العنوان المجتمع التربوي (1288)
الكاتب د.عبدالحميد البلالي
تاريخ النشر الثلاثاء 17-فبراير-1998
مشاهدات 84
نشر في العدد 1288
نشر في الصفحة 56
الثلاثاء 17-فبراير-1998
وقفة تربوية:
هكذا كانوا يربون أبناءهم:
عن عبد الله بن عبد الملك قال:
«كنا نسير مع أبينا في موكبه فيقول لنا: سبحوا حتى تأتوا تلك الشجرة؛ فنسبح حتى نأتي تلك الشجرة، فإذا ارتفعت لنا شجرة أخرى، قال: كبروا حتى تأتوا تلك الشجرة فنكبر، فكان يصنع ذلك بنا» «الزهد لأحمد ۲۲۹».
تربية الأبناء واجب على كل أب وأم، والإخلال في هذه القضية يؤدي غالبًا إلى الانحراف، وإذا ما تم الانحراف حرم الوالدان من ابن صالح يدعو لهما، جزاء بما اقترفت أيديهما من إهمال تربية الأبناء.
والتربية ليست دروسًا تعطى بأوقات محددة من الأسبوع، وإن كان ذلك مهمًا، بل هي متابعة يومية لسلوك الأبناء، وتقويمه بما يناسبه من أسلوب، كما أن تحبيب الخير وحب الله للأبناء لا يتم بالتلقين الروتيني، بل هو فن لا بد من تعلمه، والتدريب عليه؛ ليتربى الأبناء على الصلاح، وتتأصل الخصال الكريمة في نفوسهم من غير إكراه، يعجبني ذلك الأخ الكريم الذي يريد غرس خصلة الذكر في أبنائه الصغار، فيقول لهم: هل تحبون أن تغرس لأحدكم نخلة في الجنة ساقها من ذهب؟ فيردون عليه بلهف: نعم يا أبي.
فيقول: لا يكلفكم ذلك شيئًا سوى أن تقولوا سبحان الله والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، وبذلك تحصلون على أربع نخلات في الجنة، وإذا بأطفاله يتسابقون بينهم من يغرس نخلًا أكثر من الآخر.
هكذا تكون التربية، لا بالأوامر والضرب والإكراه ..
أبو خلاد
كلمة إلى الدعاة:
عندما يتبنى الداعية هموم الناس:
هموم الناس كثيرة، والداعية يعلم أن سبب هذه الهموم هو ضعف الإيمان في القلوب، ولكن كيف يصل الداعية إلى هذه القلوب؟ ومن الذي يأذن له أن يدخل إلى هذه القلوب ويصارحها بمشاكلها؟ مع أن كثيرًا من الناس ليس لديه صبر على تحمل المعاناة التي يعيشها، ولذلك تجد البعض ينفس عن كربه لأي شخص يجد منه الاستعداد لسماع مشاكله، لهذا نقول: لكم يخطئ الدعاة عندما يجعلون بينهم وبين مجتمعهم فواصل ومساحات شاسعة، تبعدهم عن التعرف على مشاكل الناس وقضاياهم الحياتية المهمة التي هم بحاجة إلى معرفة الصواب فيها، وخاصة في هذا الوقت الذي ضعفت فيه الثقة بين الناس بسبب ضعف الدين في الضمائر؛ حتى أصبح البعض ينظر إلى مشاكل الناس نظرة مصلحية مادية.
ولعل بعض الدعاة يبرر هذه العزلة عن المجتمع بسبب كثرة الفساد واليأس من إصلاح المجتمع؛ لأن تيار الشر قوي، فكيف إذا انضاف إلى هذه القوة أنه منظم ومدعوم، وأنصاره كثير؛ لذلك يصعب أن يعود الناس إلى الدين، وهذه حقيقة مردود عليها، لأن الصراع مع الباطل من طبيعة هذا الدين، ولولاه لفسدت السماوات والأرض ومن فيهن، لأن من يعي ويفقه قوله ﷺ: «لا تزال طائفة من أمتي قائمة بأمر الله، لا يضرهم من خذلهم، ولا من خالفهم، حتى يأتي أمر الله، وهم ظاهرون على الناس»، «رواه البخاري ومسلم، والإمام أحمد في مسنده».
