; قصف القبة ومخطط «ضرب» وحدة العراق | مجلة المجتمع

العنوان قصف القبة ومخطط «ضرب» وحدة العراق

الكاتب علي محمود

تاريخ النشر السبت 04-مارس-2006

مشاهدات 60

نشر في العدد 1691

نشر في الصفحة 16

السبت 04-مارس-2006

  • قوى الظلام والتفرقة الطائفية وراء أحداث الأربعاء الدامي.

  • الحادثة وقعت خلال حظر التجوال في المدينة ووجود قوات الحرس الوطني ومغاوير الداخلية وطائرات الهليكوبتر الأمريكية 

  • أحد شهود العيان من سامراء: خرجت في السادسة فجرًا فلاحظت وجودًا مكثفًا للحرس الوطني ومغاوير الداخلية حول ضريح الإمامين وعموم شوارع سامراء وقبل الانفجار بدقائق انسحبت جميع القوات وتركت المدينة خالية تماما!

  • أحد أفراد الشرطة المكلفين بحماية الضريح: بعد بدء حظر التجوال أول الليل تسلل إلينا أشخاص ملثمون يرتدون زي مغاوير الشرطة وقاموا فجأة بتطويقنا وربطوا أعيننا وقيدوا أيادينا وقاموا بتلغيمه بمادة « تي إن تي »

واقع حال مساجد أهل السنة في العراق وحال مصليها يقول: واإسلاماه، لقد انتهكت حرمة بيوت الله وقتلت النفوس البريئة دون ذنب، إلا أنها فدت مساجد الله بأرواحها، وتم خطف أبرياء من دورهم لا لذنب اقترفوه سوى أنهم من أهل السنة، وعثر عليهم في اليوم التالي جثثًا هامدًة. 

نداء استغاثة يشق الآفاق تطلقه دماء أهل السنة التي ذهبت ومازالت تذهب غدرًا على أيدي مغول القرن الـ ۲۱، وما من مغيث ولا من مجيب.. فالعرب والمسلمون كل منشغل في همومه وحريص على عدم إغضاب الاحتلال. 

لقد استغلت قوى الظلام والتفرقة الطائفية حادثة تفجير قبة مرقد الإمامين الله علي الهادي والحسن العسكري رضى الله عنهما في مدينة سامراء من قبل قوى مجهولة، مستعينة بحظر التجوال في المدينة، ووجود قوات الحرس الوطني ومغاوير الداخلية، وطائرات الهيلكوبتر الأمريكية، لتقوم بفعلتها المنكرة التي كادت تحقق أهدافها في إشعال فتنة طائفية في العراق. 

وفي تناغم عجيب بين الحرس الوطني وقوات الداخلية وجيش الاحتلال الأمريكي عن حراسة المرقد الشريف لحظة التفجير الآثم وبين تسارع جهات سياسية وطائفية، لاستغلال الحادث في تأليب وتحريض العوام والجهلة من الشيعة بتصوير أن الحادث هو من فعل أهل السنة!، فضلًا عن استغلال الأزمة من قبل أطراف طائفية سياسية لتمرير مطالبات سياسية والتمهيد لتشكيل حكومة على أسس طائفية تكون امتدادًا للحكومة السابقة سيئة الصيت، وصاحبة السجل الدموي في سفك دماء أهل السنة في العراق عبر فرق الموت والمعتقلات السرية، وتهميش قواهم السياسية. 

كيف وقع التفجير؟ 

في السادسة وخمس وأربعين دقيقة من صبيحة يوم الأربعاء ۲۲ فبراير ٢٠٠٦ صحا أهالي مدينة سامراء على صوت سلسلة الانفجارات المدوية تنبعث من مرقد الإمام الهادي وولده الحسن العسكري رضىّ الله عنهما، وانطلقوا نحو المسجد ليشاهدوا قبة المرقد وقد تحولت إلى ركام تسد أبواب المسجد، وبعد برهة جاءت قوات الشرطة والجيش. 

أما القوات الأمريكية التي كانت تحاصر المدينة، وتراقبها ليل نهار بواسطة طائرات الهليكوبتر فلم يكن لها وجود نهائيًا ساعة التفجير!!

