; القمة السورية الأمريكية: هل تفتح الطريق أمام اتفاق سوري- إسرائيليي | مجلة المجتمع

العنوان القمة السورية الأمريكية: هل تفتح الطريق أمام اتفاق سوري- إسرائيليي

الكاتب عاطف الجولاني

تاريخ النشر الثلاثاء 25-يناير-1994

مشاهدات 123

نشر في العدد 1085

نشر في الصفحة 24

الثلاثاء 25-يناير-1994

وسط إجراءات أمنية مشددة، عقدت الأسبوع الماضي في جنيف القمة المرتقبة بين الرئيسين الأمريكي بيل كلينتون والسوري حافظ الأسد، وقد حظي هذا اللقاء الذي اعتبره المراقبون «تاريخيًا»، باهتمام واسع لدى المحافل السياسية ووكالات الأنباء العالمية التي تابعت باهتمام بالغ مختلف المراحل سواء تلك التي سبقت القمة أو أعقبتها، ولعل أهم نتيجة أولية أسفرت عنها القمة، هي الاتفاق على ضرورة تنشيط واستئناف المفاوضات الإسرائيلية العربية وبخاصة على المسار السوري في أقرب وقت ممكن.

وقد كان واضحًا منذ البداية أن لدى كلا الطرفين الأمريكي والسوري أهدافًا خاصة أراد تحقيقها من خلال هذه القمة التي قام كل طرف بالإعداد لها بشكل مكثف منذ فترة طويلة، وهو ما يعكس حجم الآمال التي علقها كلا الجانبين على مثل هذا اللقاء.

فالولايات المتحدة من جانبها وكما يرجح المراقبون، أرادت إعادة الاعتبار لدورها في عملية التسوية السياسية في الشرق الأوسط، بعد أن تم تجاوزه في اتفاق المبادئ الإسرائيلي الفلسطيني «غزة- أريحا»، والذي همش الدور الأمريكي بصورة كبيرة، مما شكل صفعة تلقتها السياسة الخارجية الأمريكية التي عجزت حتى الآن عن إثبات كفاءتها في إدارة الشؤون الخارجية. ولعل هذا السبب يفسر حجم الاهتمام العالمي الذي حظيت به القمة والتي جاءت على غرار القمم التاريخية السابقة بين الرؤساء الأمريكيين والسوفييت قبل سقوط الاتحاد السوفيتي، فقد أراد الرئيس كلينتون -الذي كان قد حقق لتوه إنجازين هامين بتخلي الرئيس الأوكراني عن ترسانة الأسلحة النووية التي تمتلكها أوكرانيا، وتوقيع اتفاق أمريكي روسي بإزالة توجيه الصواريخ النووية بين الطرفين- أراد توجيه رسالة حول مدى أهمية الدور الأمريكي في إنهاء الصراع في منطقة الشرق الأوسط وإظهار حجم الاهتمام الذي توليه الإدارة الأمريكية لهذه القضية. ولذلك فقد حرص كلينتون على أن يكون الإعلان عن تحقيق تقدم في المسار التفاوضي السوري الإسرائيلي وإزالة العقبات أمام اللقاء بين الجانبين بعد توقف استمر خمسة أشهر، أحد النتائج الأولية التي تسفر عنها القمة.

ولكن على الرغم مما سبق، تجدر الإشارة إلى أن الإدارة الأمريكية لم تكن متفقة على ما يبدو حول الطريقة التي يجب التعامل بها مع سوريا، حيث ظهر أن هناك توجهين داخل تلك الإدارة:

الأول: يرى أن سوريا أصبحت في موقف ضعيف بعد سقوط الاتحاد السوفيتي حليفها الرئيسي، وبعد تحقيق تقدم على المسار الإسرائيلي الفلسطيني، وبالتالي ينبغي التعامل معها بمنطق القوة، وقد نصح ريتشارد هاس أحد مستشاري الرئيس الأمريكي الأسبق بوش لشؤون الشرق الأوسط، الرئيس كلينتون بقوله: «لا تنس أبدًا الغرض من الاجتماع، فهو ليس للتفاوض وإنما لتطبع على ذهنه الخطوط الأساسية للمصالح الأمريكية..».

أما التوجه الثاني: في الإدارة الأمريكية فيرى أن الدور السوري حيوي وهام جدًا لإنهاء الصراع العربي الإسرائيلي، وأنه بدون انخراط سوريا وتفاعلها مع مسيرة التسوية فإن احتمالات تحقيق استقرار في المنطقة أمر مشكوك فيه، خاصة وأنها مازالت تملك العديد من أوراق القوة التي تمكنها من المناورة وربما التأثير السلبي على استمرار العملية التفاوضية في المنطقة، كورقة المعارضة الفلسطينية والورقة اللبنانية، وقد أشار مسؤول أمريكي إلى أن «السوريين يريدون أن يجعلونا نعتقد أنه لا يمكن الاستغناء عنهم في عملية السلام، ومن حسن حظهم أننا نميل إلى الاتفاق معهم حول هذه النقطة».

