; الأمور المشتبهات | مجلة المجتمع

العنوان الأمور المشتبهات

الكاتب الشيخ نادر النوري

تاريخ النشر الثلاثاء 28-مارس-1989

مشاهدات 69

نشر في العدد 910

نشر في الصفحة 62

الثلاثاء 28-مارس-1989

حديث المشتبهات عظيم الفوائد، كثير النفع، وأصل كبير من أصول الدين كما قال الناظم: 

عمدة الدين عندنا كلمات 

             مسندات من قول خير البرية

اترك الشبهات وازهد ودع ما 

                  ليس يعنيك واعملن بنية. 

وكلام أهل العلم في بيان معناه قليل جدًا وممن أجاد وأفاد فيه الشوكاني في الفتح الرباني ونقله عنه صديق حسن خان في الدين الخالص المجلد الرابع ص ٥٥٣.. والحافظ في الفتح.. 

ولفظ الحديث في الصحيحين وغيرهما عن النعمان بن بشير أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الحلال بين، والحرام بين وبينهما أمور مشتبهة، فمن ترك ما يشتبه عليه من الإثم، كان لما استبان أترك، ومن اجترأ على ما شك فيه من الإثم، أوشك أن يواقع ما استبان، والمعاصي حمى الله من يرتع حول الحمى يوشك أن يواقعه» وفي لفظ البخاري: لا يعلمها كثير من الناس، وفي لفظ للترمذي: «لا يدري كثير من الناس، أمن الحلال هي أم من الحرام؟» وفي لفظ لابن حبان: «اجعلوا بينكم وبين الحرام سترًا من الحلال، من فعل ذلك، استبرأ لعرضه ودينه» وللحديث ألفاظ كثيرة في كل منها فائدة.

وقد تكلم أهل العلم في معنى الشبهات نذكر ما ترجح منه بعون الله تعالى:

إن المراد بها أقسام:

الأول: ما تعارضت فيه الأدلة ولم يظهر الجمع ولا الترجيح بينها وهذا بالنسبة إلى المجتهد ومن بلغ مرتبة النظر في الأدلة والعالم الفطن لا يخفى عليه تمييز الحكم ولكن الغالب أنها لا يعلمها كثير من الناس وإن كان مجتهدًا، فإذا لم يهتد المجتهد إلى الترجيح ولا الجمع بين الأدلة، فالورع المحمود هو الوقف والضابط لذلك أن الدليلين المتعارضين، إذا كان أحدهما يدل على الوجوب أو الندب، والآخر على الإباحة فالورع الفعل، وأما إن كان أحدهما يدل على التحريم أو الكراهة، والآخر يدل على الوجوب أو الندب، فهذا هو المقام الضنك، والموطن الصعب.

الثاني: ما اختلف فيه العلماء على وجه يوقع الشك في قلب المقلد، لا ما كان قد اتفق عليه جمهور أهل العلم، وشد فيه المخالف. فالمقلد لا يعرف الحق والباطل، ولا يميز بينهما إلا بواسطة أقوال أهل العلم الذين يأخذ عنهم، وليس له من المملكة العلمية ما يقتدر به على الوصول إلى دلائل المسائل فإن قلنا: يتورع ويتوقف.. استلزم ذلك أن يترك أكثر الأحكام الشرعية، لأن أكثرها وقع فيه الخلاف بين أهل العلم فهذا يثبته وهذا ينفيه وهذا يحله وهذا يحرمه.. فالوقوف عند الشبهات بالنسبة للمقلد هو الأخذ بما لا يعد حرجًا عند القائلين كليهما لأنه هو المسلك المرضي لكل من العالمين المختلفين.

الثالث: المكروهات بأسرها لأن المستكثر منه يصير فيه جرأة على ارتكاب المنهي عنه في الجملة فيظلم قلبه لفقدان نور الورع فيقع في الحرام ولأن هذا المكروه عقبة بين الحلال والحرام ولم يأت من الشارع أنه من الحلال البين ولا أنه من الحرام البين بل هو واسطة بينهما فجميعه شبهة.

الرابع: بعض المباح، وهو ما يكون في بعض الأحوال ذريعة إلى الحرام أو وسيلة لترك واجب أو مجاوزًا إلى أحد منهما، على وجه يكون الإكثار منه مفضيًا إلى الحرام، أو ترك الواجب ولو نادرا مثل الإكثار من النوم أو السهر.. ومن هذا يعرف أن الورع الذي يعد الوقوف عنده زهدًا واتقاء للشبهة، ليس هو ترك جميع المباحات، لأنها من الحلال المطلق، بل ترك ما كان منها مدخلًا للحرام ومدرجًا للآثام.

الخامس: ما حصل الشك في كونه مباحًا أم لا، لا لتعارض الأدلة ولا لاختلاف أقوال العلماء، بل لمجرد التردد، هل سكت عنه النبي صلى الله عليه وسلم، أو بينه؟

السادس: ما ورد في النهي عنه حديث ضعيف لم يبلغ درجة الاعتبار ولا ظهر فيه الوضع، وأنه كان من جملة الشبهات لأن العلة التي ضعف بها، لا توجب الحكم عليه أنه ليس من الشريعة فضعف الحفظ أو الإرسال والإعضال أو نحو ذلك من العلل الخفية لا تمنع من إمكانية صحة الحديث.. فهذا التردد والشك هو نوع من الشبهة بالنسبة للمجتهد وللمقلد أيضًا.

والخلاصة أن باب الشبهات واسع يتعلق بسائر أفعال الآدميين وسائر ما يباشرونه من المأكولات والمشروبات والمنكوحات وسائر المعاملات.. فنسأل الله التوفيق للاقتداء بالسلف الذين كانوا وقافين عند الشبهات..

الرابط المختصر :