; مذكرات المستشار على جريشة. شهادة قاض وسيرة رمز «أخيرة».. رسائل إلى أمي وإلى شريكة الجهاد | مجلة المجتمع

العنوان مذكرات المستشار على جريشة. شهادة قاض وسيرة رمز «أخيرة».. رسائل إلى أمي وإلى شريكة الجهاد

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر السبت 17-نوفمبر-2012

مشاهدات 49

نشر في العدد 2027

نشر في الصفحة 46

السبت 17-نوفمبر-2012

  • أماه.. كيف أحزن على نقلى لسجن «قنا» وقد أرضاني الله بالمكان الجديد فكان تغييرًا نفسيًا وماديًا إلى أفضل والحمد لله؟!
  • .. إنني لم أتأثر إلا من الوداع الذي ودَّعت به في «طره».. لقد رأيت أناسًا على علم وطهر وتقى ينفطرون بكاء كما يبكي الطفل الصغير لفراق أمه
  • أماه.. إن الذي غرست فيه حب الله سبحانه والرضا بقضائه والاعتزاز به وحده لا يزال على العهد يرفض أن يسجد لغير الله تعالى!
  • أليس أولئك الذين يحادون الله ورسوله.. كالذي يصر أن يهشم صخرة برأسه؟
  • أليس أولئك الذين يخضبون الأرض بنجيع الدماء كمن يقول للصبح: لا تطلع؟
  • زوجتي.. منذ أن اخترتك صرت شريكة.. شريكة في الجهاد وشريكة في الثواب - إن شاء الله تعالى - واليوم رابطة أخرى هي الحب في الله فهو أقوى من كل حب وأبقى

 تناولنا في العدد الماضي ما سجله المستشار علي جريشة في مذكراته حول الزمن الدوار، وكيف ورث الجلادون والزبانية مقاعد الأطهار المؤمنين بالسجن الحربي، لتكون تلك آية قدرة إلهية ترطب القلوب وتبشر بنصر الله سبحانه.

وبعدها تقرر نقل معتقلي الإخوان إلى سجن «طره» لتبدأ صفحة جديدة من ابتلاء المؤمنين.. وقد عوقب المستشار علي جريشة تأديبيا بنقله إلى سجن «قنا» بعد ضبط أحد رسائله إلى أمه، لتبدأ مرحلة جديدة سجل المستشار جريشة انطباعاته عنها ورؤيته لها في رسائل بعثها إلى أمه ورفيقة جهاده وأخيه وصهره، رسائل تنطق بالتفاؤل والأمل وحسن الظن بالله.

 (۲۲ سبتمبر ١٩٦٨م):

أرأيت.. الطفل الذي يريد أن يغيظ أمه.. فيخبط رأسه في الأرض أو في الحائط؟!.. هكذا يفعلون..

أماه.. إنهم يعبثون.. ترى أيظنون أنهم یکدرونني إذا نقلوني من سجن إلى سجن.. وإن كان في أقصى الصعيد؟

كلها سجون.. ولئن استطاعوا أن يسجنوا الجسد، فلن يسجنوا الروح! لأنها مع الله.. والله معنا!

أماه إنهم يعبثون..

أماه.. بكيت للمرة الثانية!

 (أكتوبر ١٩٦٨م):

 أماه.. أكتب إليك بفضل الله صادقًا لأقول: إن عرقًا واحدًا لم يتحرك في أسى أو تأثر لنقلي إلى سجن «قنا»؛ فإذا لم أكن قد حزنت من قبل على شيء مما حدث.. فهل أحزن اليوم على نقلي من مكان إلى مكان؟

ثم كيف أحزن، وقد أرضاني الله تعالى بالمكان الجديد فكان تغييرًا نفسيًا وماديًا إلى أفضل والحمد لله؟!

ولتكون الحقيقة كاملة، إنني لم أتأثر إلا من الوداع الذي وُدَّعت به في «طره»، لقد رأيت أناسًا على علم وطهر وتقى ينفطرون بكاءً كما يبكي الطفل الصغير لفراق أمه.. وما كنت أظن أن هذا سيحدث، ووقفت موقفًا جلدًا، ومرت الليلة الأولى والثانية.. وفي الثالثة وقت صلاة العشاء، وكنت أقرأ في سورة إبراهيم حتى بلغت قول الله تعالى: ﴿وَمَا لَنَا أَلا نَتَوَكَّلَ عَلَى الله وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا وَلَنَصْبرَنَ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكَّلُونَ﴾ (إبراهيم:12).

