; علاقة شائكة بين زوجتي وأمي | مجلة المجتمع

العنوان علاقة شائكة بين زوجتي وأمي

الكاتب د. يحيى عثمان

تاريخ النشر الأربعاء 02-فبراير-2011

مشاهدات 68

نشر في العدد 1939

نشر في الصفحة 52

الأربعاء 02-فبراير-2011

أكتب إليك بعد أن ضاقت بي السبل وساءت علاقتي بزوجتي، لدرجة أني أفكر جديًا في كيفية إجراءات الطلاق، رغم وجود طفلين لنا بعد 5 سنوات من الشقاء الأسري، وسنة قبلها غلب عليها الخصام قبل الوئام، كما أن علاقتي بأهلي مضطربة، ولولا حرصي على صلة الرحم لقُطعت، ولم يسلم الأمر حتى في عملي. 

فأدائي في انخفاض ملحوظ وتبخرت أحلامي باستكمال دراستي العليا، حتى صحتي بصفة عامة تأثرت نتيجة للتوتر العصبي المستمر.. كل ذلك بسبب هذه الزوجة المشاكسة، التي كان بإمكانها أن تحول حياتي إلى سعادة غامرة ولكنها بإصرارها على العناد وسوء السلوك تختلق المشكلات.

ولنبدأ الحكاية من البداية، فأنا الأخ الأصغر لخمس من البنات مع فارق السن حيث تكبرني أصغرهن بحوالي ٦ سنوات، وكانت أمي متعلقة بي جدا، وازداد تعلقها بي بعد وفاة أبي، وكنت في المرحلة الثانوية وقد تزوجت كل أخواتي وانشغلن بحياتهن، وكانت أمي تقول: إن زوجتي سوف تعوّضها عنهن، فزوجة الابن هي المسؤولة عن رعاية عمتها (حماتها)، وكثيرا ما كانت تهمس: «يا خوفي لزوجتك تأخذك مني»، وكنت أطمئنها بأنه لا يمكن لأي زوجة أن تبعدني عنك؛ لذا عندما تخرجت من الجامعة وبدأت أمي تبحث عن عروس لي كان من أهم الشروط من تستطيع أن تتولى شؤون أمي ولا تسعى لبعدي عنها، وفعلا رشحت أمي ابنة إحدى صديقاتها، وقد أعجبتني وتمت الخطبة خلال أسبوعين.

ووجدتني مشدودا إليها، وتغير نمط علاقتي بأمي، وبدأتُ أعتذر لها عن بعض المهام التي كنت أقوم بها، حتى كنت أكلف إحدى أخواتي للذهاب معها لمراجعة الطبيب وكثيرا ما كنت أتناول الغداء عند عائلة خطيبتي خاصة بعد عقد الزواج؛ مما أثار حفيظة أمي، وقالت لي: إن ما كانت تخشاه قد وقع، وإن خطيبتي قد سيطرت علي وأصبحت تتجاهل أمي.. وواجهت خطيبتي بشعور أمي تجاهها فأنكرته، وأمرتها أن تحسن علاقتها بها، وحيث إن وقت الزفاف كان قد اقترب فلم يشأ أي منا أن يفجر المشكلة.

وتوقعت من زوجتي بعد استقرارنا في بيتنا أن ترعى أمي، وقد أخبرتها بقصة كفاحها في تربيتي وأنني ابنها الوحيد، ولكنها - للأسف - قابلت ذلك بالتجاهل وطبعا كانت أمي تشكو لي منها، فكنت أعود وأصب نار غضبي على زوجتي، وطبعا امتد سوء علاقتها بكل أخواتي، وتحولت حياتنا إلى جحيم.

 وانعكس ذلك على علاقة أولادي بجدتهم وأصبحوا يخافون من ذكرها حتى لا تنشب معركة، أما يوم الزيارة الأسبوعي لأمي فقد حولته زوجتي إلى فرصة تستثمرها للنكد الأسبوعي، محللة كل لفظ تقوله أمي بكل الاحتمالات السيئة، وهكذا شقائي.. فهل من مخرج؟ 

التحليل

إن العلاقة بين أم الزوج (الحماة / العمة) – كما يطلق عليها في بعض البلاد  الفتاة العربية - والزوجة قد تأثرت سلبا بالطريقة الهابطة التي تتناولها معظم التمثيليات والأفلام، بل وقد يسهم الأهل في تنشئة وهي مشحونة سلفا بالصورة السلبية عن أم زوجها المرتقب، التي ستحيل حياتها إلى جحيم، وتسعى إلى خراب بيتها والتدخل في شؤون بيتها وحياتها الزوجية، أما على الجانب الآخر، فأم الزوج متوقعة من زوجة ابنها أن تقطع صلته بها وتحرضه على عدم برها، وبالتالي - فللأسف - تبدأ كل منهما علاقتها بالأخرى وهي مشحونة بموروثات سلبية، تؤثر في تفسير وفهم أي تصرف مهما بدا طيبا وكأنه تغطية لمكيدة.