أحد المواطنين السامرائيين واسمه «علي»، تحدث لإحدى وكالات الأنباء قائلًا: خرجت من داري بالساعة ٦ فجرًا وتوجهت لبقالتي بالمدينة، ولاحظت تواجدًا مكثفًا للحرس الوطني ومغاوير وزارة الداخلية وهم يفرضون طوقًا أمنيًا حول ضريح الإمامين وعموم شوارع سامراء، ولكن قبل الانفجار بدقائق انسحبت جميع القوات وتركت المدينة خالية تمامًا من أي من عناصرها، وما هي إلا دقائق حتى دوى انفجار هائل في المرقد، وركض جميع أهالي سامراء نحو المرقد الذي حموه ورعوه على مدى ألف عام ويزيد، وهالهم ما حصل له من تدمير في ثوان معدودة .. وبعد الحادث بدأت مآذن سامراء تصدح بالتكبير، وعلى إثر النداء توجه أهالي سامراء عن بكرة أبيهم إلى الروضة العسكرية، وهالهم ما شاهدوه من تخريب.. وأجهش أكثرهم بالبكاء حزنًا وكمدًا، كيف لا والقبة الذهبية كانت معلمًا من معالم مدينة سامراء يبصرها القادم إليها قبل عشرات الكيلومترات وهي تتلألأ بضوء الشمس المنعكسة عليها.. وتظاهر أهالي المدينة مستنكرين هذه الفعلة الإجرامية التي لا يمكن أن يرتكبها سامرائي ولا سني ولا مسلم في كل الموازين، وبعد فترة من الوقت حضرت قطاعات الشرطة والحرس، وتبين أن الحراس المنتسبين لحراسة المقام وعددهم خمسة فقط!! قد تم تقييدهم وحبسهم في إحـدى الغرف بالمسجد، من قبل مجموعة من الملثمين مجهولي الهوية، دخلوا أول الليل وبقوا يرتبون أسلاك ومواد التفجير حتى الفجر.. وغادروا مبكرين وبعد انصرافهم حصلت الانفجارات. 

ويروي أحد أفراد الشرطة المكلفين بحماية الضريح من الذين شهدوا الحالة وهم في الواجب ما يأتي: «بعد بدء حظر التجوال أول الليل تسلل إلينا أشخاص ملثمون يرتدون زي مغاوير الشرطة، حيث قاموا فجأة بتطويقنا وربطوا أعيننا وسلسلوا أيادينا، ومن ثم بدأوا بإلغامه بمادة تي أن تي، وبقينا على حالنا مكبلين حتى الصباح وبعد حدوث الانفجار جاء الناس وفكوا قيودنا».

وهذه الروايات تشير بأصابع الاتهام إما إلى ميليشيات طائفية أو مغاوير الحكومة وهذا يحتاج إلى تدقيق من قبل لجنة تحقيقية متخصصة ومحايدة، وهو ما لم يحصل حتى وقت كتابة هذا التقرير.

 مؤامرة لنشر الفتنة:

إن تفجير مرقدي الإمامين الهادي والعسكري، مؤامرة خبيثة دبرت بليل من أجل التمهيد لإشعال فتنة طائفية تعم البلاد، وهذا لا يخدم غير قوات الغزو والاحتلال في إيجاد الذريعة للبقاء في العراق، ولتجعل العراقيين يتناحرون فيما بينهم ويتركون قوات الاحتلال ... ويخدم مصالح الأطراف التي لا تريد للعراق أمنًا ولا استقرارًا، ومن المؤكد لكل ذي بصيرة وعقل أن لا مصلحة لأهل سامراء في تفجير مرقد الإمامين الذي حموه وصانوه ودافعوا عنه على مدى ۱۲۰۰ عام، وإن كانت لهم مصلحة فرضًا - كما يدعي المتآمرون - فلماذا لم يفعلوها يوم سقطت بغداد ولم تكن آنذاك حكومة ولا جيش ولا شرطة؟ 

وبعد أن تم إعلان الخبر تداعت الحوادث والتطورات بشكل دراماتيكي، فما بين شجب واستنكار من جميع الأطراف، وفي مقدمتها هيئة علماء المسلمين والحزب الإسلامي العراقي، وسائر القوى الوطنية في العراق، ومن الجامعة العربية، وجماعة الإخوان المسلمين في مصر والأردن وسورية، ومنظمات وهيئات عربية وعالمية، كان النداء المبطن من الأحزاب والقوى الطائفية التي استغلت الوضع لتأجيج الموقف من أجل ثلاث غايات رئيسة: 

  1. محاولٌة لنسف التعايش الرائع بين مختلف الطوائف الإسلامية والمذاهب في العراق على مر القرون، والتمهيد لإيذاء أهل السنة بكل الوسائل من خلال تحريض الغوغاء والدهماء لإيذاء أهل السنة وتدمير مساجدهم. 