وجاشت بنفسي الذكرى.. فأجهشت بالبكاء.. وكانت هذه المرة الثانية التي بكيت فيها داخل السجن.

أماه.. إن الذي غرستِ فيه حب الله والرضا بقضائه والاعتزاز به وحده، لا يزال على العهد، لا يزال يرفض أن يسجد لغير الله سبحانه!

 تحية القادمين

ووصل في أثري بضع وثلاثون.. وكان لقاًء عجيبًا بين جيلين.. على غير أرحام ولا أموال. 

وسمعت واحدًا من أبناء ١٩٥٤م ينشد شعرًا لأبناء سنة ١٩٦٥م حفظت عنه هذه الأبيات:

لواء الحق نرفع ما حيينا                   بفضل اللـه جــنــدًا صادقينا

ونمضي والثبات لنا سلاح                 يقض مضاجع المتسلطينا

ويخلف من يظن لدى عماهُ             بأن الظلم يحمي الظالمينا

وكانت مفاجأة أن غنى بعضهم.. كان فيما

قال:

ما أحلاها والله الزنزانة..

مزنوقة ولكن سايعانا..

والقعدة فيها عاجبانا..

وقلوبنا سعيدة وفرحانة..

 ما أحلاها والله الزنزانة

 قل جاء الحق

(أبريل ١٩٦٩م):

والدتي.. زوجتي.. أكتب إليكما..

وناظراي يمتلآن بروعة خلق الله في الآفاق؛ نخيل وشجر وطير وسحاب ونور يخترق الظلام.. وسمعي يمتلئ بروعة آيات أسمعها من صوت حبيب يرتل قول الله تعالى:

﴿قُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ (سبأ:49).

فأحس مع أشعته النور يهتك الظلام، يزحف الحق يهتك أستار الباطل، وأقول: إن موعدهم الصبح أليس الصبح بقريب.. امتلأت بآيات الله.. في الآفاق وفي الكتاب.

 وسألت نفسي: أليس أولئك الذين يحادون الله ورسوله.. كذلك الذي يصر أن يهشم صخرة برأسه؟ أليس أولئك الذين يخضبون الأرض بنجيع الدماء، كمن يقول للصبح: لا تطلع؟

 إنا كذلك مخرجون

(مايو ١٩٦٩م):

لم يكن منطق الباطل في إخراج المؤمنين جديدًا..

من قبل.. قال الباطل لأبينا إبراهيم (عليه السلام): لئن لم تنته لأرجمنك واهجرني مليًا، وطلبوا إخراج لوط ومن معه من الأطهار لأنهم «يتطهرون»؛ ﴿أَخْرِجُوهُم مِن قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أَنَاسٌ يَتَطَهّرُونَ (الأعراف:82)، وقالوا لشعيب عليه السلام: ﴿قَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِن قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِن قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَ فِي مِلَّتِنَا قَالَ أَوَ لَوْ كُنَّا كَارِهِينَ﴾ (الأعراف:88)، وهُدَّد موسى بالسجن ثم أُخرج وطورد؛ ﴿قَالَ لَئِن اتَّخَذْتَ إِلَهَا غَيْرِي لأَجْعَلَنَكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ﴾ (الشعراء:29)، ﴿فَأَتْبَعَهُمْ فَرْعَوْنُ بجُنُودِه فَغَشِيَهُم مِّنَ اليَمَ مَا غَشِيَهُمْ﴾ (طه:78)، حتى كان دور محمد ﷺ؛ ﴿إِلاّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ (التوبة: ٤٠).

وعلى العموم كان المنطق بالنسبة للجميع؛ ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَكُم مِّنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَ في مَلتَنَا فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلَكُنَّ الظَّالِمينَ وَلَنُسْكَنَنكُمُ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ ذَلِكَ لَمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ﴾ (إبراهيم:13-14).

 تهنئة بالعيد الكبير.. لزوجتي

 (يناير ۱۹۷۰م):

من محراب الحق الذي نقف فيه..

نعلن كلمة الله..

ونعلي شريعة الله..

من محراب الحق..

نبعث لأهل الحق - وأنت منهم - تهنئة الحب والوفاء، وعهد الإخلاص والثبات..

 وإنا إن شاء الله لغالبون.

 ولأمي..

