; المساواة المطلقة مفهوم خاطئ | مجلة المجتمع

العنوان المساواة المطلقة مفهوم خاطئ

الكاتب حرم الدكتور عبد الرزاق المخللاتي

تاريخ النشر الثلاثاء 13-أكتوبر-1970

مشاهدات 79

نشر في العدد 31

نشر في الصفحة 12

الثلاثاء 13-أكتوبر-1970

كانت أوروبا تناقش مشكلة المرأة..

أهي حيوان ذات روح!! أم هي شيطان أم إنسان!!

تفضلت السيدة أم شفق حرم الدكتور عبد الرزاق مخللاتي بإرسال هذه الكلمة القيمة عن موضوع «المساواة المطلقة مفهوم خاطئ»، والتي كانت قد نشرتها في إحدى المجلات التي تصدر في ألمانيا.. والمجتمع يسرها أن تنشر للمرة الثانية إحدى المقالات القيمة للسيدة أم شفق.

لا شك أن من حسن حظ المرأة المسلمة التي قادتها ظروف معينة لتعيش فترة من الزمن هنا في بلاد الغرب، وتقف على مشاهدات وأوضاع تراها وتحسها هنا وهناك مشاهدات غريبة بعيدة عما كانت تعيشه وتراه في بلادنا، ثم لا شك أن كل واحدة منا قد تعرّضت لأسئلة متعددة تطرح عليها من جارتها أو من البائعة التي تشتري منها أو من الجماعة التي تجمعها بهم صدفة أو لقاء ما. أسئلة واستفهامات كثيرة لا سيما ملاحظاتهم الأولى التي تدور حول الحجاب واللباس والزي بشكل عام، هذه الأسئلة وتلك تكون في أغلب الأحيان فاتحة لفكرة راسخة في عقول الغربيين عن المرأة في بلاد الشرق.. بل عن المرأة المسلمة بشكل عام.

إنهم يتعرضون لموقف الإسلام من المرأة، فهم يعيبون علينا تخلفنا وجهلنا سيما تأخر المرأة وجهلها، فيدّعون بأنها جاهلة وقد حرمها الإسلام من العلم والثقافة، وأنها لا تفهم من حياتها إلا إنجاب الأطفال، ويصورون للعالم أجمع كيف أن الإسلام جعل من الرجل إنسانًا يتحكم في شؤون المرأة ويستعبدها سيما أنها في حاجة مادية إليه حيث لا معين لها سواه لعدم استطاعتها الكسب والعمل... وهكذا يشوهون موقف الإسلام بالنسبة للمرأة، وللأسف فقد نسي الغرب أو تناسى موقفه من المرأة.

هل المرأة إنسان أم شيطان؟

ففي القرون الوسطى حيث عقدوا في القرن السادس مؤتمرًا كبيرًا في إحدى مدن فرنسا للنظر في المرأة ما هي؟ أحيوان ذات روح أم لا.. أهي شيطان أم إنسان؟ وأخيرًا انتهوا إلى أنها حيوان ذات روح وخُلِقت لخدمة الرجل فقط.

ومن عجائب القدر ومفاخر تاريخنا الإسلامي أنه بينما كان الفرنسيون والغربيون يشكون في إنسانية المرأة ويعقدون المؤتمرات لذلك، ارتفع صوت نبينا العربي الأمي محمد -صلى الله عليه وسلم- يعلن من مكة بأن النساء شقائق الرجال، ويتلو قول الله تبارك وتعالى (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ) (الحجرات: ١٣).

ولكن للأسف ابتعدت المرأة عن الإسلام، بل ابتعد المسلمون عنه، وأمسينا لا نفهم منه إلا ما يشيعه أعداؤه سيما هنا في الغرب فما زالت الصليبية الحديثة والصهيونية الحاقدة تلعب دورها في تشويه كثير من قضايا الإسلام أمام الغرب. تفخر المرأة في الغرب بما وصلت إليه من تحرر ومكانة ومساواة للرجل ويرتفع صوت المرأة في الشرق مطالبة بما وصلت إليه الأولى، ولئن جاز للأولى أن تفخر بذلك بعد عصور الظلام التي عاشتها «علمًا بأن ما وصلت إليه من الذل والخزي والعار في كثير من جوانبه وسنأتي على توضيح ذلك في أعداد مقبلة»، فكيف يجوز للمرأة المسلمة في الشرق والتي أنصفها الإسلام وأعطاها حقها كاملاً منذ القرن السادس أن تُعلن للعالم أجمع بأنها تعيش في بؤرة من الجهل والظلم، وأنها تريد اللحاق بالمرأة في الغرب متناسية إنصاف الإسلام لها ولوجودها بل رمت بذلك كله وبدأت تطالب بالمساواة المطلقة مع الرجل.

