العنوان العقوبات الذكية.. إلى أين؟؟
الكاتب حارث الدليمي
تاريخ النشر السبت 11-أغسطس-2001
مشاهدات 49
نشر في العدد 1463
نشر في الصفحة 35
السبت 11-أغسطس-2001
الجدل حول المسألة العراقية محتدم والغموض سيد الموقف والجميع لا يعرفون على وجه التحديد الخطط التي ينوي الأمريكان وحلفاؤهم اعتمادها، ولعل هذا المقال يضع تساؤلاً آخر أو يزيد الأمر حيرة، فكاتب السطور لا ينفي حيرته مما يجري وما يخطط له فماذا يقصد الأمريكان بالعقوبات الذكية وهل هناك فعلاً قبول للأفكار الأمريكية؟ وهل الإدارة الأمريكية متفقة على سياسة محددة تجاه العراق؟
أما بخصوص العقوبات الذكية فإن ما يطلبه الأمريكان هو عبارة عن تعديل لهذه العقوبات بحيث يتم تشديد المراقبة على واردات الأسلحة العسكرية، وفي المقابل تتيح للعراق قدراً أكبر من حيث استيراد السلع المدنية، والمعول عليه في هذا الإطار هي دول الجوار ومدى استجابتها لهذا النظام، فوضع مراقبين دوليين في هذه الدول المراقبة مشتريات العراق قضية ينتابها كثير من الغموض وعدم القبول.. ولننظر إلى الأطراف المحيطة بالعراق وموقفها من قضية المراقبين الدوليين.
تركيا التي تحتضن قوات مراقبة الملاذ الآمن في الشمال مندفعة بتوقيع الاتفاقات الاقتصادية والتجارية مع بغداد بصورة لم يسبق لها مثيل خلال السنوات الماضية، ومن الناحية السياسية فالأمر لا يقل عن ذلك، ولعل تسيير أول قطار بين مدينة ماردين التركية والعاصمة العراقية بغداد يعزز القول بعدم قبول الأتراك للأفكار الأمريكية، رغم الوعود بالحصول على بترول بأسعار مخفضة والأزمة الاقتصادية التي تعاني منها تركيا حالياً تجعل من الصعب على الاقتصاد التركي تحمل مثل هذا الالتزام الذي عانى منه بعد حرب الخليج الثانية لسنوات طويلة.
الطرف الآخر الأكثر تأثيرًا في المعادلة العراقية هو الطرف الإيراني، والحديث عن محمية شيعية في جنوب العراق، فإيران عامل مهم لو كان هناك تفكير في إنشاء مثل هذه المحمية، إلا أن المتتبع للأحداث يشاهد عكس ذلك، فوزير الخارجية الأمريكي كولن باول صرح بقوله: سنواصل عزل العراق وإيران ووصف النظامين بالأنظمة الخطيرة، وعبر عن الحفاظ على العقوبات الأمريكية ضد طهران وفي المقابل نددت طهران بتصريحات باول وبانحياز واشنطن للكيان الصهيوني وحتى في عنفوان الهجمات الصاروخية الإيرانية على العراق مؤخرًا، أكدت إيران احترامها لوحدة أراضي جارتها العراق، وجاء على لسان حميد رضا عاصفي، المتحدث باسم الخارجية الإيرانية قوله: «لقد ذكرت إيران سابقاً وتكرر أنها تحترم وحدة أراضي العراق والأخبار التي تأتي من داخل العراق تشير إلى نمو التجارة بين البلدين والأكثر من ذلك هو التفكير في ربط البلدين بشبكة للسكك الحديدية والأهم من ذلك أيضًا هو التفكير الإيراني الواقعي الذي يقضي بعدم الدخول في أية منازلة مع أي من بلدان الجوار في الوقت الحاضر، لأن المستفيد الوحيد هو الولايات المتحدة والكيان الصهيوني، أما المحمية الشيعية في الجنوب فهي تحتاج على الأقل إلى دولة من دول الجوار لرعايتها، وإيران هي المرشح القوي، والمعطيات على الأرض تستبعد قبول إيران لمثل هذه الأفكار حاليًا، بل إن الأمريكان يعتبرون ذلك مجازفة إذ لازالت إيران دولة خطيرة في نظرهم.
