العنوان الحج.. دروس وعبر
الكاتب محمد الحسن الددو الشنقيطي
تاريخ النشر السبت 30-ديسمبر-2006
مشاهدات 67
نشر في العدد 1733
نشر في الصفحة 48
السبت 30-ديسمبر-2006
- علينا تذكر أن القوم الذين يجتمعون في الحج سيتفرقون تفرقًا لا لقاء بعده
- بقدر ثباتك على الصراط الدنيوي يكون ثباتك على الصراط الأخروي
إن الأعمال الصالحة تكمل الإيمان وتزيده، ولا يمكن أن يتم ويثبت في النفوس إلا بها، والحج من أكثر هذه الأعمال تأثيرًا في الإيمان، وكثير من أعماله تعبدية لا تعليلية، ولا يدرك الشخص حكمها، ولكنها تنبهه على الموت وما بعده، فيزداد إيمانًا بذلك.
بداية الحج هي الخروج من الأوطان وسلوك هذه الفجاج العميقة، ثم بعد ذلك يغتسل الشخص كما تغسل الجنازة، ثم يلبس إحرامه كما يدرج في أكفانه، ثم يصلي كما يصلي المقرب للقتل، ثم يتهيأ بالتلبية لإجابة بارئه ومولاه، ويتذكر بذلك إجابته إذا دعاه حين الموت، ويتجرد الشخص من مهامه كلها ومن أمور الدنيا كلها حتى من ملابسه ابتغاء مرضاة مولاه سبحانه وتعالى، وبذلك يتم الإقبال عليه فينادي بالتلبية راجيًا أن يكتب الله له الحج المبرور الذي ليس له جزاء إلا الجنة كما ثبت في الصحيحين.
طريق الأنبياء
وإذا تجاوز نقطة البداية تذكر الشخص في مسيره إلى البيت الحرام أنه يسلك طريق الأنبياء، فما من نبي بعد إبراهيم -عليه السلام- إلا حج هذا البيت، والسالك طريق الحج عليه أن يذكر أنه حلقة سلسلة طويلة فيها رسول الله ﷺ كان إذا دخل المسجد الحرام فرأى البيت العتيق قال: «اللهم زد هذا البيت تشريفًا وتكريمًا وتعظيمًا ومهابة وبرًا، اللهم زد من شرفه وكرمه وعظمه ممن حجه أو اعتمره تشريفًا وتكريمًا وتعظيمًا ومهابة وبراء».
ولا شك أن المؤمن الذي يقتفي أثر رسول الله ﷺ حين اقترب من الصفا: «أبدأ بما بدأ الله به».
فإذا صعدتها تذكرت رسول الله ﷺ حين امتنع أن يبنى له بيت بمنى يستظل فيه من الشمس، وقال: «لا إنما منى مناخ من سبق إليها»، ثم عندما تنطلق إلى عرفات تستشعر أن هذا الوادي الذي يسمى «بطن نعمان» هو الذي مسح الله فيه ظهر آدم بيده الكريمة عز وجل فأخرج منه ذريته فسألهم -وذلك في عالم الذر- ألست بربكم؟ قالوا جميعًا: بلى، فالمؤمنون بقوا على ذلك العهد الذي أشهدوا الله عليه، وما زالوا يجددون العهد في كل سنة يتوافدون فيها إلى هذا المكان.
ثم تتذكر هذا الموقف العظيم الذي هو أعظم يوم في السنة لم يمر على الشيطان يوم في السنة أخزى فيه منه ولا على العباد يوم أكثر مغفورًا لهم فيه من هذا اليوم... تذكر وقوف رسول الله صلى الله عليه وسلم عندها وأنك تسلك أثره.
فرصة جديدة
ثم بعد ذلك إذا بدأت التحلل تذكر نعمة الله تعالى عليك لأنك أتيحت لك فرصة جديدة بعد هذه الرحلة إلى الآخرة التي تذكرك بالموت بكل ما فيه، وبالمحشر حيث جمع الناس في هذا المكان الضيق في عرفات ورأيت أنواع البشر وأجناسهم يجتمعون من كل فج عميق، فتذكرت أن الله سبحانه وتعالى لا يعجزه حشرهم جميعًا في الساهرة، تذكر ذلك الموقف العظيم الذي تعلن فيه النتائج على رؤوس الأشهاد، تذكر مرورك وعبورك على الصراط وأنه جسر حقيقي، وأنك اليوم تسير على جسر معنوي وهو المحجة البيضاء ليلها كنهارها، وأنه بقدر ثباتك على هذا الصراط الدنيوي يكون ثباتك على الصراط الأخروي، فاختر لنفسك وأنت تسير على صراط تتحكم فيه وأنت منه في سعة.
علاج ما سلف
ثم تذكر أن هؤلاء القوم الذين يجتمعون في هذا الحج سيتفرقون تفرقًا لا لقاء بعده فيا رب واقف بعرفة لن يقف بعدها بعرفة أبدًا، ويا رب حاج في هذه السنة لا يأتي عليه هذا اليوم إلا وهو تحت التراب، لا تدري لعلك تكون منهم، فحاول أن تغتنم الفرصة وتقدم لنفسك ما ينفعها، حاول أن تتقي النار بأي شيء حاول ولو بكلمة طيبة، حاول أن تجعل من بقية عمرك علاجًا لما سلف منه.
