; كلمة إلى أبناء الصحوة | مجلة المجتمع

العنوان كلمة إلى أبناء الصحوة

الكاتب راشد الغنوشي

تاريخ النشر السبت 15-نوفمبر-2003

مشاهدات 90

نشر في العدد 1577

نشر في الصفحة 44

السبت 15-نوفمبر-2003

ابدؤوا بأفضل مما بدأنا به وأفيدوا من تجربتنا.. وأمسكوا ألسنتكم عن الولوغ في الفتنة

قد يبدو المشهد العام الحالي للأمة تغشية المظالم والأحزان والآلام جوع وخوف ومعتقلات ودماء ودموع وهزائم وفقر وبطالة واحتلال ومقت، حتى اسودّت الدنيا من حول المواطن المسكين وتحير بين استبداد ابن البلد وقهر الاحتلال.. أيهما أشد وطأة وانكي شرورًا!.

وإذا كان احتلال فلسطين يسجل السبق فيما تبقى من الاحتلالات التي ظن أن زمنها ولى وانقضى مع القرن الماضي فإن احتلال العراق وقبلها أفغانستان يسجل ظاهرة نكوصية وشاذة عن مسار التاري. كما أن منطقتنا تسجل سبقاً على صعيد الاستبداد فهي تكاد تنفرد بين أنظمة العالم في قدرتها على الاستمرار واستعصائها على كل محاولات التغيير والاختراق الديمقراطي.. فهل من غريب وقد انسدت الآفاق أمام المواطن العربي     -ولا تفتح إلا على أحد خيارين أحلاهما مراً: من الاستبداد الاحتلال- أن يبلغ الهم والغم المتراكم على أفئدة الشبيبة خاصة ما بلغ، لدرجة أن يصل الأمر إلى حد اتخاذ قرار الهروب من الواقع الآسن إلى الانتحار المباشر الذي تحول لأول مرة في تاريخنا إلى ظاهرة تبعث على الانشغال، أو إلى أشكال غير مباشرة مثل الإقبال على المخدرات وأشباهها؟

غير أن المشهد العربي ومنه التونسي لم يتمحض لسواد الليل الحالك، فلا تزال في الأفق الداكن نجوم ثاقبة وأخرى تطل بين الحين والآخر تشيع الضياء وتبعث الأمل وتبشر بانزياح الظلمات وتنادي إلى صبح قريب..  ﴿أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ﴾؟ (هود:٨١).

فعلى صعيد المشرق تمثل المقاومة المتصاعدة للاحتلال، وما حققته المصالحة الوطنية في السودان من تقدم، والإفراج عن آلاف المساجين الإسلاميين في مصر، نجومًا مضيئة في ليالي الاستبداد والاحتلال الحالكة المخيمة على الأمة.

 أما على الصعيد الوطني، فمع أنه انضافت إلى تعاسات الاستبداد من قمع طال حتى أركان الديكور مثل التليلي (إسماعيل التليلي الأمين العام للاتحاد التونسي للشغل كان من مؤيدي النظام ثم سجنه الرئيس بن علي) والسحباني ( عبد الرحمن السحباني رئيس الاتحاد الديمقراطي -حزب قومي تونسي- وكان متحالفًا مع النظام، ثم سجنه بن علي) اللذين جوزيا جزاء سنمار ـ اللهم لا شماتة ـ، ولكن الدرس واضح: من أعان ظالماً سلطه الله عليه، ومن رضي البيات في عرين الأسد فلا عجب إن افترسه يومًا.. انضافت إلى ذلك كوارث توصف عادة في مصطلح العلمانيين بأنها طبيعية مثل الفيضانات التي لم تشهدها البلاد منذ أكثر من قرن والتي أنت على أرواح -نسأل لها الرحمة- وعلى ممتلكات عشرات الآلاف من المواطنين المضروبين أصلاً بالبطالة والقمع ولم يكن تأمينهم داخلاً في حساب رجال الأمن.. نسأل الله أن يعوض أهلنا في مصابهم خيراً. أما في النظر الكوني الشامل، نظر المؤمنين فإن هذه الكوارث -من جفاف وطوفان- هي بعض حصاد ما كسبت الأيدي من الإفساد في الأرض والتنكب عن عدل الله وشرعه وهديه في التعامل مع الموارد الطبيعية التي سخرها للإنسان؛ إن في مستوى الأفراد أو المجموعة.. ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ (الروم:٤١). 

غير أنه في سماء تونس تلتمع إضاءات وبشائر، لعل أهمها الانعطافة الواسعة للمجتمع التونسي في كل المستويات وخاصة الشباب نحو الدين وتعاليمه ورموزه من صلاة وحجاب وكتاب ومناشط جادة، وتتجلى أهميتها في دلالاتها العظيمة ومنها حيوية المجتمع التونسي وأصالته الإسلامية العميقة التي أذكتها الحركة الإسلامية المعاصرة خلال ربع قرن والتي استعصت على خطط التجفيف والاستئصال والحصار التي تعرض لها الإسلام ودعاته وتراثه، وقدمت للبلاد نماذج عظيمة من الرجال والنساء علماً وأدباً وشجاعة وصبراً على البلاء ومرابطة على نهج الوسطية السمحة، بعيداً عن كل ضروب الغلو والتشدد والتعانف.

