; الفضيلة يقدم تجربة جديدة في العمل السياسي الإسلامي | مجلة المجتمع

العنوان الفضيلة يقدم تجربة جديدة في العمل السياسي الإسلامي

الكاتب أحمد عز الدين

تاريخ النشر الثلاثاء 23-مايو-2000

مشاهدات 58

نشر في العدد 1401

نشر في الصفحة 18

الثلاثاء 23-مايو-2000

حضور جماهيري ضخم ومنظم في أول مؤتمر عام للفضيلة.

قائمتان مغلقتان للمنافسة على رئاسة الحزب وهيئته القيادية.

اعتاد الإسلاميون -جماعات وأحزابًا- في مختلف بلدان العالم على انتهاج أسلوب معين في مجال اختيار القيادة انطلاقًا من أن «طالب الولاية لا يولى» واتهام النفس دائمًا بالضعف والتقصير ومحاولة كبح جماحها عن التطلع إلى المناصب واعتبار أن «أخي أفضل مني»، وفي هذا الإطار كانت قضايا اختيار القيادات تعالج داخل الجماعة أو الحزب دون ضجيج إعلامي أو دعاية، وفي لوائح بعض الجماعات والأحزاب نجد أن اختيار القيادة يتم عبر ترشيح الغير لشخص أو أكثر يطرح اسمه أو أسماؤهم للتصويت عليها، كما أن جميع الناخبين يكونون في الوقت نفسه مرشحين، وبذلك يرفع الحرج عن الجميع ويأخذ الكل فرصة متساوية.

وفي تركيا وعلى امتداد تاريخ أحزابها ذات التوجه الإسلامي بدءًا من مللي نظام، ثم مللي سلامة، ثم الرفاه لم تخرج عملية اختيار القيادة عن نطاق المشاورات الداخلية التي تنتهي بالاتفاق على شخص الرئيس الذي هو دائمًا دون منازع «الخوجا» نجم الدين أربكان ومن يختارهم الخوجا للعمل معه.

وفي ديسمبر ۱۹۹۷م وحين بدأ أن حزب الرفاه في طريقه إلى الحل بدأ مجلس مكون من عدد من الأشخاص يضع مخطط حزب الفضيلة وتولى رئاسة الحزب إسماعيل ألب تكين أحد المقربين من أربكان وقبل عامين بالضبط من تاريخ المؤتمر الأول للحزب وفي 14/٥/١٩٩٨م تخلى ألب تكين عن منصبه لرجائي قوطان الذي أصبح رئيسًا للحزب ومعه ستة نواب للحزب. 

وحسبما ينص قانون الأحزاب التركية، فإن أي حزب جديد ينبغي أن يعقد مؤتمره الأول خلال ثلاث سنوات من إنشائه ثم تنعقد المؤتمرات تباعًا على ثلاث سنوات، وحين بدأت الاستعدادات قبل أشهر لعقد المؤتمر الأول للفضيلة كان من الواضح أن المؤتمر سيشهد تجربة جديدة ومثيرة إذ بدأ الحديث عن وجود أكثر من مرشح لرئاسة الحزب واستقر الأمر في النهاية على ثلاثة مرشحين للرئاسة:

۱ – رجائي قوطان «۷۰ سنة» الرئيس الأول للحزب، وهو مهندس متخصص في القوى الهيدروليكية ووزير سابق.

٢-عبد الله جُل «٥٢ سنة» وهو خبير في الاقتصاد وعضو في البرلمان التركي عن مدينة قیصرى وقد سبق أن عمل في موقع قيادي في حزب الرفاه، حيث كان نائبًا لنجم الدين أربكان ووزيرًا في حكومته، كما كان نائبًا لقوطان لكنه استقال من ذلك المنصب قبل الانتخابات.

