; «ضربات» الصمت العربي! | مجلة المجتمع

العنوان «ضربات» الصمت العربي!

الكاتب شعبان عبد الرحمن

تاريخ النشر السبت 09-أكتوبر-2004

مشاهدات 75

نشر في العدد 1622

نشر في الصفحة 17

السبت 09-أكتوبر-2004

الضربات الموجهة إلى مخيم جباليا وشمال غزة وبقية المناطق الفلسطينية الصابرة من الطرف العربي صارت اليوم أشد إيلاماً من ضربات هذا المجرم الهائج.

ضربات شارون تدمر البيوت وتمزق البشر إلى أشلاء دون تمييز بين طفل رضيع وامرأة قعيدة أو شجرة خضراء أو حتى حيوان يهيم على وجهه... فقد صار الوجود الفلسطيني أو ما يرمز إليه من إنس أو جماد أو حيوان. من جغرافيا أو ديموجرافيا أو تاريخ.. صار أمام الجنون الصهيوني عدواً لدوداً تنبغي إزالته.

إن شارون وعصابته يمارسون كل صور الإجرام بالشعب الفلسطيني.. ينهش في الوجود الفلسطيني نهشا.. حتى صار لا يدري هو ماذا يفعل بعد.. لقد شبع نهشاً في لحوم البشر.. وشبع تدميراً وتشريداً دون أن يسمع صوتاً يجرم ما يفعل ودون أن يري ولو شبحاً يقول له كفى!

صمت القبور.. وسكون الليل البهيم.. وغياب هارب مفعم بالجبن صار يسيطر على الساحة الإسلامية.. 

واليوم تؤكد الساحة العربية بمنظومتها الحاكمة متغيراً جديداً وخطيراً فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية، وهو أن تلك الساحة التي كانت دوماً تمثل العمق الاستراتيجي للساحة الفلسطينية الملتهبة، وتمثل عونها وزادها وسندها في الكفاح قد أكدت انسحابها أو انزواءها، وجرجرت نفسها من الميدان لتبقى الساحة الفلسطينية عارية تواجه وحدها عواصف المشروع الصهيوني الاجتثاثي من كل جانب.

والذي يزيد من الغم أن نغمة ردود الفعل الرسمية العربية على أطول مذبحة في التاريخ في فلسطين صارت منضبطة ومتناغمة تماماً مع نغمة الولايات المتحدة كلمة بكلمة وعبارة بعبارة، ولم نعد نستطيع التفريق بين مدلولاتها ومعانيها، بل ألفاظها وبين تصريحات وتعليقات الأمين العام للأمم المتحدة.. لقد صار الجميع جوقة واحدة تحركهم نوتة موسيقية واحدة عن «ضبط النفس من الجانبين، ووقف العنف من الجانبين.. والعنف يعرقل السلام.. إلخ».

لم نعد نستطيع التفرقة بين بيان صادر عن عاصمة عربية عما يجري، وبيان صادر من هندوراس وهو ما يشعرك بالغربة والغرابة.

 لكن إذا كان هذا المتغير الخطير قد لحق بالساحة العربية فإن متغيرات أخرى مهمة قد طرأت على ساحة المقاومة.. مقاومة الشعب الفلسطيني المعجزة وتتمثل في: 

 

أولاً: لو أن شلالاً أو نهراً يتفجر بالدماء على امتداد أربع سنوات متواصلة لجف ولتوقف عن التدفق، لكني أكاد أتخيل الدماء المتفجرة دون انقطاع من جثامين الشعب الفلسطيني الطاهرة. أكاد أتخيلها قد ملت وتعبت من التدفق لكن الجسد الفلسطيني يؤكد أنه أقوى من الملل والتعب والألم.. أكاد أتخيل أن بحار الدماء التي تسيل منه عبر سنوات الجهاد المتواصلة تعود إليه مرة أخرى لتعيد حياته أكثر قوة وصموداً واستعصاء على الفناء. وهذا ما أصاب شارون بالجنون.. لكن لله في خلقه أسرار.. ولله حكمته البالغة.

ثانياً: إن الانتفاضة تدخل عامها الخامس والمشروع الصهيوني أكثر دموية ووحشية لكنها في المقابل أكثر قوة وإعجازاً. ففي بداية الانتفاضة سمعنا عن صواريخ القسام التي لم يتعد مداها الأمتار واليوم نشاهد صواريخ القسام تدك المستعمرات حول غزة. وتشير الأخبار إلى أن مداها صار قادراً على الوصول إلى عسقلان.. وقد أسقطت قتلى وجرحى للمرة الأولى.. إذن هذا سلاح جديد ينضم إلى العمليات الاستشهادية وهو يمثل خطوة متقدمة في توازن القوى. 

صحيح أن المقارنة المادية بين صواريخ ما زالت في بداياتها وبين جيش مهول ومعقد في تسليحه وتكوينه غير منطقية، لكن الواقع على الأرض يؤكد أن الصاروخ البدائي والقنابل البشرية أوجدت معادلة مهمة في ساحة الصراع وجعلت للطرف الفلسطيني المقاوم قوة وشكيمة، وعطلت المشروع الصهيوني، علاوة على أنها تقدم بارقة من الأمل أمام شعب صار في الواقع يقف وحيداً.. إلا من عون ربه ثم دماء أبنائه.

 

الرابط المختصر :