; العولمة وقضية الهوية العربية | مجلة المجتمع

العنوان العولمة وقضية الهوية العربية

الكاتب مصطفى الطحان

تاريخ النشر الثلاثاء 11-أغسطس-1998

مشاهدات 69

نشر في العدد 1312

نشر في الصفحة 46

الثلاثاء 11-أغسطس-1998

  • جرّب الغرب في معركته ضد الإسلام كل أنواع الأسلحة.. لكن الإسلام استطاع أن يصمد ويطرد معظم أشكال النفوذ والهيمنة. 
  • قانون العولمة: الأموال تتحرك بلا قيود.. والسلع تنتقل بلا حواجز.. وما على العالم الثالث إلا الاستسلام. 

كُل التجمعات الإقليمية.. والكيانات الكبيرة في العالم.. بدأت تعيد حساباتها بعد أن طرحت الرأسمالية الغربية بقيادة الولايات المتحدة مشروعها، لحكم العالم تحت اسم العولمة، مستخدمة الشركات العملاقة متعددة الجنسيات... والمواد الثقافية الطاغية.. والإعلام المتقدم الذي يسابق الزمن ويختصر المسافات.. والقوانين العالمية التي تتحكم بالعالم وتتجاوز هُوِيَّة البلدان الأخرى وخصوصياتها. 

التجمعات الإقليمية بدأت تخاف على لغاتها وهوياتها وأخلاقياتها وخصوصياتها وحضاراتها.. بالإضافة إلى خوفها على أسواقها واقتصادها وعمالها.. 

من هنا بدأنا نسمع أصواتًا قوية أو خافتة تعترض على هذه العولمة، وتطالب بالتصدي لها من خلال إبراز الهُوِيَّة الثقافية والخصوصية الحضارية..

بدأنا نسمع بالخصوصية الأوروبية والخصوصية الآسيوية، والخصوصية الصينية، وكذلك بالخصوصية العربية.. وغيرها. 

الهُوِيَّة الثقافية العربية:

في المؤتمر الذي عقده مركز دراسات الوحدة العربية في بيروت بعنوان: العولمة والهوية الثقافية.. قدم الأستاذ محمد عابد الجابري ورقة جاء فيها: «إن العولمة ليست مجرد آلية من آليات التطور الرأسمالي، بل أيديولوجية تعكس إرادة الهيمنة على العالم فهي نفي للآخر، وإحلال للاختراق الثقافي على الصراع الأيديولوجي». أما محمود عوض فقد قال في المؤتمر نفسه: «إن العولمة هي نوع من الهيمنة الرأسمالية المتوحشة التي تضع الفرد قبل المجتمع، والاستهلاك قبل الإنتاج والمال قبل القيم». 

وللعالم العربي والإسلامي تجرِبة مع الرأسمالية الغربية أو «الليبرالية» منذ وقت مبكر.. فقد تأثر مفكرو النهضة العربية أمثال رفاعة رافع الطهطاوي، ومن بعده علي مبارك، وأحمد لطفي السيد وطه حسين وغيرهم.. الذين درسوا في جامعات الغرب.. تأثروا بالأجواء الغربية.. وعادوا إلى مصر «كبرى الدول العربية» يبشرون بالفكر الليبرالي الغربي.. 

كان التناقض صارخًا بين النظرية والتطبيق.. الأفكار الغربية المعلبة شيء والتطبيق الميداني شيء آخر.. 

الإنجليز يقودون مظاهرة عسكرية في القاهرة عام 1924م لإسقاط وزارة الشعب ومعها أول برلمان منتخب. 

عام 1942م تفرض دبابات الإنجليز حزب الوفد على الشعب.

الحكومات المتتالية التي حكمت مصر بحماية جيش الاحتلال البريطاني ترفض إيواء اللاجئين الليبيين الهاربين من الإرهاب الإيطالي.. وترسل مئات العمال المصريين إلى فسطين ليحلوا محل العمال الفلسطينيين الذين أربوا عام 1936م ضد الإرهاب والاستيطان اليهودي.. 

وتستنكر صحيفة السياسة الناطقة بلسان الأحرار الدستوريين «أحد الأحزاب الموالية للإنجليز» أسلوب العنف الذي لجأ إليه الشعب الفلسطيني في أحداث البراق عام 1929م..

وتقف هذه الحكومات العميلة ضد ثورة الشعب الفلسطيني، وتهدد بطرد كل من يقوم بتهييج الرأي العام من الوطنيين الفلسطينيين المقيمين في مصر، أما إسماعيل صدقي فقد أغلق عام 1930م صحيفة الشورى الفلسطينية وأبقى صحيفة إسرائيل وكانت لسان حال الحركة الصهيونية في مصر. 