عندما تتأمل هذا الحديث تدرك أهمية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، بل إن الداعية لا يمكن أن يشخص الداء إلا عندما يعرف الدواء، وهذا لا يكون إلا بالمخالطة، فالذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم خير من الذي لا يخالط الناس ولا يصبر على أذاهم كما جاء في الحديث عن النبي- صلى الله عليه وسلم- حتى أنك تجد أن الفتوى التي خرجت من معرفة واقع الناس أقوى وأقرب إلى روح الإسلام، إذن لا بد من الاستمرار في نشر المعروف والإصرار على إنكار المنكر.
فالمسلم الحق هو الذي يلتصق بهموم الناس، لا يغادرها، ولا ينفصل عنها، متأسيًا بالرسول القدوة ﷺ الذي بعثه الله رسولًا في مجتمعه وقومه، حتى كان لا يتميز عنهم بطعام أو لباس، أو مجلس أو هيئة، ولا يترفع بمسكن أو نفقة، نشأ فيهم وبقي منهم، إذا جاءه السائل لا يميزه عن قومه، بل يسأل: أيكم محمد؟ ولهذا كانت وصاياه المستمرة «لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، فإنما أنا عبد، فقولوا: عبد الله ورسوله»، «رواه البخاري».
وعن جابر كان يقول ﷺ عن نفسه: «هون عليك، فإني لست بملك، إنما أنا ابن امرأة من قريش كانت تأكل القديد» «رواه ابن ماجه، والحاكم عن أبي مسعود»، ولا يظنن أحد أن ذهابه- عليه الصلاة والسلام- إلى الناس في أسواقهم، أو منازلهم، أو منتدياتهم كان أمرًا نادرًا، وعلى حسب ذلك الموسم، بل استمر ﷺ على ذلك لمدة عشر سنوات، فقد روى الإمام الحاكم عن جابر بن عبد الله الأنصاري رضي الله عنهما «أن النبي ﷺ لبث عشر سنين يتبع الناس في منازلهم في الموسم، ومجنة، وعكاظ، ومنازلهم في منى، ويقول: «من يؤويني، ومن ينصرني حتى أبلغ رسالات ربي فله الجنة» فلا يجد أحدًا ينصره، ولا يؤويه، حتى إن الرجل يرحل من مصر أو اليمن إلى ذي رحمه، فيأتيه قومه فيقولون له: «احذر غلام قريش لا يفتنك»، ويمشي ﷺ بين رحالهم يدعوهم إلى الله- عز وجل- ويشيرون إليه بالأصابع، حتى بعثنا الله من يثرب، فيأتيه الرجل منا فيؤمن به، ويقرؤه القرآن فينقلب إلى أهله؛ فيسلمون بإسلامه، حتى لم يبق دار من دور الأنصار إلا وفيها رهط من المسلمين يظهرون الإسلام، وبعثنا الله إليه فائتمرنا واجتمعنا، وقلنا: «حتى متى رسول ﷺ يطرد في جبال مكة ويخاف؟ حتى قدمنا عليه في الموسم فواعدنا بيعة العقبة»، قال الإمام الحاكم: «هذا الحديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه»، ووافقه الحافظ الذهبي.
وأخيرًا اعلم- أخي الداعي- أن الهدف من الدعوة ليس أداء الرسالة الدعوية دون النظر إلى معرفة كيفية توصيلها بشكل مميز ومؤثر..
ناجي عبد الله الخرس
وماذا بعد رمضان؟
بقلم: د. مجدي الهلالي
بالأمس القريب كنا نعد العدة لاستقبال شهر رمضان، والآن ودعنا هذا الضيف العزيز، ورحل، فما أسرع مرور الأيام! لقد مر كالطيف، وكالحلم الجميل الذي لم يدم طويلًا.