  2. الالتفاف على الحرج الذي تعيشه الحكومة بعد افتضاح الأفعال الشنيعة لقوات الداخلية من خلال التعذيب وفرق الموت والمعتقلات السرية، وغيرها من الممارسات التي افتضحت أمورها وصار العالم كله يعرفها، مما حدا بالسفير الأمريكي خليل زادة أن يطلب عدم إسناد وزارتي الداخلية أو الدفاع إلى «طائفيين» أو من لهم صلة بالميليشيات الطائفية. 

وظهر ذلك واضحًا من تصريحات عبد العزيز الحكيم بأنه يحمل السفير خليل زادة مسؤولية ما حدث في سامراء، لأن تصريحات خليل زادة شجعت الإرهابيين التكفيريين، وأعطتهم الضوء الأخضر للقيام بفعلتهم في نسف الضريح!! 

  1. تشويه صورة المقاومة العراقية أمام الرأي العام وإظهارها بمظهر المستهدف للرموز الدينية والمقدسات. 

غياب مشبوه!

وبعد ظهر يوم الفاجعة «الأربعاء» انطلقت تظاهرات وتجمعات في مختلف محافظات العراق وبخاصة بغداد والمحافظات الوسطى والجنوبية، وانسحبت قوات الشرطة والجيش نهائيًا بشكل يثير الغرابة والتساؤل من شوارع بغداد وسائر مدن الوسط والجنوب، واختفت الدبابات والطائرات الأمريكية تمامًا، تاركة السيطرة لجموع الدهماء لابسي الملابس السود، وبعضهم ملثمون «مما يدلل على أنهم من عناصر المغاوير والحرس»، وبخطة مدبرة يبدو أنها معدة سلفًا، تمت مهاجمة العشرات من مساجد أهل السنة في بغداد والبصرة وكربلاء والكوت والديوانية والحلة والناصرية وتلعفر شمال الموصل، وقتلوا كل من يواجههم من أئمة المساجد وحراسها وخدمها ومن المصلين أيضًا، وتم إحراق المساجد وقصف بعضها بقذائف «آر بي جي»، وبالرصاص وأتلفت المصاحف والكتب وأحرقت محتويات المساجد، كما تضمنت الحملة الغوغائية اعتقال وخطف عدد من الشبان السنة العزل الذين عثر على جثثهم في اليوم التالي في أطراف المدينة أو في مشرحة الطب العدلي، واستمرت الأوضاع على مدى أكثر من يومين رغم تدخل السلطة الظاهري، وفرضها منع التجول في بغداد وعدد من المدن لكن عملية الاعتداء على بيوت الله وحرقها وتدميرها وقتل أئمتها استمرت وسط غياب تام ومحير ومشبوه للسلطة وللقوات الأمريكية حيث لأول مرة تشاهد فيها بغداد خالية من أي جندي أمريكي أو عربة أمريكية ولا حتى طائرة هليكوبتر منذ 2003 !!

وبلغ عدد المساجد التي هوجمت حدود الـ ۲۰۰ مسجد منها ۱۱ مسجدًا دمرت بالكامل نتيجة القصف والحرق والأخرى تعرضت لإطلاق القذائف والنيران أو التخريب.. وبلغ عدد الشهداء من أئمة المساجد ،۱۲ ومن المصلين وعموم أهل السنة من مختلف الأعمار ١٥٠ شهيدًا ومازالت أعداد كبيرة منهم مفقودة دون أن يعلم عنهم شيء.