٣-بولنت أرينش وهو عضو قديم في الحركة السياسية التركية بدأ العمل مع أربكان منذ عام ١٩٦٩م، حتى كانوا يطلقون عليه لقب «أربكان الصغير»، لكن أرينش سحب ترشحه لمنصب رئيس الحزب مزكيًا عبد الله جُل، وجاء اسمه الأول في قائمة المرشحين الخمسين لهيئة القيادة ضمن مجموعة عبد الله جُل.

النفخ في نار الفرقة:

قبل الانتخابات بأيام كانت انتخابات الفضيلة الموضوع الأبرز في وسائل الإعلام التركية مقروءة ومرئية ومسموعة -وما أكثرها- وكان الإعلام وهو في أغلبيته الساحقة موغل في عداوته للفضيلة حريصًا على تخريب الحزب وزرع الفتنة داخله وقد وجد البعض ضالته في ظهور مجموعتين متنافستين، وعلى الرغم من أن حزب الفضيلة ليس في السلطة، كما أنه ليس الحزب السياسي الأول في البلاد، بل يأتي ترتيبه الثالث بين الأحزاب الممثلة في البرلمان، إلا أن المتابع للإعلام التركي يظن أن مستقبل تركيا كلها متوقف على نتائج انتخابات حزب الفضيلة، وكان الإعلام بأجهزته المختلفة الحاضر الأكبر بين الضيوف فقد غطى المؤتمر ۷۳۹ إعلاميًا منهم ٦٣ أجنبيًّا. وقد أسفر ذلك عن موقف معاد للإعلام بين صفوف الحزب، وأصبح مما يؤخذ على عبد الله جل أن الإعلام يحبه، والإعلام التركي لا يحب أحدًا في الله، ولم يغب الهجوم على الإعلام من خطاب قوطان الذي قال: إن هؤلاء إذا امتدحوك فهذا يعني أنك ارتكبت خطأ، وإذا هاجموك فاعلم أنك تسير على الطريق الصحيح. 

يوم الرابع عشر من مايو الجاري انعقد المؤتمر الأول للفضيلة في صالة «أسكي سوبرس» للألعاب الرياضية في أنقرة، وهي المرة الأولى التي تستخدم فيها الصالة لعقد المؤتمرات العامة للأحزاب السياسية، وعلى الرغم من أن المؤتمر العام يضم ١٢٣٦ مندوبًا «ضعفا عدد نواب البرلمان التركي وبواقع شخصين عن كل دائرة انتخابية»، إلا أن الحضور لم يقتصر على أولئك الأعضاء، بل تجاوز عدد الحضور خمسة وعشرين ألف شخص، كان أكثر من النصف خارج القاعة، وهو حضور تعجز عنه الأحزاب التركية جميعًا بما فيها الحزبان الحاكمان، والتي لا تواجه الضغوط التي يواجهها الفضيلة. 

انعقد المؤتمر في ظروف خاصة:

فهذه هي المرة الأولى التي يغيب نجم الدين أربكان عن حضور مؤتمر عام لحزب إسلامي، وبعيدًا عن الجوانب القانونية، وحرص قيادات الفضيلة على تأكيد أن حزبهم مستقل عن حزب الرفاه الذي صدر قرار بحله عام ١٩٩٨م إلا أن أي متابع للحركة السياسية الإسلامية في تركيا يعي تمامًا أن أربكان هو والد هذه الحركة ومنشئها.

