; أمريكا قلقة من الرفاه لكنها ستقبله إذا فرض نفسه | مجلة المجتمع

العنوان أمريكا قلقة من الرفاه لكنها ستقبله إذا فرض نفسه

الكاتب د. أحمد يوسف

تاريخ النشر الثلاثاء 18-مارس-1997

مشاهدات 67

نشر في العدد 1242

نشر في الصفحة 24

الثلاثاء 18-مارس-1997

 

▪ توجيه تركيا نحو الغرب تم بطريقة مصطنعة وذلك لأسباب مختلفة منها وجود الخطر السوفيتي آنذاك.

▪ حزب الرفاه سوف يحقق نجاحًا أكبر إذا تم قبوله كجزء لا يتجزأ من النظام السياسي في تركيا.

▪ تجمعات لمؤيدي حزب الرفاه.

▪ جراهام فوللر.

يُعتبر السيد جراهام فوللر من كبار الخبراء السياسيين في مؤسسة RAND ، كما سبق أن تولى منصب نائب الرئيس لدى المجلس القومي لشؤون الاستخبارات التابع لوكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية (CIA) ، وقد عاش في أقطار عديدة في العالم الإسلامي، ويَكِن احتراما وتقديرًا كبيرين لمختلف ثقافات البلدان الإسلامية، وإن أهم مجالات اهتمام السيد فوللر تتمثل في القضايا بين الغرب والعالم الإسلامي، وقد كتب بشكل مكثف عن الحركات الإسلامية المعاصرة وعن العلاقة بين الإسلام والغرب، خاصة الكتاب الذي شاركه في تأليفه أيان ليسر بعنوان: «شعور بالحصار.. جيوبوليتيكا الإسلام والغرب»، وهو كتاب يستعرض طرفي القضية، ويطرح اقتراحات فعالة حول كيفية تجاوز سوء التفاهم الموجود حاليًا بين الطرفين، ومعروف عن السيد فوللر إنه خبير بالحركات الإسلامية في مختلف أنحاء العالم وفي بلدان معينة مثل الجزائر وتركيا. 

ومنذ أن فرض موضوع تركيا نفسه على الساحة، وذلك إثر فوز حزب الرفاه في الانتخابات الأخيرة سعت المجتمع لإجراء حوار معه لكي يقدم تحليلاته العميقة حول الأوضاع في تركيا، وقد عبّر السيد فوللر عن رؤيته حول الأحداث الأخيرة مع التطرق للتطورات السياسية المرتقبة في ضوء سقوط العلمانية وصعود نجم الحركات الإسلامية في تركيا، وبالأخص حزب الرفاه الإسلامي.. فإلى نَص الحوار: 

● هل من شأن الانفتاح التركي الجديد نحو بلدان إسلامية مثل إيران وباكستان وماليزيا وغيرها أن يلحق أي ضرر بعلاقات تركيا مع الغرب وبالأخص مع ؟ أم إنه سيُعجل من رحيل السيد أربكان عن منصبه الحالي؟

• أعتقد أن من الطبيعي جدًا أن تبادر تركيا إلى الانفتاح نحو بقية بلدان العالم الإسلامي، وقد شهدت فترة حكم أتاتورك إقبالًا شديدًا على العلمانية، وأعتقد الولايات المتحدةأن هذا الأخير أستطاع أن يبني مجتمعًا تركيًا معاصرًا وقوي البنيان غير أن ذلك تم عن طريق قمع مظاهر الإسلام في تركيا، ولذلك فإن من الطبيعي أيضًا أن نشهد اليوم عودة المظاهر الإسلامية إلى الحياة السياسية في تركيا، ولا يوجد هناك ما يستدعي الاستغراب في هذا الأمر، وأعتقد أن تركيا ماضية في توطيد علاقاتها مع البلدان الإسلامية الأخرى.

وأضيف في هذا الصدد أيضًا بأنه قد تم توجيه تركيا نحو الغرب بطريقة مصطنعة طوال فترة طويلة ولأسباب مختلفة من بينها وجود الخطر السوفييتي آنذاك، واليوم فأمامها خيارات عديدة، وأعتقد أيضًا أن على الغرب أن يتقبل تلك الخيارات أو سوف يضطر إلى قبولها ما لم تتحول تركيا فجأة إلى مسرح للتطرف العنيف، وهذا الأمر غير وارد على ما يبدو.