رغم كل ذلك، إلا أنه إذا أوتي الزوج الحكمة؛ فإن الله يوفقه أن تكون العلاقة أمه وزوجته على خير ما يرام، ولكنك للأسف بدأت سلسلة. من الأخطاء الخطيرة، بين وكان أولها كما تقول تغيير نمط علاقتك بأمك، لدرجة أنك كلفت إحدى أخواتك بمصاحبتها للطبيب، وبذلك تكون قد أيدت كل ظنون والدتك وأيدت لها تخوفها بأن زوجتك المرتقبة قد خطفتك منها، وتحملت خطيبتك ظلماً وزوراً تقصيرك في حق أمك، ثم بدلاً من أن تحجب أي مشاعر سلبية من أمك وتستبدلها لزوجتك بمشاعر طيبة، إذا بك تبلغها شعور أمك نحوها، بل وتزيد الأمر سوءا بأن تأمرها بتحسين علاقتها بها، ومن المؤكد أن المشاعر لا تتبدل بالأوامر والنواهي، وأصبحت تدور في الشرور المتصاعدة، أمك تشتكي لك نمن تقصير زوجتك، فتصب نار غضبك على زوجتك، ومنطقيًا أن يتولد أو يتأكد لديها اليقين أن أمك سبب تعاستها الزوجية، فتزداد مشاعر الحنق عليها وتتضاعف شكاوى أمك.. وهكذا كيف تتوقع من زوجتك في هذه العلاقة السيئة مع أمك، أن تستفيد من خبراتها وتجاربها العظيمة كما طلبت منها، وأكيد للأسف ينعكس ذلك على علاقة الأولاد بجدتهم، سواء إذا ما أخبرتهم أمهم سوءاً عن جدتهم – كما تفعل بعض الأمهات الجاهلات – أو بما يحسوه من أجواء مضطربة بالمنزل، لذا فأنت - وأنت المسؤول المسؤولية الكاملة عن سوء العلاقة بين والدتك وزوجتك، وكلتاهما مجني فقط - عليهما من المجتمع بصفة عامة، ومنك بصفة خاصة.

الآثار

لعل من الأخطار التي قد لا ينتبه إليها الكثير، الآثار السلبية لهذا النوع من المشكلات الأسرية على الأبناء، عندما يرى الابن أن جـدتـه مـصـدر الحب والحنان هي السبب الذي تدور حوله خلافات والديه، وينعكس ذلك سلبا على نفسيته، وقد تضطرب علاقته بجدته، وعموما يفقد نموذجا متكاملا للقيم والعلاقات الأسرية السوية.

ورغم وجود العديد من الآثار السلبية والتي قد تصل إلى هدم عش الزوجية، أو قطع الزوج لصلة رحمه - نعوذ بالله.

الحل

أستسمحك قبل أن أقترح عليك برنامجاً للحل أن أتوجه بكلمة إلى الأهل والمربين ووسائل الإعلام، بأن يتقوا الله عند بناء نموذج القيم في علاقتنا الأسرية والاجتماعية، ولعل من أخطر وأهم العلاقات لكل منا رجالا ونساء العلاقة بين الأم التي أخبر عنها الرسول ﷺ: «إن الجنة تحت أقدامها»، ومهما قدم الأبناء فلن يوفوها حقها، والعلاقة الزوجية التي سماها المولى عز وجل بالميثاق الغليظ، لذا يجب أن تهيأ الفتاة على حب وإكبار وتكريم أم الزوج وأن بفضل الله بارك في جهودها منذ أن كان نطفة حتى صار زوجا تسعد وتهنأ به، فحق لها أن تكون ابنة بارة وقد حثنا المولى على ألا ننسى الفضل بيننا، وكذلك أم الزوج يجب أن تهيأ على استيعاب زوجة ابنها وتشعرها بحريتها في مملكتها، وأن من حقها أن تعيش حياتها وتجربتها بما يتوافق مع شخصيتها وعصرها بكل ما فيه من خصائص، ولا تشعر أنها منافسة لها، بل هي التي ستسعد ابنها الحبيب، فحق لها أن تقابل بترحاب.