كانت الدولة الغربية تدعو وتبشر بالحريات والديمقراطيات والانتخابات وتداول السلطة، وردد مقولاتها أولئك النفر الذين درسوا في الغرب ودعوا لهذه الأفكار.. 

الشعب المصري من يصدق، الكلمات المنمقة أم السكين التي تذبحه..؟ الشعارات المرفوعة أم الحقائق التي تجري أمامه...؟ 

وما حدث في مصر حدث في بلاد الشام وبخاصة في فلسطين.. وفي شمال إفريقيا.. وغيرها من الأقطار العربية. 

لم يكن ما سبق سوى طيف من أطياف ليبرالية شائنة في واقعنا العربي على مستوى الفكر والسياسة.. لقيت تشجيعًا ورضا كاملين من الدول الرأسمالية الليبرالية التي لا يهمها «في واقع الأمر» سوى فتح الأسواق والهيمنة على الاقتصاد.. فإذا أضفنا إلى ذلك الأوضاع المتردية لحقوق الإنسان.. والأوضاع الاقتصادية التي جعلت المنطقة تئن تحت وطأة الفقر والتخلف وحجم الفساد لأدركنا قيمة هذه الليبرالية العربية المدعومة من الليبرالية الغربية التي لا يهمها في الحقيقة سوى اختراق الأسواق الوطنية، ودمجها في السوق الاقتصادية العالمية التي تركز السلطة في نهاية المطاف بقوى العولمة العالمية «[1]».

إنه نوع من النفاق وازدواجية المواقف.. فالديمقراطية مطلب غربي ولكن ليس عندما تحمل الإسلاميين إلى السلطة «كما حدث في الجزائر».. ونزع السلاح ينفذ بالقوة ولكن ليس على إسرائيل.. والتجارة الحرة مطلب اقتصادي ولكن ليس من أجل الزراعة وهكذا.. 

أين يقع العرب في النظام العالمي الجديد؟ 

سؤال تردده المحافل والمؤتمرات العربية التي تسارعت وتيرة انعقادها هذه الأيام.. هل ستحول دول العالم الثالث ومنها معظم أقطار العالم العربي والإسلامي إلى مجرد أدوات مهمتها الأساسية تسويق العولمة الاقتصادية والسياسية لخدمة السيد المتربع على عرش النظام العالمي الجديد.. أم سترفضها باعتبارها صورة جديدة من صور الهيمنة الغربية.. صورة أكثر قسوة من الاستغلال البشع الذي مارسته هذه الهيمنة على دول العالم الثالث في السابق.. فالهيمنة الجديدة تريد الإلغاء وليس مجرد الاستغلال. إنها هيمنة بلا جيوش أو مُعِدَّات حربية أو قمع عسكري، هيمنة وسيلتها الأموال العابرة للحدود والشركات الاحتكارية العملاقة والنفوذ الذي يتلاشى إلى جانبه نفوذ أقوى الحكومات. 

هل ستستسلم هذه الدول لهذا النوع الجديد من الهيمنة...؟ دعاة القومية والإسلاميون.. الذين يقبلون التعاون ويرفضون التبعية يحذرون.. ودعاة العولمة.. الذين يرونها قدر العالم الذي لا مفر منه يدعون إلى اللحاق بالركب.. فقد زادت القدرات التمويلية لمؤسسات الاستثمار والمصارف بسرعة هائلة خلال الأعوام الأخيرة لدرجة أن قيمة المعاملات في أسواق العملات الدولية كل يوم تزيد على كل الاحتياطات من النقد الأجنبي لدى المصارف المركزية في العالم أجمع، وهذا يعني أن قوى السوق أصبحت أكثر نفوذًا من قوى التدخل بواسطة الدول. 

فالأموال تتحرك بلا قيود، والسلع تنتقل بلا حواجز، وقوى السوق تكتسح لمصلحتها كل العقبات.. وما على مناطق العالم الثالث سوى أن تستسلم لهذه العولمة «[2]». 

