العنوان معادلتان أساسيتان تحكمان اللعبة السياسية التي تطوق تركيا المعاصرة
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 22-يناير-1980
مشاهدات 80
نشر في العدد 466
نشر في الصفحة 14
الثلاثاء 22-يناير-1980
الأولى:
المعادلة السياسية: للتكوين الحزبي في قيادة الدولة: وهي معادلة تقوم أساسًا على توازن القوى الداخلية على المستويين (الشعبي والحزبي) وضابط هذا التوازن هو الجيش الذي يحرك أصابعه لترتيب الأوراق الحزبية وأرصدتها الشعبية أيضًا كلما رجحت كفة أحد الاتجاهات على غيره في المعادلة السياسية وهذا يعني أن جنرالات الجيش هم الذين يتحكمون في توازن القوى الداخلية المتنافسة في تركيا.
الثانية:
المعادلة الدولية: وهي التي تعمل على استمرارية الخضوع التركي للنفوذ الدولي والذي جعل بقايا الإمبراطورية العثمانية قسائم في سوق المزايدات الاستعمارية منذ الحرب العالمية الأولى وتتجسد الفعلية الحقيقية للمعادلة الدولية في تركيا من خلال أمور عدة لعل أبرزها:
- الحرص على بقاء تركيا ذات مركزية استراتيجية في حلف الناتو «شمال الأطلنطي».
- العمل على إحياء بدائل عن حلف «السنتو» الذي خرجت منه كل من باكستان وإيران في العام الماضي وجعل تركيا محورًا أساسيا في هذه البدائل.
- ربط تركيا بمعاهدات تجعلها قاعدة عسكرية تجسسية في المنطقة لحساب الشطر الغربي من المعادلة الدولية.
وإذا كان ثمة علاقة بين الأوضاع السياسية في تركيا والمعادلة الدولية فإن ذلك يبرز في جملة من العناصر التي تنعكس بالتالي على (المد- والجزر) بين الأحزاب التركية من ناحية وعلى طبيعة المشكلات التي تعاني منها تركيا.
- فالحرص على بقاء تركيا داخل الدائرة الغربية ينعكس على العمل الحزبي بحيث تبرز صراعات شتى تعززها مواقف الأحزاب من الولاء التركي للغرب.
- وظهور النزعات الاستقلالية (ولا سيما عند الإسلاميين) يدفع بالصراعات الداخلية دفعًا عكسيًا يهدف إلى تحجيم أي بروز استقلالي وطني أو إسلامي.
- والصراع بين الأيديولوجيات العالمية المختلفة على الساحة التركية يزيد الطين بللًا حيث يعطي تلك الأيديولوجيات قوة دفع إضافية في حرب تحقيق الذات (الحزبية) محليًا والاحتواء التبعي على المستوى الدولي.
ومن أجل ذلك فإن الرؤية الخارجية (الغربية) للموقف الداخلي في تركيا تحرص دائمًا على إيجاد نوع من التوازن الداخلي بين الأحزاب والأيديولوجيات والزعامات المتنافسة للاستحواذ على الساحة وبالتالي السيطرة على الحكم.
دور الجيش في الساحة السياسية:
لا شك في أن الجيش في تركيا معزول في ظاهره عن التكوينات الحزبية وجيش تركيا الذي يبلغ تعداده نصف مليون جندي ما زال يتظاهر بالوقوف على الحياد أمام الصراع السياسي الداخلي بيد أن الجيش التركي أثبت مواقفه وقدراته في اللعب على حبل التوازن الداخلي حيث أنه تدخل في التاريخ التركي الحديث عدة مرات في الشؤون السياسية الداخلية ففي العام الماضي بتاريخ 12/3/1979 قام قادة الجيش بتحذير للحكومة بضرورة ضبط اختلاط الأمن الناشئ عن الصراع الحزبي وفي الأسبوع الأول من هذا العام قام بتحذير مماثل يحمل لهجة شديدة في ظاهره فضلًا عن أن قادة الجيش قاموا بنشر بعض القوات وسط العاصمة أنقرة في الأسابيع الأخيرة وإذا كان هناك من يقول إن صلاحيات العسكر في تركيا لا تتعدى المسألة الأمنية فإن الواقع أثبت عكس ذلك فقد أدى تدخل الجيش عام ۱۹۷۱ عندما أصدر الجنرالات العسكريون تحذيرهم المشهور لحكومة ديميريل إلى إقالة الوزارة آنذاك ومن ثم إلى إعادة ترتيب الأوراق السياسية داخل تركيا.