● هل بإمكان حزب الرفاه الصمود في الساحة كحزب إسلامي على ضوء تبنّيه الخطاب القريب إلى الخطاب العلماني؟

• نعم بكل تأكيد.. أعتقد أن حزب الرفاه يحث الخطى حاليًا نحو التحول إلى كيان دائم على الساحة السياسية التركية، ومن الأهمية بمكان أن نتذكر بأن الرفاه لا يمثل الحركة الإسلامية الوحيدة أو الجماعة الإسلامية الوحيدة في تركيا، بل هناك حركات وجماعات إسلامية أخرى في تركيا تريد أن يتذكر الجميع، بأن الرفاه ليس الحركة الوحيدة أو التنظيم الوحيد الذي يتبنى أفكارًا إسلامية داخل تركيا. 

وأعتقد أن حزب الرفاه سوف يحقق نجاحًا أكبر عندما يتم قبوله كجزء لا يتجزأ من النظام السياسي، وكحزب سياسي عادي، وعندئذ لن تشهد هناك نشوب أزمات من جراء احتمال وصوله أو عدم وصوله إلى السُلطة، وسوف يصبح عامة الناس أكثر ارتياحًا من هذه الفكرة وعندها سيتم تقييم الرفاه من خلال إنجازاته.

● هل يمكننا أن نتوقع حدوث أي تقارب في المستقبل بين أربكان وكلينتون بمبادرة من أربكان؟

• لا أعتقد أننا سوف تشهد في المستقبل القريب أي تبادل زيارات بين الرئيسين كلينتون وأربكان، وأعرف جيدًا أن أربكان يرغب في توثيق العلاقات، لكن واشنطن غير راغبة - بصراحة . في دعم أربكان أكثر من اللازم، ولكن إذا ما كُتب لأربكان البقاء في السُلطة لمدة ثلاث أو أربع سنوات إضافية وكان له سجل حافل بالإنجازات، فأعتقد أن كلينتون سوف يسعى عندئذ لمقابلته، أما في الوقت الراهن، فلن يتم بعد التأكد على قدراته وهل سينجح في المستقبل أم لا، وأقول بكل صراحة إن واشنطن قلقة بعض الشيء إزاء بعض مبادرات أربكان.

● هل من الممكن أن تحل حكومة تركية إسلامية محل النظام الإسلامي الإيراني لتصبح نموذجًا يُحتذى به؟ 

• لا أعتقد أن من المتوقع أن تتحول تركيا إلى دولة إسلامية على غرار إيران، ويمكن اعتبار تركيا من الآن فصاعدًا نموذجًا للاندماج التدريجي للأحزاب الإسلامية في النظام السياسي بطريقة لم تشهدها مصر ولا الجزائر، ولا أي دولة أخرى، وسوف تكون تجربة إيجابية جدًا لو شاهدنا رئيس وزراء إسلامي يتم اختياره عن طريق انتخابات حرة ثم يترك السُلطة طواعية.

 

● هل ستتقبل السياسة الخارجية الأمريكية بسياسة خارجية تركية تتركز حول إقامة «كتلة الدول الإسلامية الثمانية» ممثلة بالدول الإسلامية التي يتجاوز عدد سكانها 65 مليونًا وهي: تركيا، وإيران، وباكستان، وماليزيا، وإندونيسيا، وبنجلاديش، ومصر، ونيجيريا، لكي تتحول فيما بعد إلى كتلة اقتصادية؟

• لا أعتقد أن الولايات المتحدة ستعارض بشدة قيام تكتل اقتصادي إسلامي واسع من هذا القبيل، والذي قد يشمل دولًا عديدة، ولو أن الأمر يختص بإقامة تجمع لبلدان إسلامية -مثل إقامة وحدة بين أنظمة إسلامية في تركيا، وإيران والسودان- لاتخذت واشنطن موقفًا سلبيًا إزاء هذه الفكرة، ثم إن واشنطن تتمنى في الواقع انضمام تركيا إلى أوروبا سواء اقتصاديا أو سياسيًا، وقد يكون من الأفضل لتركيا أن تتمسك بتوجهاتها نحو الغرب، وأتوقع أن تضطلع تركيا في المستقبل بدور أكبر في العالم الإسلامي، وذلك على الصعيدين الاقتصادي والسياسي، وربما أيضًا من ناحية طرح طرق تفكير جديدة حول النماذج الإسلامية.