(يناير ۱۹۷۰م):

لا تراعي.. إن وجدت مكاني في العيد فارغًا.. فما يفرغ المكان إلا إذا فرغ القلب.. وإن الأسوار لا تستطيع أن تمنع لقاء القلوب.. والقضبان لا تحول دون تعانق الأرواح.. 

حقق الله لنا.. حجًا قريبًا.. ونصرًا مبينًا.. إنه على كل شيء قدير.

 ولأخي..

إني أكتب لك مهنئًا بعيد الأضحى المبارك.. واصلًا ما أمر الله به أن يوصل معتقدًا أن القضبان والأميال لا تحول بين قلوب وصل الله رحمها وألف بينها.. موقنًا أن الذي أنقذ إبراهيم من نار الكافرين، وافتدى وحيده بعد البلاء المبين، ونصر محمدًا والذين معه ببدر وهم أذلة، ثم جعلها كلمة باقية إلى يوم القيامة.. وكان حقًا علينا نصر المؤمنين.. إن الذي فعل ذلك.. هو الذي شاء لنا هذا المكان؛ ليمضي قدره رحيمًا حكيمًا.. ولننفذ حكمته عالية سامية.. في تربية من يصطفي من عباده، ثم لتتم بإذنه ومشيئته كلمته صدقًا وعدلاً: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَتَهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنَا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأَوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (النور:55).

 جوهر.. وجوهرة

(يناير ۱۹۷۰م):

صهري العزيز..

لعلي لم أكتب من قبل لك.. فقد كنت أعتبر كتابتي لزوجتي كتابة لكم جميعًا.. هذه واحدة..

ولأني ظللت تلك السنين الخوالي أحاذر أن أكتب لرجل.. ولو كان قريبًا، فيعتقل ولكنني أقدمت على الكتابة إليك..

 أولًا: لأشكرك على ما تحيط به أولادي من عطف غطى افتقادهم عطف أبيهم.. حين افتقدوا أباهم وراء أسوار الظالمين!

 وثانيًا: لأشكرك على هديتك لي بل هدية الله.. لقد اكتشفت جوهرها في المحنة.. والمحن تظهر «الجواهر».. لقد عرضت عليها أن تختار لنفسها، وكفاها وفاءً وصبرًا أن صبرت السنين الطوال السابقة..

وجاء في ردها: بل اخترت الله ورسوله والدار الآخرة.. واخترتك!

فكان ذلك منها.. أصالة ووفاء نادرين شكري لك ولها.. ومع تحياتي سلام الله عليكم ورحمته وبركاته..

 أغلى من العمر.. وأحلى من الحياة!

(يناير ۱۹۷۰م):

شريكة الجهاد..

منذ اخترتك صرت شريكة.. شريكة في الجهاد.. وشريكة في الثواب إن شاء الله.. واليوم رابطة أخرى فوق روابط سابقة.. هي الحب في الله.

والحب في الله أقوى من كل حب.. وأبقى من كل حب.

أقوى لأنه مستمد من الله القوي؛ ﴿أَوَ لَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قَوَةً وَكَانُوا بآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ (فصلت:15)، وأبقى لأنه مستمد من الحي الباقي.. كل من عليها فان.. ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام. 

وهو في الدنيا أغلى من العمر، وأحلى من الحياة.

السيدة الجليلة.. الوالدة الحبيبة..

وبعد – فمنذ تركتني ولسان حالك يردد قول القائل:

لا يسلم الشرف الرفيع من الأذى                      حتى يراق على جوانبه الدمُ

 منذ ذلك الحين.. وأنا أعيش مع آيات الله تعالى أحسها واقعًا غفل عنه الجاهلون، وإن ظنوا أنهم عالمون.. فظنوا العلو والسمو والرفعة في كراسي يجلسون عليها، أو دنيا يلهثون وراءها، كما تلهث الكلاب وراء الجيفة القذرة. وعلمنا أن العلو هو الإيمان.. وفي الإيمان.. وإن عاش صاحبه بغير تيجان وبغير مناصب!

علمت بما ضايقك.. ولقد قرأت لعالم جليل.. أن ما يوجه إلى المؤمن يتدحرج من صدره إلى مواطئ قدميه، ولا أحسب شيئًا وجه إليك إلا كان مصيره كذلك!

أماه.. صدقت وهم الكاذبون.. وأفلحت وهم الخاسرون.. والجنة تحت قدميك.. وجهنم هم فيها - بإذن الله – واردون.

 أي.. شريكة الجهاد!

(۲۰ سبتمبر ۱۹۷۰م):

 شريكة الجهاد..

ما بيننا بفضل الله أقوى من أن ينال منه جفاف أو جفاء.. أو يغيره بعد مكان أو طول زمان فوق الرباط المقدس.. لقاء فكر، وعناق روح، وحب في الله.. فوق الجفاف والجفاء وفوق المكان والزمان يحيا عزيزا في حمى الرحمن!

 لم يعرفه الناس فأنكروه.. ولم يتذوقوه فجحدوه وعرفته وتذوقته.. أغلى من العمر وأحلى من الحياة.. ﴿وَأَلْفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلْفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (الأنفال:63). 

ما بيننا.. فوق عقد الزواج.. عهد جهاد.. حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله.

ولقد تقاعست همم، وتساقطت مروءات، وتهاوت رجولات.. ونقف بإذن الله تعالى شموعا تضيء الطريق.. حتى يأتي وعد الله.. ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون!

 في امتحان الإعدادية الأزهرية 

انتقلت من سجن «مزرعة طرة» إلى «ليمان طره» على بعد أربعة كيلومترات تقريبًا لأؤدي امتحان الإعدادية الأزهرية.

ولهذا الامتحان قصة.. لقد فكرت وأنا في سجن «قنا» في الانتقال إلى القاهرة، ولم يكن هناك من وسيلة إلا التقدم لأحد الامتحانات العامة: الإعدادية، الثانوية العامة، وإذا كنت في تعليمي حاصلًا على شهادات الثانوية العامة وبعدها الليسانس ثم الماجستير وسجلت الدكتوراه.. فقد توقفت كثيرًا دون التقدم وخشيت إن أنا تقدمت أن يتنبه المسؤولون في السجون فيغلقون بابًا فيه سعة لغيري.

ظللت على ذلك حتى جاءتني فكرة التقدم للتعليم الأزهري لأقطع الحجة على من يتساءل عن سبب تقدمي رغم أني لست في حاجة إلى هذه الشهادة، وقيدت اسمي مع الداخلين لامتحان الإعدادية الأزهرية، وكان انتقالنا بعد ذلك من سجن «قنا» إلى سجن «مزرعة طرة»، وانتهى السبب الذي من أجله فكرت في دخول الامتحان، واعتذر غيري ممن تقدموا لنفس السبب، لكني استخرت الله فشرح صدري للتقدم، وكان لابد من نقلنا إلى «ليمان طره» حيث تنعقد لجنة امتحان المسجونين، وانتقلنا

كل شيء هالك إلا وجهه

(٢٥ سبتمبر ١٩٧٠م):

ليس الإنسان بجاهه ولا سلطانه.. ولكن بإيمانه وعمله.. فالإيمان يرتفع بالإنسان؛ ﴿وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الْأَعْلُونَ إِن كُنتُم مُؤْمِنِينَ﴾ (آل عمران:139)، والكفر فسوق يهوي به؛ ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ الأَذَلّيِنَ﴾ (المجادلة:20).

وكما رُبَّي موسى في بيت فرعون.. وعاش يوسف في السجن بضع سنين.. ودخل يونس بطن الحوت.. وأوذي محمد ﷺ.

ربينا في بيت فرعون في سجنه الحربي.. وعشنا في السجن ودخلنا بطن العجل.. وأوذينا في سبيل الله.. سبحانك ربي أريتني الجنة.. واليوم تريني مواقع النجوم.. وألمسها بكفي.. وأعجب وقد أقسم الله بها لشرفها وارتفاعها، فأردد قول الله في رؤيا: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ﴾ (الواقعة:75)، ويراني زميل آخر مع سيد شباب أهل الجنة الحسين رضي الله عنه يا رب لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك.

 أماه.. وهل هناك شخص لا ينتهي؟

 الساعة تنتهي، واليوم ينتهي، والعمر نفسه ينتهي.. الأشياء من حولنا.. الزرع يبدأ نبتًا صغيرًا، ثم يترعرع حتى يعجب الزراع.. ثم يكون حطامًا.. القمر يبدأ هلالا ثم يكبر شيئًا فشيئًا حتى يصير بدرًا.. ثم يصغر شيئًا فشيئًا حتى يعود ظلامًا كما بدأ.. 

