العنوان متى يعود الأدب العربي إلى أصالته وانتمائه الإسلامي؟
الكاتب الأستاذ أنور الجندي
تاريخ النشر الثلاثاء 05-أغسطس-1980
مشاهدات 69
نشر في العدد 492
نشر في الصفحة 42
الثلاثاء 05-أغسطس-1980
التبشير والاستشراق كانا وراء لمعان الأسماء الكبيرة!!
محاولة لإعادة تقويم عمل الأدباء العرب في الجيل السابق
هناك حركة غاضبة يحمل لواءها بعض المشتغلين بالصحافة العربية في هذا العصر تحاول أن تصنع قالبًا من القداسة الكاذبة على بعض الأسماء التي لمعت في العصر السابق من أمثال «طه حسين ولطفي السيد وسلامة موسى وعلي عبد الرازق وقاسم أمين وساطع الحصري» وغيرهم وتصفهم بعبارة رديئة هي عبارة «القمم الشوامخ» كأنما لا يجوز لأهل هذا العصر من المفكرين إعادة تقويم عمل الأدباء العرب الذين سبقوا على الطريق وكأنما كان هؤلاء الأدباء مبرئين من كل خطأ أو كان نقد أعمال هؤلاء الكتاب ووضعها في ميزان صحيح من النقد والتقدير عمل محرم والحقيقة إنه لا يوجد أدب ولا أديب ممن لمعت أسماؤهم لمعانًا خاطفًا هو فوق النقد وإذا كنا نراجع أعمال النوابغ الذين لا يقاس عليهم أمثال العزالي وابن تيمية وابن حزم وابن القيم وغيرهم وهم من أصدق الناس إيمانًا بمسؤولياتهم وأمانتهم للفكر الإسلامي فكيف لا يجوز إعادة تقويم أمثال هؤلاء الكتاب الذين ليس لهم مثل هذه الأمانة والذين عاشوا في مرحلة تنفيذ مخططات التغريب والغزو الثقافي، بل ووصف كثير منهم بأنهم كانوا قناطر للفكر الغربي ومن الحق أن يقال أن هذه المراجعة والتقويم لأعمال هؤلاء لا تقوم على رأي مسبق باتهامهم أو العمل على إنقاصهم، فمنهم كثيرون كانوا بمثابة قناطر بين الفكر الإسلامي والفكر الغربي عن نية حسنة أو منطلق صحيح أو محاولة أو اجتهاد يقوم على الاعتقاد بأن هذا هو الطريق النافع للأمم.
ونعتقد أنه لا يمكن الحكم على هؤلاء جميعًا بحكم واحد ومنهم كثيرون اجتهدوا فأخطأوا فلهم أجر المجتهد، ولكن منهم من كان يقصد حقيقة أن يقوم بدور في خدمة النفوذ الغربي وكان يحمل في صدره أحقادًا كشفتها كتاباته من بعد في مواجهة الإسلام والعروبة والأزهر وبعضهم كان يهدف حقيقة إلى تسميم جميع الآبار ونقل كل ركام الفكر البشري القائم على الإلحاد والإباحية والمادية لخلق جو من الضباب الشامل أمام رؤية الفكر الإسلامي الصافية النقية القائمة على التوحيد الخالص.
ولا ريب أن أمثال محمد عبده والعقاد ومحمد حسين هيكل ورفاعة الطهطاوي كانوا يقصدون خدمة أمتهم ولم يكونوا عملاء ولكن مجرى فكرهم اختلط بمفاهيم وافدة تأثروا بها فأخطأوا في بعض الفروع وعلينا أن نكشف هذه الجوانب وليس في ذلك ما ينتقص من مكانتهم وهدفهم الحقيقي ولكن يجب التنبيه على تلك الأخطاء ولكن هناك مجموعة أخرى كانت ضالعة في التغريب والغزو الثقافي تحمل في أعماقها ذلك الحقد الدفين والرغبة الراغبة إلى التدمير.