نعم، رحل رمضان تاركًا وراءه ذكريات جميلة، وآثارًا ومعاني لا زالت عالقة في نفوسنا وأذهاننا، ولعل من أهم المعاني التي حرص رمضان على التركيز عليها، بل وجعلها هدفًا أساسيًا لزيارته، تقوى الله- عز وجل- كما يقول تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (البقرة: 183).
ولقد هيأ لنا برنامجه المحدد الأجواء التي تساعدنا على تحقيق هدف زيارته، فلقد امتنعنا عن الطعام والشراب شهرًا كاملًا من أذان الفجر إلى غروب الشمس، وتعلقت قلوبنا بالقرآن، فتلوناه ليلًا ونهارًا، وختمناه مرة وبعضنا ختمه مرات، واستمعنا إلى آياته في الصلوات، وبخاصة صلاة التراويح.
عشنا جميعًا في أجواء الآخرة، واشتاقت القلوب إلى الجنة، واستعاذت من النار، اقتربت داخلنا الدنيا من الآخرة، والأرض من السماء، والحياة من الموت، والنفس من خالقها، تشبعت الأرواح بالقرآن وبالذكر والدعاء، فهطلت الدموع، وخشعت القلوب، واقشعرت الأبدان خوفًا من العزيز الجبار، دب الخشوع في الصلوات، والحرارة في السجدات، علت الهمة، وقويت الإرادة، وانكسرت النفس، فحفظت الألسن والأعين وسائر الجوارح عما حرم الله.
فما أكرم رمضان! وما أجوده! وما أكثر خيره! ولكن ماذا بعد رحيله؟ هل سنترك ما كنا نفعله في رمضان، وننتظر مجيئه العام المقبل لنعاود العمل ونبدأ من نفس النقطة؟
يقول تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكَاثًا﴾(النحل: 92)، فإلى متى ننقض غزلنا؟ ومتى ينصلح حالنا؟ ففي كل عام من الأعوام السابقة ينشط الكثير منا في رمضان، ويعزم على أن يستمر على ذلك النشاط طيلة العام، وبعد رحيل رمضان تفتر همته شيئًا فشيئًا، حتى يعود إلى سابق حاله.
وكي لا نقع هذا العام فيما وقعنا فيه في الأعوام السابقة، علينا أن ننتهز الفرصة، فننظم أمورنا، ونستقيم على الصراط، وهذا لن يتم إلا إذا تفكرنا في حكم الصيام، وكيف أستطاع أن يولد داخلنا هذه الإرادة القوية والهمة الوثابة.
إن من أهم حكم الصيام أنه يقيم معسكرًا تدريبيًا يهدف إلى تهذيب النفس وامتلاكها، وزيادة الإيمان في القلب، وصقل مرآته مما علق بها من آثار الذنوب والمعاصي التي يقترفها العبد كما يقول تعالى: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾(المطففين: 14)، فإذا ما صقلت المرآة أشرق القلب بنور الإيمان، وانعكس الفيض الإلهي عليها، فازدادت إشراقًا، وصار صاحبها ربانيًا يرى بنور ربه، ويسير بهديه.
هذا المعسكر المحدد البرنامج، المرتب الفقرات، ما هو إلا فترة تدريبية لتقوية العزائم، وشحذ الهمم للاستمرار على هذه الأعمال طيلة العام.
لقد سقطت دعاوى النفس في هذا الشهر، فطالما اختلقت الأعذار للفرار من أداء الطاعات قبل رمضان، فالصيام يمرضها، وقيام الليل يرهقها. وقراءة القرآن لا وقت لها، فهي بحاجة إلى الراحة، ولم لا تدعي ذلك، والقرار في يدها، والكل يسمع كلامها ؟! فهي محبوبة، وما تدعو إليه محبوب.