غير أنه في ظل الغياب المفروض على تلك النماذج التي أسست للصحوة الاسلامية المعاصرة في أرض جامع الزيتونة وعقبة، يخشى على هذه الصحوة المباركة أن تنال منها رياح الغلو والتشدد فتميل بها صوب هذا المنحدر أو ذاك فتضيع طاقات وأرصدة هذه الصحوة وتتبدد هدراً في جدليات عقيمة بل مدمرة، إحياءً لموات فتن وخلافات حدثت بين الأصحاب الكرام في أول الإسلام، هم فيها بين مجتهد مصيب ومخطئ، وقد اتفق جمهور علماء الإسلام على كف الألسن عن الجميع إلا بالذكر الحسن لسوابقهم العظيمة والدعاء لهم والاستغفار ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ (الحشر:١٠)، فأيما مسعى يبذل في إحياء وتأجيج تلك الخلافات ذات الطابع السياسي خلافاً حول الحاكم أو نهج الحكم في صدر الإسلام إنما هو ضرب من إيقاظ الفتن النائمة وصرف للأمة عن مواجهة مشكلاتها الراهنة خوضاً في مشكلات عفى عليها الزمن، مع ما في ذلك من إيغار للعداوات وأسباب الشقاق في أمة محمد ﷺ، في وقت هي أحوج ما تكون فيه إلى وحدة الصف حول أصول الإسلام وثوابته مما هي محل إجماع المسلمين من أجل مواجهة المشكلات والتحديات الوجودية التي تواجه المسلمين مثل التجزئة والاحتلال والاستبداد. 

نصيحتي لإخواني وأبنائي في هذه الصحوة المباركة أن يعرضوا عن مثل هذا الجدل وأن يمسكوا ألسنتهم عن الولوغ في هذه الفتنة ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ ۖ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَّا كَسَبْتُمْ ۖ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (البقرة:١٣٤)، وأن يحثوا التراب في وجه مثيريها: الفتنة نائمة ملعون من أيقظها»، وأن ينصرفوا بدل ذلك إلى توثيق عرى الأخوة الإسلامية وإصلاح النفس وطلب العلم وتبليغ دعوة الإسلام في ثوابتها المعروفة، عقائد وشرائع وحلالًا وحرامًا.

غير أن للتشدد والغلو وهدر الطاقات في الجدليات صورًا أخرى يتمحور ظاهرها حول مقصد نبيل هو الحرص على نقاء عقائد المسلمين من ضروب الشرك الظاهرة والخفية ومن البدع والمنكرات والعودة بكل جوانب حياتهم الدينية إلى أصولها في الكتاب والسنة ﴿فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾  (النساء:٥٩)، وهي دعوة حق وأس في كل إصلاح. ولا مناص من تطهير عقائد المسلمين وعباداتهم من كل ضروب الشرك والبدع.

ولقد أنجزت الحركة الإسلامية في تونس ومثيلاتها إنجازات مهمة على هذا الصعيد ولا تزال الحاجة قائمة إلى المتابعة ولكن في رفق ودون غلو ودون إرباك للأولويات. إن الدعوة إلى العود بالدين إلى أصوله كلمة حق وأصل ركين إلا أنه قد خالطها أحياناً عند بعض الدعاة تشدد وغلو بلغا حد تكفير المسلمين واستباحة دمائهم بفتاوي مستندة إلى نصوص مبتسرة لم يشهد لها جمهور الفقهاء قديمًا وحديثًا، وقد تتأسس عليها مناهج متشددة في التغيير تسرع إلى تكفير المخالف وهدر دمه وسائر حقوقه، وهو ما أضر بالدعوة أيما إضرار وجعل بأس المسلمين بينهم، كما زج بالأمة الإسلامية في معارك استعدت عليهم الأمم.. لم يجن الإسلام منها وأهله غير تشويه الصورة والسمعة والحصار والاحتلال ودعم مؤسسات القمع على كل صعيد مما لم يفد منه غير أعداء الإسلام والأنظمة الدكتاتورية وقديمًا قيل: يفعل الأحمق بنفسه ما يفعل العدو بعدوه، ولذلك جاء النص على تقييد الدعوة الى الله بالحكمة والتبصر ﴿قُلْ هَٰذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ ۚ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي ۖ وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (يوسف:۱۰۸)، واشترط العلماء في النهي عن المنكر مراعاة جملة من القواعد منها ألا يفضي ذلك إلى منكر أشد، حتى إن شيخ الإسلام ابن تيمية لم يقر أصحابه على نهي المغول عن شرب الخمر قال دعوهم. وعلل ذلك بهذه القاعدة: إنما نهى الله عن الخمر لأنها تصرف عن الصلاة والطاعة بينما هؤلاء إذا أفاقوا قتلوا المسلمين.