فكرة المساواة

أستطيع القول وبصراحة تامة، بل وبشكل علمي، بأن فكرة مساواة المرأة بالرجل كفكرة خاطئة من الأصل قصد بها انتقاص لأنوثة المرأة من جهة كما أنها انتقاص لرجولة الرجل من جهة أخرى؛ ذلك لأنه ومن الأصل قام على أساس مخالفة صريحة واضحة الطبيعة الفطرية ومعارضة واضحة لسيكولوجية المرأة وخصائصها الفطرية الأصيلة، كما أنه يتعدى بمفهومه ووضعه الذين ينادون به حاليًا على طبيعة الرجل ودوره في الحياة بشكل عام.

وسوف نأتي على مناقشة الفقرة الثانية من المشكلة كون فكرة المساواة المطلقة-مساواة المرأة بالرجل- انتقاصًا لرجولة الرجل «في أعداد متتالية» بعد إتمام مناقشة الشق الأول ونتائجه الفردية والاجتماعية مستقرة من نتائج مساواة المرأة بالرجل هنا في بلاد الغرب.

 

عقدة الشعور بالنقص

للأسف إن مجتمعنا قد مرض أمراضًا مُزمنة فبات يئِن ويتخبط دون الاهتداء إلى علاج شافٍ، وهذا المرض بل هذا الوباء الخطير قد انتقل إلينا من بلد الحضارة والرقي بل من البلد والعالم الذي يسمي نفسه متحضرًا وهو في حقيقة واقعه عالم وبلد متدهور الأخلاق منحط القيم، ومن مظاهر المرض الاجتماعي الذي أُصيب به مجتمعنا هو الشعور بالنقص -حيث إن من علاماته وأعراضه: ظاهرة التقليد- التقليد الاجتماعي والتقليد الفردي ويشمل تعبير -التقليد- تقليد السلوك في آن واحد، ولما كانت الملاحظة العلمية قد أثبتت أن المجتمع الضعيف ينظر لنفسه أبدًا بأنه ضعيف ويحاول جاهدًا أن يُقلّد المجتمع القوي فإن ظاهرة التقليد الفكري والسلوكي تجري عفويًّا وبشكل لا شعوري عند الفرد والمجتمع.

ولما كان القرن العشرون -قرن الحضارة والرقي كما يسمونه- إذ حمل معه أسس ومفاهيم هذه الحضارة والتي تعتبر معكوسة ومقلوبة نظرًا لما كان سائدًا، ونظرًا للفلسفات المادية الصارخة التي قامت وتقوم عليها من رأسمالية غربية وماركسية شرقية، فإنه قد غشي غشاؤه على عيون المصلحين والمربين وانساقوا مع هذه الفلسفات وتلك، وبعدها نستطيع تصوّر نتائجها سيما بعد أن سلطت الأنوار المختلفة الأنواع، وبعد أن حملت أجهزة الإعلام حملتها في الشرق والغرب وحتى في بلدنا؛ إذ أسرعت تدك أركان التراث الماضي سيما تراثنا الثقافي بكل فلسفاته ومبادئه وقيمه وأخلاقياته وتشريعاته.

كان كل ذلك في أواخر القرن التاسع عشر وامتد ذلك إلى القرن العشرين وما زال حتى الآن، وإذا بالوسائل والأساليب السابقة تضخم الغرب وتشيد بحضارته المادية الحالية وتعمل على ضآلة الشرق، وأساليبه، ومبادئه، وتشريعاته.