أما في رمضان، فالوضع مختلف، فما أيسر قراءة جزء أو جزئين بل وثلاثة أجزاء في اليوم، وما أخف قيام الليل، وما أجمله! وما أهون ترك الطعام والشراب على الإنسان!
لقد أثبت لنا رمضان أن النفس تمتلك طاقات كبيرة، لكن القضية هي وجود العزيمة والإرادة التي تفجر هذه الطاقات، والآن نحن ما زلنا في ظلال رمضان، وما زالت العزيمة موجودة، وإن فترت قليلًا، لذلك ينبغي علينا استثمار وجودها في زيادة الإيمان داخل قلوبنا بصورة مستمرة.
وهذا نموذج لما يجب أن نفعله بعد انتهاء رمضان:
- على كل منا أن يضع خطة للاستفادة من وقته، فيعطي وقتًا لعمله الدنيوي، ووقتًا لبيته، ووقتًا لراحته، ووقتًا لعبادته، ووقتًا لقراءته.
- وضع ثوابت يومية لا يقترب منها مهما كانت المشاغل، وتنظيم بقية الأعمال بناء عليها؛ فالصلوات الخمس في الجماعة الأولى بالمسجد للرجال، وفي أول وقتها للنساء أول الثوابت، والمحافظة التامة على أذكار الصلاة وسننها الراتبة.
- المحافظة على ورد القرآن، ولنجتهد أن يكون جزءًا كاملًا في اليوم، ونخصص له وقتًا ثابتًا، وليكن بعد صلاة الفجر، فإن تعذر ذلك ففي أي وقت شريطة ألا يمر اليوم دون قراءة الورد.
- بدء صيام الأيام الستة من شوال، والمداومة على صيام ثلاثة أيام كل شهر، والاثنين والخميس أو أحدهما.
- المحافظة على قيام الليل قدر المستطاع، بحد أدنى مرة واحدة أسبوعيًا، ويفضل أن يكون قبل صلاة الفجر.
- تحديد ورد للذكر مع المداومة عليه مثل التسبيح مائة مرة، الاستغفار مائة مرة، الصلاة على الرسول ﷺ مائة مرة.
- الجلوس في المسجد من صلاة الفجر حتى طلوع الشمس مرة على الأقل أسبوعيًا.
- زيارة المقابر للعبرة والاتعاظ مرة شهريًا.
- الإكثار من الدعاء مع حضور القلب.
- وضع خطة لحفظ القرآن لمن لم يتمه، ولو بآية تحفظ كل يوم ويفضل الارتباط بشيخ من شيوخ القرآن لمتابعة هذا الحفظ.
- تخصيص وقت محدد للقراءة يوميًا في شتى فروع الثقافة، ولا يبدأ في كتاب دون الانتهاء مما سبقه لتتم الفائدة.
- تخصيص فترة ثابتة يوميًا لمحاسبة النفس، وتحديد العيوب، وحصر الذنوب التي اقترفها العبد في يومه من أقوال، أو أفعال، أو أعمال القلوب، ولتكن هذه المحاسبة في فترة صفاء للذهن بعيدًا عن الضوضاء، والوقت المناسب لذلك هو فترة الفجر قبل الصلاة أو بعدها، أو قبل النوم، ولنحرص على التوبة إلى الله من الذنوب ومن التقصير في حق عبادته.
- الخلوة بالنفس كل فترة لاستعراض أحوال العبد في الجوانب المختلفة، ولمعرفة أين تقع الأقدام من الطريق الصحيح والتفكر في كيفية الاستقامة على أمر الله.
- فهذه الأمور وغيرها إن داومنا عليها ستتحسن أحوالنا، ويأتي علينا رمضان في العام المقبل وقد ارتقينا درجات في مدارج السالكين إلى الله، فيبدأ معنا حيث انتهينا، فنصعد ونصعد في مقامات السائرين ومنازل الربانيين، وهي كما يتبين لنا ليست بجديدة علينا، فكلنا يعرفها، لكن القضية هي وجود القوة الدافعة الذاتية التي تدفع الواحد منا لأداء هذه الأعمال، ومجاهدة نفسه ضد رغباتها وشهواتها، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا ﴾( طه: 115).