إن التشدد في التصور وبساطة النظر إلى الواقع والانصراف عن فقه المقاصد وفقه الموازنات وفقه المصالح والأولويات والاستعلاء على أئمة الفقه بزعم الاستمداد المباشر من المصادر مع ضعف التأهل لمثل هذه المهمة، بعض أسباب فشو فكر التشدد والتكفير واستخدام القوة في غير موضعها مما كان له بالغ الضرر على دعوة الإسلام في مواطن كثيرة في سوريا ومصر والجزائر ويخشى أن نفس الأسباب ونفس الأفكار تقود إلى نفس النتائج، وبالخصوص مع الحرب المتواصلة على دعاة الوسطية والاعتدال وعلى كتبهم.

وبهذا الصدد فإنه لا يفوتني أن أوجه تحية ود وكلمة نصح الى أبنائي الأحباب أبناء الصحوة الثانية المباركة أن ينصرفوا عن التفكير أنهم ينطلقون من أرض خالية بيضاء يستطيعون أن يغرسوا فيها ما شاءوا، وان أهلها ليسوا على شيء من الدين فقد انطلقنا نحن في الصحوة الأولى من منطلقات مشابهة ثم اكتشفنا الحقيقة بعد حوالي عقد من الزمان ـ وقد خالطنا مشكلات الناس الحقيقية وبدأنا نطلع على تراث البلاد الغني وتجربتها الإصلاحية الإسلامية الثرية - فاضطرنا ذلك إلى التواضع والتفاعل مع مشكلات الناس وتراث البلاد الديني.. عرفنا الثعالبي وابن عاشور والقليبي ولخوة والنيفر وعبدالرحمن خليف وبدأنا نتصفح الدفاتر الثرية لإرث الإسلام في هذه البلاد الذي أسس إجماع أهلها وهمش فكر التشدد الخارجي.

ومن الدفاتر المؤسسة لهذا الإجماع كتابات الفقيه العظيم عبد الله بن أبي زيد القيرواني والإمام سحنون والمازري وابن عرفة وابن عاشور وخليف.. إلخ.

نصيحتي الخالصة إلى أبنائي وإخواني من شباب الصحوة المباركة ألا يهدروا طاقاتهم في مجادلات عقيمة وألا يسرعوا في الاستعلاء على تراث البلاد الديني الذي صنع الوحدة والإجماع فيها وصانها عما تكتوي به بلاد كثيرة من نيران الفتن... خذوا ما يكفي من الوقت ولا تتعجلوا في الاختيار وابذلوا ما يكفي من الجهد للتفقه في تراث البلاد القديم والحديث ومنه ما كتب العلامة المجدد الدكتور عبدالمجيد النجار والشيخ محمد الهادي الزمزمي والشيخ عبد الرحمن خليف، فضلاً عن شيوخهم ممن ذكرت ولكم بعد ذلك أن تطالعوا في فكر الحركة الإصلاحية المعاصرة كما صاغه الأفغاني، ومحمد عبده، ورشيد رضا، والكواكبي، والبناء وكما طوره شيوخ الحركة الإسلامية المعاصرة محمد الغزالي، ويوسف القرضاوي، وأبو الأعلى المودودي، ومالك بن نبي... إلخ. 

ابدؤوا بأفضل مما بدأنا به وأفيدوا من تجربتنا واحذروا من فكرة الانطلاق من أرض جدباء حتى لا تكونوا -وأعيذكم بالله أن تكونوا- على صلة بمنطق اهل جهنم: ﴿كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَّعَنَتْ أُخْتَهَا﴾ (الأعراف:۳۸) بل على منطق أهل الجنة أهل الإيمان: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ (الحشر١٠).

ومع بعض الغبش تظل هذه الصحوة العارمة المباركة أهم النجوم الثاقبة البارقة في ليل تونس مبشرة بقرب انقشاعه إن شاء الله إذا هي بحثت عن استعادة الإجماع مجدداً إلى بلد مزقت نخبته مذاهب التشدد العلماني وما أنبنى عليها من مصالح فئوية لا تزال تعمل ليل نهار على توسيع الهوة بينها وبين جماهير الناس.

 مطلوب من الصحوة أن تستعيد إلى البلاد ونخبتها وجماهيرها الإجماع، ولن يكون بحال إلا على كلمة سواء من الوسطية الإسلامية في التصور والاعتدال والتدرج في التنزيل واستهداف جمع كلمة النخبة والجماهير حول مطالب مشتركة في العدل والحرية على قاعدة المواطنة أي اشتراك الجميع بالتساوي في امتلاك هذا الوطن واشتراك الجميع في واجب الدفاع عنه وتحريره من الاستبداد من أجل إرساء قواعد العدل، كما جاءت بها الشريعة الغراء وأقرتها المواثيق الحقوقية المعاصرة، ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ ۚ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ ۚ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ (هود:٨٨).

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل