظري أيضاً، أنه رغم إدراك المسيحيين المصريين أن نظام «مبارك» المرتبط بالغرب و«إسرائيل» وبدول مجاورة أكبر من ارتباطه بمصر والمصريين هو الذي تآمر مع «الموساد» على إشعال الفتن الطائفية، وإحراق الكنائس، ضمن خطة مدروسة لتمزيق لحمة المجتمع المصري، وأن هذا النظام وحلفاءه في الداخل والخارج يفترض أنهم أعداء الشعب المصري كله؛ بمسلميه ومسيحييه، وأن علاقة المصري بأخيه تسبق كل شيء، فوجئنا بأن المسيحيين بشكل عام يعبرون عن اصطفافهم وراء مرشح النظام السابق أحمد شفيق»، وبدا الأمر أمام المسيحيين وكأن وحشاً إسلامياً سوف ينقض عليهم ويفترسهم ويميز بينهم وبين إخوانهم المسلمين؛ مما أظهر موقفا ونحن على أعتاب انتخابات الإعادة أمام استقطاب حاد بين معسكرين؛ يقود الأول مرشح حزب الحرية والعدالة والإخوان «د. محمد مرسي»، ويقود الثاني الفريق «أحمد شفيق»، ومعنى ذلك أن «د. مرسي» يقود كل التيارات الإسلامية وليس كل المسلمين بينما يقود أحمد شفيق» التيار الذي يضم المسيحيين و«إسرائيل» والغرب والعلمانيين وكل المعادين للإسلام والمسلمين وللتيار الإسلامي على وجه الخصوص.

هذه الحالة تحتاج إلى بيان أسبابها ومدلولها وخطورتها الأبعد أثرا على المجتمع والحكم في مصر، ذلك أن الصراع ليس مجرد منافسة بين اثنين من المرشحين المصريين، ولكنه صراع على مصر بين كل شعبها وأمتها العربية والإسلامية، وبين كل العقود التي أذلت مصر والمصريين، وجعلت مصر خادما لمخططاتها في المنطقة؛ حتى صارت مصر خادماً عاجزاً بسبب تقدمه في الهلاك والعمر عن خدمة هذه المخططات رغم رغبتها الصادمة في القيام بهذه الخدمة.

أسباب الأزمة

من أهم أسباب هذه الحالة المأساوية في ترتيب القوى التي تجاهلت طبقة الصراع وتقدم مضمونه الوطني على كل المضامين الدينية، هو الإعلام غير المسؤول الذي استنزف أموال المرشحين ذوي التمويل الأجنبي، ضمن مشروع حشد المرشحين كل إلى معسكره، فلم يبق في الساحة إلا المرشحون المدعومون من مساحتهم وهم الإخوان، والنظام السابق بكل تحالفاته الداخلية والخارجية، وكأن رئاسة مصر هي صراع الإخوان والنظام، وأننا وصلنا إلى لعبة الكراسي الموسيقية؛ وهي أن النظام الفاسد عندما كان في السلطة، فإن ضمان استمراره كان سجن الإخوان وقمعهم وتقليم أظافرهم مع عدم ضمان أن يقوم الإخوان في الحكم بالانتقام من النظام، وإنما أن تجرى العدالة الناجزة بحقه كمطلب شعبي. ساعد على ذلك أيضا أمران متلازمان الأول : حملة طاغية لتشويه صورة الإخوان وعزلهم عن مصدر قوتهم ؛ وهو عموم الشعب المصري، وعلى الجانب الآخر، تمكين النظام السابق من غزو الحياة العامة والخروج من محبسه الاجتماعي دون قصاص، وعزمه على العودة إلى السلطة مرة أخرى، مادام القضاء لم يُدنه، وهذا هو الضلع الرابع في المؤامرة، ويدخل فيها تطويع أحكام القضاء ولجنة الانتخابات حسب مقتضيات اللعبة السياسية الخطيرة التي يمارسها المجلس العسكري والذي يحاول أن ينقل المسألة تدريجيا إلى صراع بين الإخوان وبين عموم طوائف الشعب وشرعية القضاء الذي سمح بترشح «شفيق»، على أساس أن المجلس العسكري هو درع النجاة لكل طوائف الشعب بمن فيهم المسيحيون ضد الصورة البشعة التي رسمت للإخوان وللتيار الإسلامي عموما، حتى تخلص في النهاية إلى النتيجة التي يريدها المجلس، وهي أن الساحة بوضعها الراهن تهدد الأمن الاجتماعي القومي، وأنها لا تؤهل للدخول إلى حياة ديمقراطية.