وأخيرًا فإلى كل من كان يشكو قبل رمضان من الفتور والخواء الروحي وضيق الصدر: انتهز الفرصة، ولا تترك نفسك تفلت من بين يديك، فتمتلكك كما كان الحال قبل رمضان.
شمر ساعديك، واستعن بالله، واستثمر نتائج زيارة هذا الشهر الكريم، وابدأ- وفقنا الله وإياك- في وضع خطة لذلك.
وفي النهاية نسأل الله- عز وجل- أن يتقبل، وأن يجعلنا ممن صام رمضان إيمانًا واحتسابًا، فأعتقت رقبته من النار، إنه سميع مجيب.
صفحة58عدد1288سنة1998
زغل الدعاة:
نفسية التسويغ:
بقلم: سعيد بن ناصر الغامدي
الزغل هو الأخلاط والأوشاب، ويقال: زغل الصاغة الذهب أي خلطوه بالنحاس ونحوه، والعملة الزغل هي التي دخلها الغش وخالطها.
وضد الزغل الخالص، والمحض، والصافي، والصريح، والصراح، والمهذب، والنقي.
أما الدعاة فالمراد بهم «الذين اتخذوا الإسلام الصحيح منهجًا، والدعوة إليه والتبليغ به مسلكًا».
فليس من دعاة الإسلام من أتخذ غيره- من الأهواء، والآراء، والأذواق- منهجًا، كالمبتدع الذي توصله بدعته إلى حد الافتراق عن الفرقة الناجية، وكالعلماني الذي يرى أنه ليس للإسلام حكم في قضايا الحياة، أو بعضها، فهذا وذاك في الحقيقة أضداد للإسلام الصحيح المأثور عن النبي ﷺ وأصحابه والتابعين لهم بإحسان، بل هم أغيار مباينون، وإن ظهر منهم بعض الموافقة لمنهج الإسلام، فالعبرة بالمنطلق الاعتقادي والمنهج الفكري، ومدى تطابقها مع منهج الإسلام الصحيح، أو مخالفتها لها، والقضية في هذا الحقل لا تحتمل المواءمة، ولا تصح فيها المجاراة، ولا تصلح في أجوائها محاولات الملاءمة، وذلك لأن المنهج العلمي النظري- ونعني به هنا «الاعتقادي»- هو القاعدة الأصولية، والأساس والمنبع الذي تتفرع عنه سائر القضايا العملية، والتطبيقية، ومتى صح المنهج، وسلم العرف، صحت الفروع، ومتى فسد المنهج، وتلف النجار، خربت الفروع.
والمنهج الذي نجزم بصوابه، واستقامته، وصفائه، وكماله، هو منهج الرسول ﷺ الذي ورثه لأصحابه الكرام، الذين نقلوه إلينا كاملًا صحيحًا، والجزم بصواب هذا المنهج «الاعتقادي والعملي» ليس من باب الجمود والتعصب والادعاء، كما قد يتصور بعض الناس، بل هو جزم يقوم على البرهان الساطع، والدليل القاطع، والحجة البالغة.
وقد يتوهم بعض ذوي الالتباس والريب أن في هذا الجزم والإصرار على هذا المنهج شيئًا من الطائفية تماثل طائفية الآخرين، أو شيئًا من الحزبية تقابل حزبية الملتاثين، وقد يدعو إلى شيء من التنازل مقابل ما ندعوهم إليه من ترك للمناهج الضالة، والعقائد الباطلة، وقد ينادي بعض التوفيقيين بنداء عام، مفاده أننا ندين بالإسلام فحسب، وما هناك من مذهب أو منهج أو عقيدة خاصة ضمنه، بل قد يظن بعض السطحيين أن الجزم بالصواب قضية نسبية، فكل ذي منهج وعقيدة وفكر يجزم بأنه الأصح والأقرب إلى الحق، ويرى نفسه على صواب كما نرى أنفسنا، ولذلك يدعو إلى توافق يقوم على الإقرار المتبادل، والتنازل المتماثل.