في البصرة أيضًا كما في الناصرية هوجمت المساجد وقتل عدد كبير من أئمتها ومصليها، بل طال الهجوم التدميري الغوغائي أضرحة الصحابة الكرام «سلمان الفارسي» في المدائن «جنوب بغداد ٢٠ كم»، ونبش قبر الصحابي «أنس بن مالك في البصرة»، ومحاولة لنسف قبر الزبير رضي الله عنهم أجمعين.. كما أحبط أهالي الأعظمية محاولة غادرة من قبل أعداد من الغوغاء لمهاجمة مسجد الإمام أبي حنيفة النعمان في الأعظمية، وقتل في الحادث عدد كبير من قطعان الدهماء المهاجمـين، وتبين أنهم من فيلق « بدر » الذي يسميه العراقيون فيلق غدر، وقد اشتبك مصلون في جامع الإسكان الشعبي السني بالدورة جنوب بغداد، وهو المسجد الذي تعرض قبل أسبوعين لتفجير سيارة ملغومة أودت بحياة عدد من المصلين السنة يوم الجمعة الأسبق اشتبكوا مع مهاجمين يرتدون زي مغاوير الداخلية وملثمين حاولوا الهجوم على الجامع، وتم قتل حوالي ٢٠ فردًا من المهاجمين، ومثلها حصلت مع مهاجمين أرادوا اقتحام مسجد الكبيسي في حي الشرطة الخامسة وجوامع أخرى. 

وفي البصرة أيضًا قالت الشرطة إن مسلحين يرتدون ملابس الشرطة خطفوا ۱۱ معتقلًا سنيًا - وهم مصريان وسعودي وعراقيين - في سجن بالمدينة وقتلوهم فيما بعد وقد وصل المهاجمون في قافلة من ١٦ سيارة إلى سجن الميناء، وعثر على السجناء الأحد عشر ميتين في وقت لاحق، وبهم إصابات من طلقات نارية وتعرضت مقار الحزب الإسلامي للهجوم في البصرة والناصرية والحلة وقتل بعض الحراس 

إجراءات حكومية متأخرة

على إثر ذلك أعلنت وزارتا الدفاع والداخلية بالحكومة العراقية المؤقتة حالة التأهب القصوى بالبلاد، لمحاولة السيطرة على الموقف المتفجر، وأعلن رئيس الوزراء حظر التجوال في بغداد وعدد من المدن العراقية.

 وفي محاولة لاحتواء ردود الفعل الغاضبة سارع علماء الدين والقادة السياسيون من السنة والشيعة بالدعوة إلى التهدئة، وتفويت الفرصة على الساعين إلى إثارة فتنة طائفية وحرب أهلية، وناشد الرئيس العراقي المؤقت جلال طالباني العراقيين جميعًا العمل معًا من أجل درء خطر الحرب الأهلية واتهم مديري الهجوم بمحاولة تعطيل المحادثات الخاصة بتشكيل حكومة وحدة وطنية.

 في يوم الجمعة أعلن رئيس الحكومة العراقية المنتهية ولايتها إبراهيم الجعفري أن تفجير ضريح الإمامين علي الهادي والحسن العسكري في مدينة سامراء، نفذته عناصر اخترقت أجهزة الأمن، وأكد اعتقال عدد منهم. 

وقال في مؤتمر صحفي عقب اجتماع لمجلس الوزراء - بحث فيه العملية الإجرامية بتفجير المرقدين: إن المعلومات الأولية التي أدلى بها حوالي عشرة أشخاص - شاركوا في الاعتداء من بين عشرات آخرين كانوا يرتدون زي مغاوير الشرطة العراقية - تشير إلى اختراقهم لأجهزة الأمن، وأشار الجعفري إلى أنه يستطيع أن يعلن هذا من دون حساسيات سياسية، وأكد اتخاذ إجراءات أمنية مشددة حول أماكن العبادة في عموم العراق، التابعة لمختلف الطوائف والأديان لتجنب تكرار الاعتداءات، وأكد الأمين العام للحزب الإسلامي طارق الهاشمي أن هناك مؤامرة دبرت لهذا الشعب المظلوم ، ولا بد أن يتعاون الجميع للخروج من هذه المحنة. 

ووصف رئيس جبهة التوافق العراقية عدنان الدليمي الهجوم بأنه حلقة جديدة في مسلسل المحاولات المشبوهة التي تريد تفتيت وحدة العراق وأبنائه، فماذا بعد تطاول جموع الغوغاء على بيوت الله بالحرق والتدمير والاحتلال بل ماذا بعد أن تنتهك الحرمات وتستباح دماء المصلين الأبرياء في مشهد انتقامي يكشف مدىٰ الغل والحقد الذي يحمله من قاموا بهذه الأفعال الشائنة، إن أحداث الأربعاء الأسود لم تكن وليدة اللحظة أو تعبيرًا عن S رد فعل عفوي كما يدعي البعض .. أبدًا !! 