وقد كانت قمة الإثارة الوجدانية في المؤتمر حين تليت رسالة من أربكان إلى المؤتمر، يتمنى له فيها التوفيق، فقد توقفت أعمال المؤتمر لمدة عشرين دقيقة، وقف خلالها الأعضاء وعلت الهتافات «مجاهد أربكان» وظهرت هاتان الكلمتان بحروف كبيرة على الشاشة الضخمة التي كانت تنقل أحداث المؤتمر، ولم يتمالك البعض نفسه فانخرط في البكاء، حتى بعض الضيوف من خارج تركيا بكوا، لقد افتقد الجميع زعيم الحركة السياسية الإسلامية في تركيا في أول مؤتمر للفضيلة، لقد كان أربكان الغائب الحاضر، كان غائبًا بشخصه، ولكنه حاضر في قلوب الجميع، وحتى أعداؤه كانوا يصرون على أنه موجود، وأن رجائي قوطان رئيس الحزب لا يعدو أن يكون ظل أربكان في الحزب أو القائم بالأعمال، ما حدا قوطان إلى القول إنه فخور وليس متأذيًا من ذلك الوصف، وفي اليوم التالي للمؤتمر، كان عدد من التعليقات يقول: إن أربكان هو الرابح في المؤتمر، وهي المرة الأولى التي يحدث فيها التنافس على المكشوف، فقد ظهرت في الانتخابات قائمتان كل منهما تضم أسماء المرشح لمنصب الرئيس «باشكان» وخمسين عضوًا للهيئة القيادية وخمسين عضوًا احتياطيًا، وأحد عشر عضوًا للجنة المحاسبة والتنظيم ومثلهم من الاحتياط، وقد قدم الإعلام المجموعة الأولى التي يتزعمها رئيس الحزب رجائي قوطان على أنها مجموعة التقليديين الموجهين من أربكان، وهو سبب الصدام على النظام، وأن التصويت لهم يعني إغلاق الحزب مرة أخرى «توجد قضية أمام المحاكم تطلب فيها النيابة العامة إغلاق حزب «الفضيلة»، أما المجموعة الثانية فقدمت على أنها مجموعة من الإصلاحيين الراغبين في الاندماج في النظام الحزبي التركي يذكر أن رجب الطيب أردوغان رئيس بلدية إسطنبول السابق والزعيم «الأسطوري» للشباب يعتبر من مؤيدي المجموعة الثانية، وقد سبق أن أبدى عدم اعتراضه على تولي رئاسة الحزب في حال طلبت منه القواعد ذلك لكنه حاليًا محروم من ممارسة العمل السياسي لمدة ثلاث سنوات تبدأ بعد خروجه من السجن العام الماضي.

كان الجدل كبيرًا قبل انعقاد المؤتمر، بين أعضاء الحزب ومحبيه، ففريق يرى أن هذه عملية تنافسية شريفة تستهدف الصالح العام للحزب ولتركيا، وأن هؤلاء الأشخاص الذين تربوا في الحزب سنوات طوالًا، وعرفوا منهجه وسياسته ينبغي أن تتاح لهم الفرصة لتولي القيادة والاستفادة من طاقاتهم، فيما كان فريق آخر يرى أن الظروف الراهنة والأخطار التي تحدق بالحزب والتربص به من كل جانب لا تسمح بإحداث الانقسام أو انشقاق داخل صفوف الحزب وخاصة أن الجميع يأخذ فرصة في العمل والتمثيل السياسي، فالمنافسون مسؤولون كبار داخل الحزب ويمثلونه في البرلمان وبعضهم يتولى رئاسة عدد من البلديات المهمة.

في داخل المؤتمر كان الانقسام واضحًا فقد اتخذ أنصار كل قائمة مواقع لهم احتشدوا فيها ورفعوا صور مرشحهم، وحين دخل عبد الله جُل إلى الاجتماع تعالت صيحات مؤيديه واهتزت أيديهم بصوره وحين دخل قوطان تحرك أنصاره وإن بشكل أقل لأن نسبة وافرة من أنصار جُل كانوا من الشباب الذين بادروا مبكرين بالدخول إلى القاعة، وإن كان عدد كبير ليس له الحق في التصويت، بينما كان معظم أنصار قوطان من المتعقلين الذين لا يميلون إلى الصخب والهتاف.

تعديل في اللائحة:

وقبل أيام من المؤتمر، أجرى الحزب تعديلًا في لائحته الداخلية- بناء على ضغط المجموعة الجديدة، يسمح بأن تجرى الانتخابات بالقائمة وكان هذا يعني: إما أن تنجح القائمة بأسرها التي تضم ٦١ عضوًا أصليًّا، ومثلهم من الاحتياط وإما أن تفشل القائمة جميعًا.