وليس في هذا الذي ذهب إليه هؤلاء وجه صواب مطلقًا، فإن عقيدة أهل السنة والجماعة، ومنهجهم العلمي والعملي، هو الصحيح ليس غير ذلك، إنهم لا يصدرون عن آراء بشرية، أو أذواق نفسية، أو أهواء آدمية حتى يطالبون بالتنازل، أو عدم الجزم، بل يعتمدون على مأثورات وأخبار مسندة مرفوعة إلى النبي ﷺ، ينقلها العدول الثقات، ويشهد على صحتها العقل والفطرة القويمة.
هذا هو الجانب الأول والأهم في اعتبار وصف الداعية.
أما الجانب الثاني فهو أن يكون الملتزم بالمنهج الصحيح، داعيًا إليه، مبلغًا له، مبشرًا به بأي صيغة مشروعة كان هذا التبليغ وتلك الدعوة، أما من لم يكن كذلك- في حقيقته وواقعه- فليس من دعاة الإسلام، وإن ادعى ذلك.
فكم من قائل بلسانه، أو متمن بجنانه أنه داعية، ولكن بينه وبين الدعوة مثلما بين الثرى والثريا، ويندرج في هذا النوع من كانت سماته الظاهرة من سمات الداعين إلى الله، ولكنه متخاذل العزيمة، أنيس الضجعة والنومة والتخمة، قعيد داره، ولبيد شهواته إن كانت حلالًا.
ويدخل في هذا الصنف الجبان الرعديد، والشحيح الضنين، والصلد اليابس الذي لا تؤثر فيه آلام أمته، ولا يتحرك قلبه حمية على حرمات الله حين تنتهك، وكذلك الشره النهم الذي غاص في لذاته الذاتية، وهام بها، ومثله الغارق في ذاته عجبًا أو كبرًا، وفي دنياه طمعًا وشحًا، وأردى من هؤلاء جميعًا من اتخذ دعاة الإسلام غرضًا لنقده الهدام، وتشهيره الجارح، وتحذيره الفاتن، وجعل من الصالحين المصلحين محلًا لعقده النفسية والثقافية والمذهبية والإقليمية، ومجالًا لطموحاته الذاتية وانتهازاته الدنيوية.
فهؤلاء جميعًا وأشباههم ليسوا مقصد الخطاب في هذا العنوان، ولا موئل الحديث في هذه القضية، ولو ارتدى بعضهم أردية وراث النبوة، إذ هو كما قالت العرب «أخو عين» منظره يسر، ومخبره بخلاف ذلك، ولذلك قالوا عنه هو أخدع من سراب، وأروغ من ثعلب، فهو العدو في ثياب الصديق، وما علم المسكين أنه بهذا الحال يضع نفسه في ضفة الذين يخدعون أنفسهم وما يشعرون.
ولا يعني هذا أن الدعاة «الذين اتخذوا الإسلام الصحيح منهجًا والدعوة إليه مسلكا»، أنقياء من كل عيب، وخلصاء من كل نقص، فهذه مرتبة العصمة، لم يهبها الله- تعالى- إلا لأنبيائه ورسله عليهم الصلاة والسلام.
ولكنهم وإن بدرت منهم بوادر، وحصلت منهم هنات، ووقعت منهم هفوات، فهم بمنزلة من الخير يشع بها بهاؤهم المعنوي، وجمالهم الاعتقادي، وحسنهم العملي، وإن لم يصلوا إلى درجة الكمال فقد:
ذهب الله بالكمال وأبقى *** كل نقص لذلك الإنسان
وهم- وإن ذكر زغلهم تنبيهًا لهم ونصحًا- فإن فضائلهم أكثر، ومحاسنهم أظهر، والعاقل من عدت سقطاته، وانغمرت في بحر حسناته، والمجروح من عدت فضائله، وانغمرت في محيط رذائله.