كل ذلك خلّف شعورًا جديدًا أمسى يتضخم مع بدء القرن العشرين هذا الشعور «عند شعبنا وبلدنا الشرقي المسلم -والذي ابتعد عن الإسلام-» الذي أمسى تحركه بواعث خفية لا شعورية عميقة بأن الغرب عظيم والغرب متقدم والغرب قوي وكامل، كان كل ذلك بفضل فلسفته المادية التي قامت عليها حضارة القرن العشرين فما علينا إلا أن ننهج نفس النهج لنلحق بالدول الكبرى.. وأمام هذا الشعور راحت نفوسنا تشعر بالفرق الواسع بينها وبين نفوس الغربيين المطمئنة الهادئة السعيدة -كما تصورها الدعاية علمًا بأنها على العكس من ذلك تمامًا كما نلاحظه -نحن هنا في الغرب- ولكن ما لبث أن امتد هذا الشعور إلى أكثر من ذلك وقام شعور آخر بجانب الشعور الأول ألا وهو -تقديس الغرب وتعظيمه شعور بانتقاص الأنا وضعفها- وبتعبير أصح ولد الشعور بالنقص في نفسياتنا وإمكانياتنا، في فلسفة حياتنا ونهجها وامتد ذلك إلى تراثنا وشريعتنا المقدسة حيث بدأ المسلمون غير الواعين أمام هذه الدعايات وتلك المشاعر يشكون في الإسلام ويعتبرونه شيئًا مضى وانتهى ولم يعد يُساير التطور الحالي ولا يفي بمستلزمات القرن العشرين الضخمة.

ثم سلطت الأنوار وبقوة هذه المرة على المرأة في الغرب، وبوسائل مختلفة صورت على أنها تعيش في سعادة مطلقة وهدوء كامل كونها تتمتع بشخصية قوية كشخصية الرجل وهي على مساواة مطلقة معه في جميع النواحي، وكرد فعل لهذه الصور المتنوعة أولًا ولتلك الدعايات المادية المصورة وغير المصورة ثانيًا، ذهب من يدّعي الدفاع عن المرأة -عندنا في الشرق المسلم وفي الغرب بؤرة الفساد والانحراف- مناديًا بأنه يجب أن تخرج المرأة في الشرق من قوقعتها بل يجب أن تُحطم جدران البيت بأي شكل كان وتنطلق للحياة الاجتماعية، وراحوا ينادون ويتبجحون يدفعهم تيار مغرض شرقي أو غربي، بأن سجن المرأة في البيت وعدم إشراكها في الحياة العامة ثم عدم مساواتها المطلقة مع الرجل وعدم اعتبار صوتها كاملًا كصوت الرجل يُسمع في جميع الظروف والأحوال، كل ذلك إنما هو انتقاص لها، بل ووضعها في مرتبة أدنى من مرتبة الإنسان الناطق العاقل الاجتماعي بالفطرة.

وهنا وقفت المرأة في الشرق أمام هذه الشعارات الجديدة التي تسمعها، وقفت تردد مع شعور بالخوف والنشوة في آنٍ واحد، ثم راحت هذه الأفكار المسممة والشعارات المزيفة تسري في عقلها بوسائل مختلفة، تفننوا فيها -تحاول جذبها وإغراءها- وللأسف ومع مرور الزمن بدأت تمثل هذه الشعارات والأفكار ثم ارتفع صوتها هي نفسها تطالب بتحقيق ذلك.

ازدواج الشعور عند المرأة الشرقية

ومنذ تلك الفترة أمست تُعاني شعورين متناقضين، شعور بقوة المرأة في الغرب يقابل شعور قتال بضعفها، شعور يصور لها أن المرأة الغربية عنصر فعال وشعور يوحي لها بعجزها واتكالها. وبدأت تربط مع هذا وذاك أن تلك تأمر وتنهى وهي يجب أن تسمع وتطيع فقط، بأن تلك إنسان ممتلئ حياة يأخذ ويعطي ويحقق وجوده كإنسان عاقل بفكره وهي آلة تتحطم ببطء وتتحرك بعجز وبإرادة خارجية إذ يجب أن تُصبح داخلية ذاتية.

بهذه الآلية ازدوج الشعور في نفسية المرأة في بلادنا وكان ذلك إبان المرحلة التي يسميها التقدميون في بلادنا -عصر النهضة وتحرر المرأة- وأمام هذا الازدواج ضعفت نفسها وإرادتها وبدأت تتلقى كل شيء في الغرب على أنه نموذج لها ولحياتها ومجتمعها وعقيدتها وأمسى التقليد الأعمى رمزًا لحياتها.

الرابط المختصر :