وهكذا كل شيء ينتهي: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِك إِلا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ (القصص:88)، وهل هناك فرعون أحق الناس بذلك، وقد قال عن نفسه: إنه رب وإنه إله؟! وملوك الدنيا وعظماؤها..

ومحمد حبيب الله، قال له ربه: ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِّن قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِن مَتَ فَهُمُ الْخَالِدُونَ﴾ (الأنبياء:34)، وهكذا.. كل من عليها فان ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام.

  أحقًا.. ماتت حياة

 (سبتمبر ۱۹۷۰م):

أحقًا ماتت حياة؟!

بلى.. وكل حي سيموت!

«عش ما شئت فإنك ميت، وأحبب من شئت فإنك مفارقه، واعمل ما شئت فإنك مجزي به، واعلم أن شرف المؤمن قيامه الليل، وعزه استغناؤه عن الناس».

وبعد الموت قبر.. روضة من رياض الجنة.. أو حفرة من حفر النار.. وبعد القبر بعث.. فيه فزع وهول وكرب؛ ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ منْ أَخِيهِ وَأُمّهِ وَأَبِيهِ وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ لكُلِّ أَمْرَى مَنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ (عبس:34-37)، وبعد البعث حساب.. تتطاير الصحف.. وينصب الصراط والميزان؛ ﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ فَمَا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَا لِهَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلَمُ رَبِّكَ أَحَدًا﴾ (الكهف:49)، وبعد ذلك جنة أو نار.. وفي الأولى نعيم، وفي الثانية جحيم. 

في الموت عبرة! إن في الموت لعبرة! 

هذا حق.. لكنه قد يكون آية!

ولقد عبر القرآن بذلك حين تحدث عن مصرع الطاغية «فرعون»؛ ﴿فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ ببَدَنكَ لتَكُونَ لَمَنْ خَلْفَكَ آيَةً﴾ (يونس:۹۲). ﴿فَأَخَذَهُ اللهُ نَكَالَ الآخِرَةِ وَالأُولَى إِنَّ ذَلكَ لَعِبْرَةً لَن يَخْشَى﴾ (النازعات:2-26). ﴿وتَرَكْنَا فِيهَا آيَةً لِّلَّذِينَ يَخَافُونَ الْعَذَابَ الأَلِيمَ﴾ (الذاريات:37).

﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالَمِةٌ إِنْ أَخَذَهُ أَلِيمٌ شَديدٌ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لمَنْ خَافَ عَذَابَ الآخِرَةَ ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَّهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ﴾ (هود:102-103).

الحاكم اليوم يبدأ باسم الله.. 

الحاكم اليوم يختتم بآيات من القرآن.. الحاكم اليوم يرفع شعارًا.. لو طبق.. لصحح الكثير من المآسي والمآثم..

 فراعين!

( 18 رمضان ۱۳۹۱هـ):

فمع نفحات رمضان الكريم.. ومع ذكريات انتصار المسلمين الأولين أول معركة لهم مع أعداء الإسلام، ومع ريح الفتح المبين فتح مكة في العشرين من رمضان.. أكتب هذه الكلمات..

كلها نفحات كريمة، وذكريات حبيبة، وريح مبشرة عطرة؛ ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِن شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلَقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا

لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِن دُونِ ذَلكَ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ (الفتح:27).

كنت أستمع إلى محاضر كريم يتحدث عن غزوة «بدر»، فيذكر كيف قتل رأس الكفر أبو جهل يوم بدر.. لقد شاء الله تعالى ألا يتلوث بالدم النجس أحد من كبار الصحابة، وشاء ألا يحرز ذلك الدنيء هذا الشرف!

 فكان قتله على يد طفلين من أطفال المسلمين.. تسللا وسط الصفوف حتى وجداه فظلا يضربانه على قدميه لأنهما لا يصلان إلى أكثر من ذلك.. فانحنى ليضربهما فضرباه هما على رأسه.

وقبل أبي جهل هذا «النمرود» الذي ادعى الألوهية، وقتلته بعوضة دخلت في أذنه إلى رأسه.

وقبل أبي جهل هذا «فرعون» الذي ادعى أنه رب وأنه إله.. قتلته نقطة ماء!

وبعد هذا الفرعون فراعين قتلتهم نقطة دم؛ ﴿فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُم مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُم مِّنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُم مِّنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُم مِّنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ (العنكبوت:40).

وليالي القدر قادمة.. وسهام الأسحار نافذة!.

الرابط المختصر :