ودعاة الإسلام- بفضل الله تعالى- لهم من الفضائل والمكارم ما يعدون به غرة في جبين هذه الأمة، ولا عذر لأحد في دفن هذه الفضائل أو طمسها، وإن بدت بعض الأخلاط والأغلاط، فإن بدوها أحيانًا لا يسلب الملابس لها محامده إلا عند ذوي الصلافة والجلافة.
نحو تطوير الذات «2»:
تحدثنا في المقال السابق عن الهمة العالية والإرادة القوية كأساسين هامين من أسس تطوير الذات، واليوم نواصل الحديث عن الأساسين الثالث والرابع:
الأساس الثالث: أن يمتلك الإنسان نفسًا طموحة: لا ترضى بالجمود والناس يتحركون قدمًا، ولا تأنس بالقولبة والناس يتشكلون ساعة إثر ساعة، نفس لا يعجبها وضع ثابت، بل تعشق التطور، لذا وجب علينا النظر إلى بعيد مع الأخذ بالأسباب، من قدرات تنفيذية فاعلة، تقود إلى تحقيق المنال، ولربما تقع في مشكلة حلها يحتاج إلى نظرة بعيدة، قد لا تكون مألوفة، تكون هي الناجعة، خلاف من يرتاد الحلول المألوفة السهلة المنال غير الناجعة في غالب الأحيان.
ولابن الجوزي- رحمه الله- كلام لطيف: «إذ أعجبه في الصفوة أقوام قد تيقظوا ما ناموا، وقد سلكوا ما وقفوا، فهمهم صعود وترف، كلما عبروا من مقام إلى مقام رأوا نقص ما كانوا فيه؛ فاستغفروا الله»، هكذا قد رأينا أقوامًا لا يقفون بما حازوا من الخير، بل هم أبدًا في سعي دؤوب، وعمل متواصل إلى الخير مرادهم... وبجانب الطموح يكون الأمل، فإن الأمر الصعب يهونه الأمل والعمل، وكما قيل: «إن أصعب الصعب اليأس، وآكد العقبات التردد في الأمر والتحريض فيه...».
وفي واقعنا المعاش نجد الموظف الطموح يرتقي من وظيفة إلى أخرى أعلى منها، إما أن يطور عمله، ويكون فيه جادًا مقترحًا ما يراه مفيدًا، وإما أن يرفع من مستواه الثقافي والعملي عن طريق أخذ الدورات التدريبية التي تقدمها المعاهد وغيرها.
والعالم المجد يجدد معلوماته، ويزيد من علمه، ويوسع من مداركه؛ حتى يكون أقرب إلى الناس لحل مشاكلهم، وتفهم حاجاتهم الفقهية... وهكذا كلنا بحاجة إلى نفس طموحة، نفس لا تناقش الشيطان في أمورها، بل نفس تعمل من أجل تحقيق وتجسيد أحلامها على أرض الواقع، متخذة من الخطوات العلمية والمنهجية سبيلًا إلى ذلك، فأين الداعية الطموح؟ والذي يجهد عقله ولبه من أجل مستقبل مشرق لأمته وعالمه الذي هو فرد فيه؟
الأساس الرابع: أن يمتلك الإنسان الموازنة بين الأولويات: وهذا ما أبانه الفقيه الحسن البصري- رحمه الله- حيث كان يمشي في جنازة، وفيها نوائح نساء ينحن، وهذا من المنكرات، وكان معه رجل فهم هذا الرجل بالرجوع، وترك تشييع الجنازة، فقال له الحسن رحمه الله: إن كنت كلما رأيت قبيحًا تركت له حسنًا، أسرع ذلك في دينك، إذ الأمر يحتاج إلى موازنة ومعرفة الأولوية.