ولكن ماذا يستطيع العرب أن يفعلوا في هذا الإطار؟ 

ليس في المنطقة العربية شركة واحدة من النوع العملاق التي يقوم عليها هذا النظام، كما أن العالم العربي لا يمثل مركز جذب رئيسًا لأي من الشركات العملاقة القائمة، ويتركز نشاط الشركات المتعددة الجنسيات في العالم العربي في قطاع الصناعات الغذائية كماكدونالد الأمريكية للوجبات السريعة وإفيان الفرنسية للمياه المعدنية والبيبسي كولا والكوكاكولا الأمريكيتين وكادبوري وشويبس البريطانيتين، وفيما عدا ذلك فهناك عدد محدود من الشركات التي تعمل في قطاعات مهمة مثل الأدوية والكيماويات والإلكترونيات أهمها كوداك وزيروكس وغلاكسو ومايكروسوفت وهذه الشركات تعتمد على استغلال الأسواق المحلية مستفيدة من إجراءات الحماية التي تتمتع بها هذه الأسواق.. هذا من ناحية. 

ومن ناحية أخرى فقد قلت كثيرًا أهمية الأسواق الكبيرة كمراكز للتصنيع مع سقوط أسوار الحماية الجمركية وانخفاض تكاليف النقل والاتصالات التي تمثل في المتوسط نسبة تقل عن 5% من إجمالي تكاليف الإنتاج، والدليل على ذلك أن بلدانًا صغيرة مثل سنغافورة وتايوان ليست أسواقًا كبيرة.. ولكنها مراكز كبيرة للتصنيع. 

النفط في العالم العربي: 

يعتبر النفط أهم ثروات العالم العربي.. فمعظم الاحتياطي العالمي لهذه المادة الإستراتيجية موجودة في المنطقة العربية والإسلامية.. والنفط كما هو معلوم عصب الحياة الحديثة، يدخل في كل مجالات الحياة.. وكان بالإمكان أن يستغل العرب امتلاكهم لهذه المادة.. فيتبوؤون مركزًا مرموقًا في الاقتصاد العالمي.. 

ولقد جرب العرب هذا أثناء حربهم مع إسرائيل عام 1973م، فاستخدموه كوسيلة من وسائل الضغط على الغرب.. 

ولكن الغرب- وبمنتهى الهدوء- جرّد العرب من سلاحهم ذاك. إذ أنشأ في بلاده خزانات عملاقة يملؤونها بالنفط.. مكنتهم من التحكم بالأسعار.. وأفشلت بالمقابل كل ضغط يمكن أن يفكر به من يملك هذه السلعة الإستراتيجية.. 

ثم أعلن الغرب.. أن هذه سلعة ضرورية تمثل جزءًا من أمنه القومي.. وهو مكلف بحمايتها.. فيحصل على النفط وثمنه. 

معركة مستمرة: 

العالم العربي، والإسلام الذي هو قوام العرب وفكرهم وتاريخهم وحاضرهم ومستقبلهم.. يخوض منذ أمد معركته مع النفوذ والاستغلال الغربي.. 

ومع مطلع هذا القرن «أي منذ قرابة المائة سنة» جرب الغرب في معركته جميع الأسلحة: الاحتلال العسكري، والنفوذ الاقتصادي، والسيطرة العلمية، والتشويه الفكري والحضاري.. ولكن الإسلام المجرد يومها من كل قوة غير قوته الذاتية استطاع أن يثبت وجوده فطرد معظم أشكال النفوذ والهيمنة الغربية وطرد معظم الأفكار التي زرعها هؤلاء في دنيا المسلمين كالأحزاب العلمانية والنماذج الفكرية والكتاب المستورد والجامعات التي كانت تخدمه وتخدم فكره. 

واليوم يستخدم الغرب أسلوبًا آخر.. هو نوع جديد من الهيمنة.. أسماها العولمة.. زينها وقذف بها.. هي علاج قديم بأسلوب جديد.. لن تكون أقسى على المسلمين من أيام النهضة «رواد الفكر المستغرب».. مصيرها مصيرهم.. وستحسم المعركة لصالح الإسلام ولو بعد حين. 

رواد فكر العولمة.. يطالبون بإعادة النظر في الثقافة العربية وأن تجرى عملية نقد جريئة وموضوعية في مكوناتها وجذورها التاريخية.. تمامًا كما كان رواد النهضة من قبل يطالبون بإجراءات تحسينية على النصوص القرآنية لتتماشى مع الحضارة الحديثة.. يطالبون بذلك.. ويطالبون معه بإحياء ثقافات الأقليات في كل بلد.. لا يريدون الثقافة الإسلامية التي غالبًا ما توحد الجميع.. فهدفهم شرذمة البلدان ليسهل إلحاقها «أجزاء» بتيار العولمة المتأمرك.. 


 

[1]  دافوس والعولمة والعرب- إبراهيم نوار- الحياة. 

[2]  أمين إسكندر- سراب فحسب هذا الذي يسمونه ليبرالية الحياة. 

الرابط المختصر :