فإذا نفرت من منى كان على يمينك الشعب الذي خلف الجمرة وهو الذي وقعت فيه بيعة العقبة كأول لبنة وضعت لبناء دولة الإسلام الكبرى، مما يحرك مشاعر الإيمان وينفض عنها الغبار.
النصر والتمكين
فإذا لم تتعجل واستطعت أن تمر بمحصب بني كنانة حيث تحالفوا على حرب الله ورسوله فتذكر ما باءت به مؤامرات أعداء الله ورسوله من الفشل، وما حققه الله لرسوله من النصر والتمكين.
وفي الأخير: إذا فرغ الناس من الحج وانصرفوا فإن الشخص سيتذكر أن كثيرًا من الناس الذين ربما صبر على أذاهم وربما كافأهم بالأذى قد افترق معهم فرقة لا اجتماع بعدها أبدًا.
وفي الختام: نسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا أجمعين ممن يعقلون أمثال هذا القرآن ويفهمون ما ضربت له هذه الأمثال، فإن الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ ۖ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾ (سورة العنكبوت: 43).
نفعنا الله بما علمنا وعلمنا ما ينفعنا وتقبل حجنا، والحمد لله أولًا وآخرًا.
تعظيم الشريعة الإسلامية للأشهر الحرم
عظم القرآن الكريم حرمة هذه الأشهر، كما نبهت السنة على ذلك، قال تعالى: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ۚ ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ ۚ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ﴾ (سورة التوبة: 36)، وهي: ذو القعدة وذو الحجة والمحرم، ورجب.. فهذا شرع الله المستقيم.. قال ابن عباس: ﴿فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ﴾ (سورة التوبة: 36)، في الشهور كلها، ثم اختص من ذلك أربعة أشهر، فجعلهن حرامًا وعظم حرماتهن، وجعل الذنب فيهن أعظم، والعمل الصالح والأجر أعظم.
وقال قتادة: إن الظلم في الأشهر الحرم أعظم خطيئة ووزرًا من الظلم فيما سواهن، وقال: إن الله اصطفى صفايا من خلقه، اصطفى من الملائكة ومن الناس، واصطفى من الكلام ذكره، واصطفى من الأرض المساجد، واصطفى من الشهور رمضان والأشهر الحرم، واصطفى من الأيام يوم الجمعة، واصطفى من الليالي ليلة القدر، فعظموا ما عظم الله فإنما تعظم الأمور بما عظمها الله به عند أهل الفهم وأهل العقل.
وقال ابن كثير: ﴿فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ﴾ (سورة التوبة: 36)، أي في هذه الأشهر المحرمة؛ لأنها أكد وأبلغ في الإثم من غيرها ،كما أن المعاصي في البلد الحرام تضاعف لقوله تعالى: ﴿وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُّذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ (سورة الحج: 25) وكذلك الشهر الحرام تغلظ فيه الآثام؛ ولهذا تغلظ فيه الدية في مذهب الإمام الشافعي وطائفة كثيرة من العلماء.
وفي سيرة ابن هشام أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما بعث عبدالله بن جحش ومعه نفر من المهاجرين إلى نخلة ليرصد بها «قريش» ويأتيه منهم بخبر، مرت به عير تحمل تجارة لـ«قريش» وكان ذلك في آخر يوم من رجب، فتشاور المسلمون، فقالوا: والله لئن تركتم القوم هذه الليلة ليدخُلُنَّ الحرم فليمتنعن منكم، ولئن قتلتموهم لتقتلنهم في الشهر الحرام.
فتردد القوم وهابوا الإقدام عليهم، ثم شجعوا أنفسهم عليهم وأجمعوا على قتل من قدروا عليه منهم وأخذ ما معهم، فقتلوا منهم وأسروا وأصابوا العير، فلما قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ما أمرتكم بقتال في الشهر الحرام»، وعنفهم إخوانهم من المسلمين فيما صنعوا.. وقالت قريش: قد استحل محمد وأصحابه الشهر الحرام وسفكوا فيه الدم وأخذوا فيه الأموال، وأسروا فيه الرجال، فأنزل الله على رسوله صلى الله عليه وسلم: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ ۖ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ ۖ وَصَدٌّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِندَ اللَّهِ ۚ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ﴾ (سورة البقرة: 217)، أي إن كنتم قتلتم في الشهر الحرام، فقد صدوكم عن سبيل الله -مع الكفر به- وعن المسجد الحرام، وإخراجكم منه وأنتم أهله أكبر عند الله من قتل من قتلتم منهم، والفتنة أكبر من القتل.
وروى مسلم عن جابر بن عبدالله عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في خطبة عرفة في حجة الوداع: «إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام، كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا في بلدكم هذا...»، فأحرى بالمسلمين اليوم -وقد عرفوا حرمة الدماء والأموال- أن يعرفوا حرمة الأشهر الحرم.