الموازنة بين الأولويات «يعني وضع: كل شيء في مرتبته بالعدل من الأحكام والقيم والأعمال، ثم يقدم الأولى فالأولى، بناء على معايير شرعية صحيحة»، والإنسان بعقله الباطني لا يقدم غير المهم على المهم، ولا المهم على الأهم، ولا المفضول على الفاضل، وحتى الشر إن لم يستطع تجنبه، فيقدم الأقل ضررًا على أعظمه... وفي المقابل يقدم في الخير العميم على الخير المحدود أثره، كل ذلك بالقسط بلا طغيان ولا إخسار، قال الله تعالي: ﴿وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ * أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ * وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ﴾ (الرحمن: 7-9).
هناك أمور يندب القيام بها في وقتها، وأجرها عظيم بالوقت المحصور لها؛ فالأفضل في وقت حضور الضيف القيام بحقه، والاشتغال به عن الورد المستحب، والأفضل في وقت السحر: الاشتغال بالصلاة والقرآن والدعاء، والأفضل في أوقات الأذان ترك ما هو فيه من ورده والاشتغال بإجابة المؤذن.
والأفضل في وقت مرض أخيك المسلم أو موته عيادته، وحضور جنازته وتشييعه، وتقديم ذلك على الخلوة والجماعة... وغيرها من النماذج العملية أو حتى الذهنية اللازمة للإنسان العاقل، الذي يرى حياته دقائق معدودة، لا يريد أن يضيعها بقشور الأعمال القليلة النفع والفائدة.
إن الداعية الحصيف يعرف كيف يغتنم الفرص النيرة، ويستفيد من الظروف والخطوب من أجل رفع رصيده الأخروي، حتى لو ضحى بالمندوب، إذ إنه يقدم ما يعم خيره على ما يضيق، ويرضى كارهًا بما يقل شره حتى لا يقع ما يعم شره، هكذا الداعية يوازن ويوفق حتى يترك الدنيا ويرحل.
عدنان القاضي
كلمة إلى الدعاة:
غربة الهدهد:
المتأمل في قصة هدهد سليمان يجد العجب العجاب في أمر هذا الهدهد، فعندما ذهب إلى مملكة سبأ- وشاهد ما فيها من عقائد باطلة- اصطدم هذا الواقع الملموس مع ما تربى عليه الهدهد في مجتمع سليمان عليه السلام.
وأحس بخطأ ما كانوا عليه، لذلك بادر بالتغيير، ولأنه تربى في مجتمع منظم له قيادة واعية، رجع على الفور إلى قائده المسؤول عنه، ولم يتصرف تصرفًا عشوائيًا.
وهذا الشعور- وهو شعور الغربة- هو الذي لا بد أن يصاحب أفراد الصحوة، وهو من المقاييس المهمة التي يقيس بها الفرد مدى صحة إيمانه.
لأنه عندما يخالط المجتمع يجد قيمًا وأخلاقًا تصطدم مع ما تربى عليه من مبادئ وقيم.
والشعور بالغربة له مردود على الفرد وكيفية تعامله مع المجتمع، فإما أن ينعزل تمامًا عن المجتمع تجنبًا لهذا الخطأ، وإما أن يتعامل مع المجتمع بعنف محاولًا تغيير هذا الوضع بالقوة، وهذان بالطبع مرفوضان.
لذلك كان دائمًا العمل الواعي المنظم داخل مجتمع وبيئة منظمة، تتسم بأن لها قيادة واعية، المحكومة بضوابط الكتاب والسنة، القائمة على الشورى مع السمع والطاعة، ووفق أفراد، يعي تمامًا كل منهم الدور الذي يقوم به، وأنه لا مجال للفردية فيه، جدير هذا المجتمع بأن يصل إلى أهدافه المرسومة، وغاياته المنشودة؛ ليصل في النهاية إلى جنة الغرباء.
مصداقًا لقول النبي ﷺ: «بدأ الإسلام غريبًا، وسيعود غريبًا، فطوبى للغرباء».
وائل عبد الغفار علي