وما أعتقد أن هذه المراجعة، وإعادة النظر في هذا الإنتاج الأدبي الذي صدر في إبان مرحلة من أخطر مراحل أمتنا، وكان عاملًا في دعم وتركيز قواعد التغريب التي كانت ترمي إلى صهر أمتنا في بوتقة الفكر الغربي والقضاء على معالم الأصالة الإسلامية البارزة في أدبنا وفكرنا ما أعتقد أن هذه المراجعات ستوصف بأنها محاولة لانتقاص الأدب العربي ولا كشف وجهة هؤلاء الأدباء فأنه لا ينتقص قدر العمل الأدبي والفكري الذي ساقه عدد ضخم من الأبرار الذين حملوا لواء الأصالة ولم يذكرهم أحد، لأن تلك الأسماء التي أبرزتها السياسة الحزبية وحركة التغريب قد حظيت بأكبر قدر من الشهرة والتبرير بحيث حجبت تلك الأسماء الكريمة التي كانت تعمل خالصة لوجه الحق وحده.
فعلى الذين ينزعجون من كشف زيف أمثال طه حسين ولطفي السيد وغيرهم أن يخففوا من غلوائهم وأن يؤمنوا بأن ذلك لن ينتقص النهضة ولن يزعزع مكانة الأمة، ولن يجترح من كرامة التاريخ الأدبي وإنما على العكس من ذلك فإنه سينقيه ويضعه في ميزان الحق.
وأنه ليس من مصلحة أي أمة أن تفخر ببطولات زائفة، أو تحتضن أسماء لامعة، ولم يكن لمعانها في الحقيقة قائمًا على مجد أصيل وإنما كان من عمل خصوم هذه الأمة لإعطاء هؤلاء مكانة غير صحيحة وثقة كاذبة في نفوس الناس فتخدعهم عما يقدمون من سموم ولا ريب أن اليقظة الإسلامية التي كشفت عن زيف هذا الاتجاه المعارض للأصالة منذ وقت طويل لا بد أن تدحض هذه الشبهات وأن تبين وجه الحق. فإن هدف التغريب ورجاله ممن استظلوا بمظلة الأدب العربي في العصر السابق هو هدم كل مقومات الأصالة الإسلامية والقيم الأساسية لهذه الأمة، واحتواء هذا الفكر وصهره في بوتقة الأممية العالمية ولذلك فإن عمل هذه المؤسسات التبشيرية والاستشراقية التي تمثلت في كتابات هؤلاء التغريبين هي بمثابة خطر حقيقي وحاجز قائم يحول بين المسلمين وبين معرفة جوهر فكرهم بما يثير هؤلاء من شبهات في مجال النقد الأدبي، والفلسفة، والثقافة واللغة، والتاريخ والتراث هذه القمم الشوامخ التي يمكن أن تسقط وهي في ظن بعض الناس أنها هي التي صنعت نهضة مصر أو نهضة الشرق وخاصة في مجال النضال الوطني أو التحرر من النفوذ الأجنبي.
وهذا ولا ريب وهم كبير خدعتنا به الأسماء اللامعة.
فإن هذه الأسماء اللامعة لم تصنع تلك النهضة التي نظن أنهم صنعوها وإنما صنعها من غيرهم من ذوي الأسماء في المجهولة التي لم تحرز مثل هذه الشهرة العالمية المدوية، أولئك المخلصين الصادقين فإن أحدًا لم يذكرهم اليوم، أما هذه الأسماء اللامعة فإنها لم تصنع شيئاً ومصدر شهرتها أنها عملت في مجال السياسة والحزبية والصحافة يومًا بعد يوم، في ذلك الركام المضطرب العاصف من الصراع الحزبي والجدل السياسي والهجاء المرير فأعطاهم هذا كل هذه الشهرة أما جهدهم الحقيقي في مجال بناء النهضة فهو قليل وأمثال هؤلاء اللامعين لم تكن كتاباتهم في الأدب والفكر تساوي واحدًا من مائة من كتاباتهم في السياسة والحزب والجدل والهجاء ولم تكن تساوي واحدًا من ألف من كتابات ذوي الأصالة والثقافة والنتاج الجيد.