إن ما جرى إنما هو تنفيذ دقيق المخطط خبيث أعد منذ زمن يهدف إلى إحداث شرخ بين الإخوة، وإشعال نار فتنة منتنة لا تبقي ولا تذر، ولا غالب فيها ولا مغلوب. 

إن العراقيين كلهم وفي مقدمتهم أهل السنة أدانوا ورفضوا بشدة الهجوم الآثم على مرقد الإمام علي الهادي «عليه السلام»، وسيبقى هذا موقفهم من أي اعتداء آثم عن دور العبادة وفي أي مكان من عراقنا الحبيب، ومهما كانت العقبات أو التضحيات التي يقدمها، إلا أنه بدا واضحًا أن هذا الحادث المدبر من قبل أطراف باتت معروفة للجميع، إنما كان وسيلة بيد من خطط لتفتيت هذا البلد وإعلان حرب شعواء على أهل السنة وعلى دور العبادة وانتهاك حرمات المساجد. 

مسؤولية الاحتلال 

إن الاحتلال الأمريكي للعراق وفر كمًا هائلًا من الوقود لإشعال نار الطائفية في بلد يتشكل من طوائف مذهبية وعرقية قل أن تجد لها مثيلًا في دول أخرى في المنطقة، وهذا التشكيل لا يعيب العراق ولا يضعفه بالطبع، وإنما يجعل اختراقه أمرًا ممكنًا إذا ما توافرت الظروف الموضوعية لذلك، وقد ساعد الاحتلال وعملاؤه في خلق مثل هذه الظروف، فالقوى الاستعمارية التي احتلت العراق لنهب خيراته والسيطرة على ثرواته النفطية الهائلة واستخدامها لتعزيز المصالح الاستراتيجية للولايات المتحدة الأمريكية في المنطقة يهمها أن يبقى العراق ضعيفًا غير قادر على إدارة شؤونه باستقلالية كاملة.

من جريمة تفجير المرقدين وجرائم حرق المساجد ومن قبلها الاعتداءات على الكنائس لا يقوم بها، إلا من يريد للعراق أن يدخل في نفق سحيق لا يخرج منه إلا بعد أن يتفتت إلىٰ طوائف وأعراق لا يستطيع أي منها أن يؤمن مستقبله مهما كانت حصته من الكعكة العراقية الدسمة، ذلك أن هذه الكعكة لن تذهب بعيدًا عن السيطرة الأمريكية التي من أجلها دفعت بجحافلها إلى العراق متجاهلة الشرعية الدولية التي طالما تغنت بها ولاتزال، وعلى أنغام الوتر نفسه تحرك الولايات المتحدة الأمريكية مشرط رسم مستقبل العراق، لأنها تعرف أن دولة تقوم على المحاصصة الطائفية أو العرقية ستكون أداة في يدها تحركها وفق مصالحها الخاصة، فهذه هي صورة المستقبل تخطط له القوى المعادية لمصالح الذي الشعب العراقي ومستقبله، وهي بالتالي صاحبة المصلحة في ارتكاب الجرائم الموجهة ضد الأماكن المقدسة للطوائف العراقية المختلفة، لأن المجرمين الذين يقفون وراءها يعرفون أن المساس بهذه الأماكن هو الطريق الأوفر حظًا وسهولة لإحداث تصادم طائفي أو عرقي بين فئات الشعب العراقي، وهذا امتحان عسير وصعب يتحمل شعب العراق بفئاته وطوائفه وأعراقه كافة مسؤولية تجاوزه والإبحار بالسفينة الوطنية بجميع ركابها ومن دون ذلك سوف يخسر الجميع الوطن العراقي العزيز . 

وفي سياق الفتنة ذاتها، أقدم مسلحون يستقلون سيارات حكومية «مرقطة» من النوع المستخدم لدى الحرس الوطني بمهاجمة منزل الأمين العام لهيئة علماء المسلمين الشيخ حارث الضاري في وقت مبكر من يوم السبت ٢٤ فبراير غربى بغداد، واتهم الضاري الحكومة العراقية بالمسؤولية المباشرة عن محاولة اغتياله. وقال الشيخ الضاري: إن هناك حربًا طائفية معلنة يؤججها بعض المشاركين في الحكومة، مشيرًا إلى مقتل مئات المسلمين على مدى الشهور الماضية.