وإذا كانت ضربة العسكر عندما تدخلوا عام 1971 موجهة ضد الامتداد اليساري على ساحة الأحزاب التركية فإن السبب الدافع إلى تلك الضربة هو الرغبة في تحجيم اليسار الذي تجاوز الحدود المرسومة له ولفاعليته وحركته وكان أن برز في تلك الأثناء الزخم الإسلامي ذي الوجه الحركي الذي أدى بالتالي إلى بروز نجم حزب السلامة التركي فيما بعد.
لقد كانت رغبة العسكر آنذاك هو المحافظة على التوازن الحزبي داخل تركيا ترى ماذا يريد العسكر من توجهاتهم الجديدة التي لوحوا بها في إنذارهم الأخير الذي وجهوه بدعوى الرغبة في حفظ الأمن؟؟
حزب السلامة ومسألة التوازن السياسي:
إن المراقب للأوضاع الحزبية داخل تركيا على الأزمة السياسية التي برزت مؤخرًا بسبب الدور الذي يحتله حزب السلامة الإسلامي فوجود هذا الحزب بحد ذاته هو أزمة سياسية بين الحزبين الكبيرين (الشعب والعدالة) ذلك أن دخول حزب السلامة في الانتخابات منع كلًا من الحزبين من الحصول على أغلبية تمكنه من الحكم وهذا بحد ذاته يشكل أزمة ضخمة فأية جهة لا غنى لها من الاعتماد على الاتجاه الإسلامي للوصول إلى الحكم وقد حصل هذا فعلًا في معظم فترات الحكم التركي طيلة عقد السبعينات وقد أثبت الواقع أن الحكم الذي يصدف عن حزب السلامة لا بد وأنه سيقع في مطبات برلمانية عويصة تعود بالوبال عليه وهذا ما حصل لحكومة أجاويد الأخيرة تماما.
لكن أين يقف حزب السلامة من الصراعات الحزبية؟
إن حزب السلامة التركي الذي يحمل آمالًا وطموحات استقلالية بحتة لا بد وأنه سيكون الشوكة في حلوق رجالات الأحزاب التي تعتمد ولاءاتها الخارجية فالنزوع الاستقلالي الذي يلامس الوجدان الشعبي يومًا بعد يوم سوف لن يترك الفرصة للأحزاب الأخرى ولعل حزب السلامة سيتمكن قريبًا من تجاوز العقبات التي تضعها القوى الأخرى لتحجزه عن الشعب وتحجز الشعب عن أهدافه وذلك بجميع الوسائل الممكنة وفي انتخابات صيف ١٩٧٧ لم يترك رجال الحزبين الكبيرين (الشعب والعدالة) وسيلة للتشهير برجالات حزب السلامة إلا وأفادت منها في تحويل الشعب التركي المسلم عن أمانيه وتطلعاته إلى حزب السلامة ومع ذلك بقي حزب السلامة الإسلامي التركي هو القاعدة التي لا يمكن للاتجاهات الحزبية أن تمارس السلطة والحكم إلا بالاعتماد عليه وهذا يعني بالضرورة التي تخضع لها مسألة التوازن الحزبي: أن حزب السلامة قد تجاوز الحدود التي يمكن أن يتحرك بها على الساحة التركية هذا من منظور المعادلة الداخلية للأحزاب.
حزب السلامة والمعادلة الدولية:
وكما أن حزب السلامة أخل بالمعادلة السياسية الداخلية المرسومة لتركيا على أساس التوازن بين الاتجاهات والأيديولوجيات المتضاربة فإن حزب السلامة التركي أضر وأخل بالمعادلة الدولية تلك التي فرضت استراتيجية معينة على الحكومات التركية العميلة.
- فحزب السلامة ذو نزعة استقلالية تسير باتجاه عكسي تنتفي أمام نزعته قابلية الوجود الدولي في الساحة التركية.
- وحزب السلامة حزب إسلامي يضع تركيا بجانب أخواتها من دول العالم الإسلامي من خلال التطلع إلى وحدة تجمع العالم الإسلامي وحركاته في رابطة واحدة تغني دول المسلمين عن الأحلاف الاستعمارية وتخرجها منها.
- وحزب السلامة تجاوز (فعليا) الاستراتيجيات الغربية وخرائط نفوذها عندما دفع بالجيش التركي إلى قبرص في النصف الأول من هذا العقد عندما كان الحزب يشارك حزب الشعب في الحكم ضمن ائتلاف حكومي.
- وحزب السلامة يملك برنامجا يريد أن ينفذه في تركيا على كافة الأصعدة (العلمية والتقنية والصناعات الثقيلة المتطورة).