أما سورية فهي على نفس نسق الجارتين السابقتين، إن لم تكن أكثر، وفي كل يوم يمر يتم التوقيع على معاهدة جديدة بين البلدين ابتداء بمنطقة التجارة الحرة، وفتح خط أنابيب النفط الذي يمر عبر الأراضي السورية، وانتهاء بمكاتب السفر، وهناك مشاورات بين العراق وسوريا وتركيا لربط البلدان الثلاثة بشبكة من السكك الحديدية كانت بدايتها القطار بين ماردين التركية والعاصمة العراقية بغداد، مرورًا بمدينة القامشلي السورية.
أما الأردن فهو الرئيس الحالي لمؤتمر القمة العربية ومكلف من القمة بتسوية الحالة العراقية الكويتية.. فمن المستبعد أن تقدم عمان على مثل هذه الخطوة في الظروف الحالية، أو في المستقبل القريب خصوصًا إذا ما علمنا أن العلاقات الأردنية العراقية تشهد تطورًا ملحوظًا في الفترة الأخيرة في المجالات الاقتصادية والسياسية.
أما فيما يخص الإدارة الأمريكية فقد نشرت مجلة «نيويورك تايمز» أن نائب وزير الدفاع باول وولفتز أبلغ مسؤولين أوروبيين عند مناقشة العقوبات ضد العراق رؤية وزارة الخارجية بهذا الصدد قد لا تكون هي كلمة الإدارة الأخيرة بعبارة أخرى كان وولفتز يقول للأوروبيين لا تأخذوا مقترحات باول بجدية. وقبلها قالت «واشنطن بوست» إن ملامح «تيارات متناقضة» تتبلور بسرعة على أرض الإدارة وإن وزارتي الدفاع والخارجية تشكلات قطبي التناحر الأساسيين.
دورية «ويكلي ستاندرارد» الأسبوعية المحافظة أوردت تقريرًا عن صدامات الإدارة الداخلية كتبه روبرت كيجان وهو أحد المعلقين المحافظين من ذوي الصلة الواسعة بالإدارة الحالية أوضح أن رامسفيلد جمع فريقاً من الأيديولوجيين المتشددين من البنتاجون ممن يهينون المسرح لصدام مقبل مع كولن باول.
وقال كيجان أيضًا إن كل من وولفتز ودوجلاس فيث مدير السياسات في البنتاجون وبیتر رودمان مساعد الوزير لشؤون الأمن الدولي لا يوافقون على تعديل نظام العقوبات ضد العراق، ويتحمسون لتسليح المعارضة العراقية لقلب نظام الحكم.
وتقول «نيويورك تايمز»: إن المحافظين المتشددين في الإدارة اتصلوا بأصدقائهم في مراكز الدراسات السياسية وأوصوهم بتشديد الضغط للمشاركة في حصار خصومهم وتوضح الجريدة أن ديك تشيني الذي شكل مجموعة متجانسة من المستشارين في السياسات الخارجية سيلعب دورًا حاسمًا، في هذه المواجهة بين الخارجية والدفاع إلا أن تشيني متهم في واشنطن بالميل إلى وزارة الدفاع التي سبق له أن شغل مقعدها الأول...
ويعني هذا أن كولن باول بات محاصرًا بالفعل. هذا هو مسرح عمليات العقوبات الذكية... ويبقى السؤال ما مدى تأثير هذه الخلافات على القرار الأمريكي؟ ومن هو صاحب القرار في النهاية؟
وهل الغموض في السياسة والتوجهات الأمريكية هو بحد ذاته سياسة؟