 وتزامن وقوع الهجوم على منزل الضاري الذي يقع في قرية الزيدان في منطقة أبو غريب غربي العاصمة بغداد مع مرور موكب جنازة الصحفية العراقية أطوار بهجت مراسلة قناة العربية الفضائية، التي اغتيلت مع زميلين لها على أيدي مسلحين مجهولين يوم الأربعاء الأسود، عندما كانت تغطي أحداث سامراء، وكان موكب التشييع الذي تأخر يومين بسبب حظر التجوال المفروض على بغداد، والذي شارك فيه العشرات من زملاء الصحفية متوجهًا إلى مقبرة الكرخ في منطقة أبو غريب غربي بغداد مارًا بقرية الزيدان.

ميثاق شرف 

وقد تنادى عدد من خيار علماء الدين شيعة وسنة إلى الالتقاء من أجل إصلاح ذات البين ليعملوا معًا على ميثاق شرف وميثاق إسلام وإيمان يحترمونه للوقوف عند حدود الله، وأن يحترم كل منهما الآخر فالمسلم حرام «كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه»، يجب أن ترعى حرمات الناس هذا ما جاء به الإسلام، فالإسلام يرعى حرمات الآخرين.  يقول الله تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا يَسخَر قَوم مِّن قَومٍ عَسَىٰٓ أَن يَكُونُواْ خَيرا مِّنهُم وَلَا نِسَآء مِّن نِّسَآءٍ عَسَىٰٓ أَن يَكُنَّ خَيرا مِّنهُن وَلَا تَلمِزُوٓاْ أَنفُسَكُم وَلَا تَنَابَزُواْ بِٱلأَلقَٰب بِئسَ ٱلِٱسمُ ٱلفُسُوقُ بَعدَ ٱلإِيمَٰن وَمَن لَّم يَتُب فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلظَّٰلِمُونَ﴾ ( الحجرات: 11)، إن المجرمين الذين ارتكبوا جريمة قصف قبة مرقدي الإمامين الهادي والعسكري - رضىّ الله عنهما - في مدينة سامراء «عاصمة الخلافة الإسلامية بعد بغداد »، إنما أرادوا أن يقصفوا الوحدة الوطنية العراقية التي جمعت جميع طوائف وأديان ومذاهب العراق عبر التاريخ، وإنما أرادوا أن يهدموا عوامل اللحمة العراقية وتروجوا للفتنة الطائفية والتي كانت ستعم مدن العراق بفعل اندفاع نفر من المتهورين والمخدوعين، لولا تدخل العقلاء والناصحين ، وندعو الله أن يحقن دماء المسلمين ويجمعهم على كلمة سواء ... ويحمي العراق والعراقيين ومساجد العراق من كل سوء.

دعا إلى مؤتمر سني – شيعي موسع

المطوع: الموساد ومخابرات أجنبية تزرع الفتنة في العراق

أكد رئيس جمعية الإصلاح الاجتماعي السيد عبد الله علي المطوع أن هناك أيادي خبيثة تريد زرع الفتنة بين أبناء الشعب العراقي الواحد سنة وشيعة، معربًا في الوقت نفسه عن استنكاره ورفضه لتفجير مراقد الأئمة في سامراء، وقال المطوع في تصريحات لصحيفة القبس الكويتية اليومية: إن تعرض مقابر آل البيت إلى الاعتداء أمر إجرامي ومرفوض ولا يرضى به أحد. 

وأضاف لو أمعن المراقب للأحداث لوجد أن هناك من جاء إلى العراق لإيقاع الفتنة بين أبناء طائفتي السنة والشيعة، وقال: أنا على يقين أن أبناء السنة في العراق لا يمكن - وبأي حال من الأحوال - أن يقوموا بمثل هذه الاعتداءات المحرمة شرعًا لافتًا إلى أن المستفيد من هذه الفتنة هم أعداء الإسلام الذين لا يريدون للشعب العراقي الاستقرار، بل يريدون نشوب حرب طائفية بين السنة والشيعة تقضي على الأخضر واليابس. 

وتساءل المطوع: لماذا لا يوجـه الاتهام صراحة إلى وجود الموساد الإسرائيلي والمخابرات الأجنبية في العراق، والذين يريدون أن يظهروا العراق أنه بلد غير مستقر؛ لضمان استمرار الصدامات فيه وليضمنوا وجودهم وبقاءهم وسيطرتهم على العراق وثرواته؟! 