وقد انتهى الاقتراع بنجاح رجائي قوطان وقائمته التي حصلت على ٦٣٣ صوتًا مقابل ٥٢١ القائمة عبد الله جل وبطلان ٤٨ صوتًا، وتغيب ٣٤ عن الحضور.

أخلاق فضيلة: لكن على الرغم من الشحن النفسي والعاطفي وقوة المنافسة، إلا أن الممارسة السياسية كانت على مستوى عالٍ من الاحترام المتبادل، فقد جلس المتباريان الرئيسان لزعامة الحزب قوطان وجل متجاورين، ورفعا يديهما متشابكتين لتحية الحضور، وعقب انتهاء الفرز وقف الرجلان معًا وحولهما أركان القائمتين وتبادل الجميع العناق، وقال عبد الله جُل: إنه جندي وإن قوطان قائد له، ورحب قوطان بجُل وأصحابه وأن لهم رأيًا مسموعًا داخل الحزب. 

كما أن الحضور وبالرغم من وجود نسبة عالية من الشباب لم يحدث بينهم أي احتكاك على الإطلاق، ولم تنقل لنا الترجمة أي لفظ خارج، وقد حرص رئيس المؤتمر ياسين أطيبولو وهو نائب في البرلمان عن مدينة تشوروم على إعطاء الفرصة للجميع للحديث وحين طلب جُل الكلمة، قال: إن الوقت مفتوح أمامه للحديث وليس هناك أي سقف زمني. 

بقي أمر يتعلق بمسألة طلب الرئاسة أو السلطة، وينبغي أن نشير هنا إلى ثلاث نقاط:

1- أن السلطة ليست إثمًا ينبغي تجنبه وإلا لما قبلها الخلفاء الراشدون واحدًا بعد الآخر، كما أن الرسول ﷺ كان صاحب سلطة دنيوية في المدينة إلى جانب رسالته الدينية. 

2- أن الأمر لا يتعلق بفرد واحد بقدر ما يتعلق بمجموعة من الأشخاص «۱۲۳ شخصًا على الأقل» في كل قائمة من قائمتي حزب الفضيلة هؤلاء يرون أن لهم برنامجًا يريدون إنفاذه وهم يتقدمون طلبًا لعون الآخرين من أعضاء الحزب لتمكينهم من ذلك، وهم بذلك شأنهم شأن أي حزب يتقدم للناخبين بطلب نيل الثقة لتمثيلهم في انتخابات عامة أو محلية أو نقابية أو غيرها.

3-أن الحزب ينافس بالفعل ويسعى عبر نشاطاته السياسية إلى الوصول إلى السلطة، وقد نجح حزب الرفاه في الوصول إلى الحكم وبقي نجم الدين أربكان رئيسًا للوزراء لمدة عام تقريبًا حقق فيها الكثير، ولو بقي أكثر لحقق المزيد. 

وليس حزب الفضيلة وحده الذي ينافس للحصول على الأغلبية، فقد قدمت الحركة الإسلامية في أكثر من بلد عددًا من المرشحين في الانتخابات العامة، كان يمكن لو توافرت عناصر النزاهة والحرية وعدم التدخل الحكومي وقدر لهم النجاح أن يحققوا ومعهم حلفاؤهم الأغلبية في البرلمانات بما يتيح لهم تولي السلطة.

فإذا كان حزب الفضيلة وغيره ينتهج أسلوب التنافس مع الآخرين فما الذي يمنع أن ينتهجه داخل صفوفه إذا وضعت لذلك الضوابط والقواعد التي لا تخل بوحدة الحزب وتحفظ كيانه الداخلي.

لقد كانت التجربة التي خاضها حزب الفضيلة تجربة جديدة وثرية وربما ينبغي على الحركات والأحزاب الإسلامية الأخرى أن تدرسها لتستخلص منها درسًا يفيد في مواصلة مسيرتها.

الرابط المختصر :