● هل يُعتبر المناخ السياسي الشعبي في تركيا مناخًا إسلاميًا؟ وإذا كان كذلك فأي نوع من الحكومات الإسلامية ستستخدم تركيا في المستقبل بشكل أفضل؟

• لم نشهد خلال السنوات العشرين الماضية نجاح الأحزاب العلمانية في تركيا وهي التي حققت بعض انسجامات قبل هذه الفترة، ذلك أن غالبية الناخبين الأتراك ينتظرون اليوم ظهور أحزاب شعبية جديدة، وحتى هذه اللحظة، مازال حزب الرفاه أكثر قاعدة شعبية من حزب آخر في البلاد، وهذا سِر قوته، وأعتقد أن غالبية الجماهير التركية الذين صوّتوا لحزب الرفاه سيكونون واقعيين إذا ما كتب لحزب الرفاه النجاح، وهو إذا أستطاع أن يحل المشاكل الاقتصادية ويُحرز بعض التقدم في القضية الكردية وعمل أيضًا على تحسين الأوضاع الاجتماعية وعندئذ سيكونون براغماتيين ويصوتون لصالحه، أما إذا لم يُحقق حزب الرفاه أي نتائج فأعتقد أن غالبية الناخبين سوف يبحثون عن حزب آخر غيره خلال الانتخابات القادمة على الأقل، وسوف يكون هناك دائمًا «حواريون» -إن جاز التعبير- مستعدون للتصويت لصالح الرفاه مهما كانت الظروف، ولكنني أعتقد أن حزب الرفاه يستمد جل تأييده من الأشخاص الذين ليسوا إسلاميين متحمسين ولكنهم يريدون شيئًا جديدًا مختلفًا لا يشوبه الفساد، بل إنهم يأنفون الأسلوب الأبوي القديم في الحكم وتعاف نفوسهم أيضًا الطريقة الاستبدادية التي يتعامل بها أصحاب الأفكار الأتاتوركية البالية.

● لا يمكن تجاهل الرباط الطبيعي الذي يربط تركيا بالعالم الإسلامي وذلك بحكم العقيدة والمصير، إذن فلما يتضايق البعض من قيام تركيا بمحاولة توثيق هذه العروة الطبيعة؟

• لا أعرف ما يمنع تركيا من القيام بذلك.

● هناك من يقلق من موقف تركيا تجاه العالم الإسلامي.. كيف تفسرون ذلك؟

• لم تتجاوز تجربة الغرب مع الحكومات الإسلامية حتى الآن تجربته مع كل من إيران والسودان، ومن وجهة النظر الغربية، فإن النظام الإيراني يتسم بالراديكالية والثورية، وخاصة أنه لم ينجح في إيجاد حل للمشاكل الداخلية، وينطبق نفس الكلام على السودان أيضًا، حيث يرى الغرب أن النظام السوداني قد أخفق بصفة خاصة، وأن حالة التمرد في الجنوب باتت أسوأ، وبناء على هذا الانطباع لدى الغربيين، فإنهم لا يتحمسون لرؤية تركيا تخوض تجربة حكومة إسلامية أخرى، ومن ناحية أخرى أود التأكيد أنه إذا تمكنت تركيا من إثبات أن الحكومات الإسلامية قادرة على الحكم بشكل فعال ولا تتبنى العنف أو تساند الإرهاب والإرهابيين، فإن الغربيين سوف يضطرون إلى تقبل تلك الحكومات ولو على مضض، بل أؤكد أنهم بدأوا يضطرون إلى تقبل مثل تلك الحكومة، والدليل على ذلك أنهم لم يتحركوا لوقف أربكان، إنهم غير مرتاحين معه لكنهم لا يريدون رؤية الجيش التركي يقوم بعملية انقلابية ضده، بل يفضلون التريث لرؤية ما سوف تسفر عنه الأيام القادمة، وأود التأكيد في الختام بأن تركيا تمر حاليًا بفترة تحولات كبيرة مع بروز حركات إسلامية على الساحة ومع اندلاع الثورة الكردية، التي تعتبر في منتهى الخطورة، ومع التبدلات الجيوبوليتيكية التي دفعت الأتراك نحو البلقان ونحو السياسة في القوقاز وآسيا الوسطى والعراق والشرق الأوسط، وإن كل هذه التغيرات تشكل ظاهرة جديدة، أو بالأحرى تركيا الجديدة، وقد ولّى عهد تركيا القديمة، ولا نعرف كيف ستكون تركيا الجديدة، بل الشعب التركي يجهل ذلك بدوره، ولذلك هناك ما يدعو إلى مضاعفة الاهتمام بأمور هذا البلد، ولكن هناك ما يدعو إلى القلق في بعض الأحيان.

 

الرابط المختصر :