وفي حين رفض المطوع العمل الإجرامي على مراقد الأئمة، شجب وندد أيضًا بالعمل الإجرامي الغوغائي بحرق مساجد السنة وقتل أئمتها كردة فعل إجرامية خاطئة، مطالبًا بضرورة «التحقيق في تفجيرات سامراء، بدلًا من ردات الفعل الخاطئة المتكررة والتي لا تحمد عقباها». 

وطالب المطوع علماء السنة والشيعة «بشجب مثل تلك الأعمال وألا يؤججوا الأحداث، كما حصل من دعوة إلى التظاهرات التي كانت نتيجتها تصرفات إجرامية أدت إلى قتل أئمة السنة وحرق مساجدهم».

وأكد أن كلا الأمرين مرفوض، وعلى أبناء الشيعة والسنة التعقل في خطواتهم وألا يجعلوا من هذه الفتنة حربًا وصراعات أهلية يروح ضحيتها العراق. 

وندد المطوع بالاختطافات التي تحدث في العراق بشكل عام وقتل أبناء السنة وتشكيل فرق الموت المتخصصة بقتلهم، والتي نسمع أخبارها في الفضائيات يوميًا، ودعا المطوع علماء السنة والشيعة إلى مؤتمر موسع يضم جميع الأطياف ترفض فيه الاعتداءات المبنية على الطائفية والاتفاق على وحدة الصف للوصول إلى عراٍق موحٍد مستقٍر. 

وقال: إن ما حدث في سامراء سبق أن حصلت محاولات مماثلة له اكتُشفت اللحظة الأخيرة في الموصل ضد مساجد لأهل السنة، وأنه بالتأكيد كان الموساد وراءها، والدليل اعتراف أحد في المنفذين بذلك. 

وأوضح أن هذه المحاولات لو حدثت لاتهم بها أبرياء ليس لهم علاقة.

اتفاق سني – شيعي لاحتواء العنف

اجتمع علماء سنة وشيعة بالعاصمة العراقية لبحث سبل مواجهة تداعيات الأزمة التي نجمت عن تفجير قبة الإمام علي الهادي وبمدينة سامراء، وبلغت حصيلة هذه ا الاعتداءات حتى السبت أكثر من ١٠٠ - قتيل في بغداد فقط. 

واجتمع ببغداد وفد من تيار الزعيم الشيعي مقتدى الصدر مع وفد من هيئة علماء المسلمين السني والتيار الخالصي الشيعي، وصرح المسئول الإعلامي لهيئة علماء المسلمين أن الاجتماع أظهر بوادر تفاهم وتوجهًا يشير إلى أن ما يحدث على الساحة العراقية الآن هو خارج عن إطار هذه القوى وهناك ضرورة ملحة لوقفه. 

وفي بيان ختامي أدان الاجتماع الهجوم الذي استهدف مرقد الإمام علي الهادي المقدس عند الشيعة بمدينة سامراء «شمالي بغداد» الأسبوع الماضي وجميع الأعمال التخريبية، والإرهابية سواء تلك التي استهدفت المساجد أو المسلمين كما نددوا به دعوات تکفیر المسلمين عمومًا والعراقيين خصوصًا. 

وشدد البيان على حرمة الدم العراقي والمساجد، وضرورة تعويض المتضررين من أعمال العنف التي اندلعت عقب تفجير سامراء، كما اتفق المجتمعون على إنشاء لجنة لتقصي الحقائق فيما يتعلق بهذا الموضوع، والتبرؤ من جميع الأعمال التخريبية والتأكيد على وحدة الصف العراقي. 

وحمل البيان الاحتلال مسؤولية اندلاع أعمال العنف الطائفية، وطالبه بالانسحاب أو جدولة الانسحاب من العراق، وفي الوقت الذي شدد فيه البيان على أن ما يحدث من انتهاكات المساجد ورموز لأهل السنة تبقى بناء من حجر لا يقارن بأرواح البشر التي حرمتها أكبر عند الله من خرمة الكعبة.. فإنه أشاد بأنباء تلقاها عن إعادة كثير من المساجد السنية، التي تم الاستيلاء عليها من قبل مسلحين بجهود الأهالي سنة وشيعة.

 

الرابط المختصر :