- وحزب السلامة يحمل تصورا (أيديولوجيا- حركيا) للإسلام يهدف إلى إدخال الإسلام في معركة الشرق والغرب لإزاحة الظلم والاستغلال عن كاهل العالم الإسلامي بأجمعه.
ولعل كل واحدة من هذه المنطلقات التي تقوم عليها استراتيجية حزب السلامة تضر (أيما أضرار) بالمعادلة الدولية التي تريد أن تبقي تركيا غافية في سبات عميق من النوم ولن يكون ذلك إلا بالمحافظة على عدة أمور تجير من أصحاب المعادلة الدولية الاستعمارية على تحقيقها منها:
- المحافظة على التوازن السياسي- الحزبي داخل تركيا وعدم السماح لفئة بالغلبة على الفئات الأخرى ولا سيما اليسار المتطرف والإسلام.
- ضرب النزعة الاستقلالية أيا كانت ويشمل ذلك حزب السلامة الإسلامي الذي أثبت أيام مشاركته في الحكم فاعلية في ترسيخ الاستقلالية المنشودة لتركيا.
وهنا تبرز خطوط اللعبة التي نتحسسها في تركيا والتي تستهدف حزب السلامة وانبعاث الاتجاه الإسلامي الحركي في ساحة السياسة:
الحملة على حزب السلامة الإسلامي:
تروج الآن صحف الغرب وأجهزتها الإعلامية لما يسمى مأساة تركيا الناجمة عن الصراع بين العلمانية التي كرسها أتاتورك والفاشية الجديدة المتطرفة والمقصود بالفاشية في تعبير الغرب (حزب السلامة) أو الاتجاه الإسلامي بعامة وقد كتبت التايمز البريطانية مقالا بحثت فيه مشكلة تركيا على أنها مشكلة نابعة أصلا بسبب عودة الإسلام إلى الحياة والتايمز تستبعد إمكانية حلول الإسلام في كافة مجالي الحياة التركية بسبب رسوخ العلمانية وهي تروج إلى أن الإسلام وحزب السلامة هما السبب في أزمة الديمقراطية الحالية في تركيا وتتنبأ التايمز بفشل الإسلام في التحكم بتركيا بسبب ما تسميه بالفجوة بين الإسلام وأيديولوجية الدولة التي كانت مستقرة لولا دخول الإسلام ضمن عناصر التنافس السياسي الأمر الذي أشاع الفوضى في مختلف جوانب الحياة التركية ولما كان هذا الترويج يريد كيدا بالاتجاه الإسلامي في تركيا فإن التحريض وجد أن تكريس الصفات الفاشية وإلقاءها على الاتجاه الإسلامي بكل تبعاته هو أقرب الطرق لتبرير عمل ما من شأنه إزاحة حزب السلامة عن الساحة السياسية تقول صحيفة لوفيغارو الفرنسية وهي تتحدث عن حزب الإنقاذ الذي يتزعمه أربكان:
«إن الجيش لم يعد يتحمل الذين يحاولون إقامة نظام فاشٍ ليحل محل النظام الديمقراطي».
ترى أليس هذا محورا أساسيا يكشف لنا حقيقة التأزيم المفتعل ومن ثم إلقاء اللوم على حزب السلامة لوضعه في فوهة بنادق العسكر؟؟
لقد تكرر وصف حزب السلامة بالفاشية في الصحافة الغربية وعلى ألسن ساسة الغرب- ويبدو أن هناك تركيزا على تشويه الوجه السياسي لهذا الحزب الإسلامي فقد كتبت الغارديان البريطانية مقالا في الأسبوع الماضي صعدت فيه الهجوم في هذا الحزب وفلسفت توجهاته السياسية وخرجت بالنتيجة التي خرجت بها (لوفيغارو الفرنسية) حيث وصفت الحزب بالفاشية الصريحة لأنه اتهم الحكومة بفصل تركيا عن العالم الإسلامي والاشتراك في مؤامرة صهيونية مرعبة»
إن الحملة على حزب السلامة داخل تركيا وخارجها إنما تستهدف الإسلام في الأصل ولعل النذير الذي أطلقه جنرالات الجيش مؤخرا لم يكن يريد سوى تحجيم الفاعلية الحزبية لقيادات حزب السلامة وضربها بحجة إعادة الديمقراطية.
ترى هل يتورط قادة الجيش في مهمة جديدة كما تتوقع الغارديان: «إن الوضع الآن خطير في تركيا لدرجة أن الجنرالات يشعرون بأن الوقت قد حان لضرب بعض الرؤوس السياسية».