هكذا وضع المسيحيون أنفسهم في الانتخابات الرئاسية في معسكر المعادين للتيار الإسلامي من الخارج وهم أعداء الوطن، ومن الداخل؛ وهم الذين خلطوا بين خط الوطنية في التيار الديني الذي يجب أن يلتقي عليه الجميع، وبين الانتماء الديني المذهبي أو السياسي، وهو خط آخر يجب أن يكون بينه وبين الخط الوطني مسافة مناسبة.

حقيقة غائبة الموقف الصحيح هو إعادة النظر في صورة التيار الإسلامي من الناحية السياسية الذي يطرح نفس قواعد المواطنة التي يريدها المسيحيون وأن يدركوا أن التحصن مع النظام السابق ليس عقوبة للتيار الإسلامي، ولكنه عقوبة للمواطن المسيحي الذي لا يريد نفس النظام الذي قهر وطنه وقتل أبناءه وأحرق كنائسه، ويذكر أن التيار الإسلامي كان هو الآخر مضطهدا ومقهورا من نفس النظام وهذه الحقيقة المعروفه يجب أن تعيد ترتيب الصورة الذهنية للمواطن المسيحي، فالنظام السابق ليس حماية له من التيار الإسلامي وإنما الحماية الحقيقية في احترام النظام الوطني بالدستور والقانون، وأن يستقل القضاء وتصفو نفوس الجميع، وأن يخلصوا النية لبناء وطن يستحق كل الجهد لحمايته وإعادة إعماره، فإعمار النفوس والأخلاق تسبق عمارة الأرض والبناء والنظم. الخيار الآن ليس بين مرشحين، ولكنه خيار بين نظام جديد قد لا يكون مثالياً في خدمة مصر، ونظام رأينا فساده وهوانه على نفسه، ولتكن تلك بداية جديدة لإزاحة الأوهام حول التيار الإسلامي.

إنه يعز علينا أن يقف المسيحيون مع مرشح تتمنى «إسرائيل» نجاحه وتعقد عليه آمالا أكبر من سابقه، كنزهم الإستراتيجي فهل أنتم تريدون حقا أن تكون مصر عالة على الدول المجاورة، وأن تظل راكعة تحت أقدام «إسرائيل»، لا لشيء إلا لأنكم بالغتم واستجبتم للصورة المشوهة لأخيكم المسلم.

لقد سيء بالإخوان المسلمين قبل ثورة يوليو وبعدها، وقدر لهم أن يشاركوا في ثورة ٢٥ يناير بشكل مباشر ضد نظام قهر الجميع، فكان هؤلاء الجميع في مواجهة هذا النظام الذي أنزل بكل طوائف المجتمع درجات من الظلم والقهر والهوان، فحق على الجميع أن يهب ضد محاولات استنبات رأس جديد لنظام لم يزل قائماً ومتربصاً ... نتيجة مطاردة الإخوان في العصر الناصري وما نزل بهم حينذاك في روايات لم يستقر التاريخ المنصف على واحدة منها تشوهت صورة الإخوان عند إخوانهم المصريين عموماً والمسيحيين خصوصا ، رغم أنهم لم ينلهم أي شر من جانب الإخوان، ثم سمح «السادات» لهم بمحاربة قوى العصر الناصري عندما لبسوا مسوح الحاكم رب العائلة، رئيس دولة العلم والإيمان ودعا إلى التسامح بين كل الأديان حتى يبرر تقربه من «إسرائيل»، وأخيرا لم يفرق «مبارك» بين كل التيارات الإسلامية بمن فيهم الإخوان المسلمون وصور حكمه الباطش على أنه الحامي للمسيحيين من التيارات الإسلامية التي سمح «السادات» بظهورها وازدهارها، حتى بلغ أمرها أن بعض المتطرفين منهم هو الذي اغتال «السادات».

المطلوب إنقاذ مصر من النظام السابق وأن تخلص مصر لأبنائها جميعا، وأما الدين فلله وحده يعمر قلوب الناس بالمحبة والسلام .

الرابط المختصر :