ولكن السياسة والحزبية هي التي أعطتهم لمعان الاسم وإن أسماء كثيرة هي التي أعطت النهضة الإسلامية دفعتها القوية من علماء وكتاب الأصالة الحقة وليس هؤلاء هم الذين قاموا بهذا الدور ولا ننكر أنهم شاركوا فيه بجهد ضئيل لا يتفق مع شهرتهم المدوية ولكن كانت لهم أخطاء وانحرافات فقد استمدوا دورهم ونشاطهم من مناهج الغرب وعجزوا عن فهم مناهج الإسلام فأخطأوا فيها ونقلوا عن الاستشراق كثيرًا.
ولكن الأصالة الحقيقية كانت ممثلة في مجموعة ضخمة لها دور حقيقي من أمثال مصطفى صادق الرافعي ورشيد رضا وشكيب أرسلان ومحب الدين الخطيب وحسن البنا وأحمد شوقي وحافظ إبراهيم وأحمد زكي باشا وطاهر الجزائري وتيمور ونديم والمويلحي والكواكبي وعلال الفاسي وأحمد وفيق والبكري والمنفلوطي والبشري والزيات والثعالبي وعزام وابن باديس والمازني وحتى عبد الوهاب وفريد وجدي والغلاييني وطنطاوي جوهري وخلاف؛ فكيف يمكن إنكار هؤلاء جميعًا وتجاهلهم وإدامة الحديث عن ثلاثة أو أربعة هم طه حسين والعقاد وهيكل وسلامة موسى؟! إلا إذا كان هناك هدف مبيت لإعلاء هذه الأسماء وحدها وتجاهل هذه المجموعة الضخمة التي صنعت فعلًا يقظة الفكر الإسلامي واستمدت جهودها من مفهوم أصيل للتراث الإسلامي ومن انطلاقة خفيفة بعيدة عن أخطاء الاستشراق وانحرافات الفكر الوافد أما هؤلاء السذج الذين يحاولون اليوم أن يتعلقوا بأحساب باطلة وموهومة بأن يدعوا أنهم تلاميذ لهؤلاء العمالقة الكذبة فإنهم لا يستطيعون رد هذا التيار الأصيل الذي يحطم أصنامهم، وإن هؤلاء الصغار إنما يدافعون عن وجود موهوم سرعان ما تزيحه أضواء الحق ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ﴾ (الأنبياء:18).
لقد قام عمل هؤلاء الرواد على الكذب والتضليل فخانوا أمانة القلم وأمانة أمتهم التي وكلتها إليهم ووثقت بهم. ولا ريب في أن تقويم أعمال الرواد تحت لواء الإسلام هي ضرورة طبيعية لكشف حقائق الأمور أمام الأجيال الجديدة التي خدعتها الأسماء الرنانة ذات الشهرة المدوية، هذه الشهرة التي شكلتها ظروف وقوى وأوضاع، لم يكن النبوغ الحقيقي أو الإيمان بالقلم أو الأمانة في حماية مقدرات المجتمع، بل كان التبعية للغزاة وللتغريب.
ولذلك فإن ما يسمونه ظاهرة انهيار جيل العمالقة ليست أكثر من خدعة ووهم يحاول به النفوذ الأجنبي أن يثبت وجوده ويؤكد الحصيلة التي حققها بغش هذه الأمة والتدليس عليها ولذلك يزعجه أشد الازعاج أن ينكشف ما وراء هذه الأسماء التي لمعت في غفلة من الزمن، والتي لم تكن ذات أصالة وإنما كانت هذه القوى هي التي فرضتها وخلقت لها هذه الشهرة المدوية كذبًا وتضليلًا وبغير حق.