إن تركيز الإعلام الفاسد على بعض النماذج المرضية الشاذة وكأنها أصل طبيعي في هذه العلاقة يفسدها سلفاً قبل أن تبدأ، وعلى الأهل بالذات أن يعيدوا صياغة مفاهيم الفتاة تجاه أم زوجها بصورة طيبة، فتهنا ويهنؤوا بتوفيقها في زواجها، فمن الغباء أن يشحن أهل الفتاة ابنتهم تجاه أم زوجها فتشقى ويفسدوا حياتها، ثم يندبون حظهم بسوء أم زوجها.

كما أوصي الابن خلال فترة الخطبة بألا يحافظ فقط على مستوى بره بأمه، بل يجتهد ويضاعف من بره بعد ارتباطه مع الدعاء بأن يوفقه الله في التأليف بين قلبي محبوبتيه ليس فقط يزيل هواجس أمه، بل يعطي لديها انطباعا بأن التغيرات الإيجابية لعلاقة ابنها بها ترجع بفضل الله إلى ارتباطه بإنسانة فاضلة تساعده على بره بها.

أما حديثي إليك يا أخي الكريم، فإني أقترح عليك البرنامج التالي والمكون من المراحل التالية:

المرحلة التمهيدية: في البداية عليك الاستعانة بالله والاجتهاد في الدعاء والصبر والمثابرة:

(1) برّ أمك طريقك إلى الجنة، وهو مسؤوليتك أنت، وإن اقتضى الأمر الاعتذار لزوجتك والمبيت مع والدتك ليلة أو أكثر أسبوعيا، فهذا حقها الذي ألزمك الله بالقيام به.

(2) احرص في هذه المرحلة على عدم الحديث عن والدتك ولا تسألها أن تزورها معك، احرص على زيارتها مع أحفادها الذين يحملون لها الهدايا؛ حتى تهدأ النفوس.

(3) إن تغيير السلوك على عنصرين مهمين؛ أولهما: وجود النموذج العملي، وكما قيل: فعل رجل في ألف رجل، خير من قول ألف رجل لرجل بمعنى ما سلوكك مع أهل زوجتك؟ لا أعني فقط هل أنت تعين زوجتك على أن تبر أهلها؟ بل هل أنت فعلا نموذج طيب لبر أهلها ورعايتهم؟

أيا كانت الإجابة، فأوصيك بأن تبدأ صفحة جديدة مخلصا النية لله بأن تكون نعم الابن البار لوالديها، والأخ الكريم لإخوانها وأخواتها، واحذر أن تطلب منها المعاملة بالمثل.

العنصر الثاني: هو أن يتولد لدى زوجتك الدوافع والقناعات لتحسين سلوكها مع والدتك، وصدق الله: ﴿إِن اللَّهَ لا يُغَيْرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغيَرُوا مَا بأَنفُسِهِمْ﴾ (الرعد: ۱۱)، والآيات الكريمة والأحاديث الشريفة الدافعة لهذا البر كثيرة، والمكتبة العربية زاخرة فيمكن إهداؤها بعض الكتب والشرائط أو حضور بعض الندوات في هذا المجال.

مراحل البناء

انقل مشاعر طيبة بينهما، وكذلك الهدايا وإن بدا لك أنهما يعلمان أنك أنت الذي تفتعل ذلك، فلذلك أثر إيجابي على الأقل مجاملة لك وإكراماً لخاطرك.

حاول أن تنتهز فرصة مناسبة لأهل زوجتك وحثّ والـدتـك بـأسـلـوب مناسب لمجاملتهم؛ لأنها صاحبة الفضل والكرم، وفي المقابل أيضا حت زوجتك على انتهاز فرصة طيبة لدى أخواتك، وذلك تمهيدا للعلاقة المباشرة لهما.

احرص على انتهاز مناسبة دينية أو شخصية لتكريم والدتكما.

حاول أن تعتذر لأمك عن أي تقصير من زوجتك، وأنها ابنتها وتحتاج لحبها وحنانها (طبعاً في غير وجود زوجتك)، وفي المقابل، حاول أن تعتذر لزوجتك عن أي كلمة تكون قد جرحت مشاعرها من والدتك، وأنها بمثابة والدتها، وبرر ذلك لظروفها الصحية وأن زوجتك ستكون في يوم ما في نفس ظروف والدتك، فعليها أن تزرع عفوا وحبا مع أمك، فسوف تجني ثمارا، ذلك من زوجة ابنها إن شاء الله، ولقد وعد الله: ﴿إن الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً (30)﴾ (الكهف)، إن اللجوء إلى الله والدعاء وبذل الجهد محصلة طيبة بفضل الله فتهدأ النفوس وتتألف القلوب مع مداومة الحرص على أن تكون معيناً لكل منهما على تحسين العلاقة بينهما، أسأل الله أن يوفق بين قلبيهما، والله المستعان.

الرابط المختصر :