وعلى الجانب السوري فقد ذهب الرئيس السوري للقاء كلينتون وهو يدرك مجموعة من المعطيات أهمها:

1.      حاجة الإدارة الأمريكية لتعزيز دورها في التسوية السياسية في المنطقة.

2.      قناعة «إسرائيل» بصعوبة تطبيع علاقاتها مع دول المنطقة دون تقدم المفاوضات على المسار السوري.

3.      امتلاك سوريا لعدة أوراق ضغط تفاوضية تمكنها من التأثير في مجمل العملية السياسية.

4.      حاجة سوريا إلى تحسين علاقاتها الثنائية مع الإدارة الأمريكية ورفعها عن قائمة الإرهاب.

5.      عدم قدرة سوريا على الوقوف وحدها في وجه الضغط والتأييد الإقليمي والدولي الراغب في إنهاء مشكلة الشرق الأوسط.

6.      حاجة سوريا إلى تحسين أوضاعها الاقتصادية.

ولذلك فقد جاءت تصريحات الرئيس السوري ومواقفه من القضايا التي أثيرت في اللقاء والمؤتمر الصحفي الذي أعقبه، محكومة بشكل كبير بالمعطيات السابقة. ولكن الجدل يبقى قائمًا حول حقيقة الموقف السوري الذي ربما كانت أهم سمة تميزه في هذه المرحلة هي سمة الغموض.

نقاط الاتفاق والاختلاف

كما جاء في تصريحات كلا الرئيسين الأمريكي والسوري، فإن اللقاء بينهما شمل مجموعة من القضايا، في مقدمتها تطورات العملية السياسية واستئناف المفاوضات المتوقفة، والعلاقات الثنائية بين البلدين، والموضوع اللبناني، وموضع المعارضة الفلسطينية الموجودة على الأراضي السورية. إضافة إلى مجموعة أخرى من القضايا التي قد لا تحظى بنفس القدر من الأهمية.

وقد أوضح الرئيسان خلال المؤتمر الصحفي المشترك الذي عقداه عقب اللقاء مجموعة من نقاط الاتفاق والاختلاف أهمها:

1.      اتفق الجانبان على ضرورة تحقيق سلام شامل وعادل في المنطقة مع خلاف الأسس التي يستند إليها، ففي حين أشار الرئيس السوري إلى أن مرجعية المفاوضات هي قرارات 242، 338، 425 فقد استثنى كلينتون قرار 425 المتعلق بالانسحاب الإسرائيلي من جنوب لبنان المحتل من أسس التسوية.

2.      اتفق الجانبان على أهمية دور سوريا في تحقيق الاستقرار في المنطقة وقد أكد كلينتون ذلك مرارًا خلال المؤتمر الصحفي.

3.      اختلف الجانبان في موضوع المعارضة الفلسطينية وأزمة طائرة لوكربي، وقد أشار كلينتون إلى ذلك بوضوح في المؤتمر الصحفي.

4.      كان هناك خلاف حول قضية التطبيع، ففي حين أكد كلينتون أن سوريا مستعدة لتطبيع كامل في العلاقات الدبلوماسية والتجارية والحدود مع «إسرائيل» في حال استعداد الأخيرة للانسحاب من الجولان، فقد قال الرئيس السوري ردًا على سؤال لصحفي أمريكي إن سوريا مستعدة لإقامة «علاقات عادية» مع «إسرائيل» في حال انسحابها من الجولان، ولم يتطرق إطلاقًا لتعبير «تطبيع» خلال حديثه وإجاباته.

5.      فيما يتعلق بتحسين العلاقات الثنائية اتفق الجانبان على ضرورة ذلك وأعلنا أن اللقاءات بين المسؤولين الأمريكيين والسوريين ستستمر في هذا الاتجاه.

ردود الفعل المختلفة على القمة

فيما أبدى الجانبان السوري والأمريكي ارتياحهما لنتائج القمة بين الرئيسين السوري والأمريكي، فقد تفاوتت ردود الفعل لدى الدول الأخرى المعنية.

فالموقف الإسرائيلي تميز بالحذر والقلق قبل وأثناء القمة، وظهر ذلك من خلال تصريحات المسؤولين الإسرائيليين وفي رد فعل أولي على نتائج القمة قال رئيس الوزراء الإسرائيلي إسحاق رابين: إنه كان يفضل أن يسمع الرئيس السوري «يتفوه شخصيًا» بكلمة تطبيع، وأضاف: «إن الرئيس كلينتون هو الذي تحدث عن التطبيع لكني أريد سماع الرئيس السوري يتفوه بالكلمة شخصيًا» وتساءل رابين عن الثمن الذي تريده سوريا لهذا التطبيع والجدول الزمني لذلك.

ومن جانبه اعتبر وزير الخارجية الإسرائيلي شمعون بيريز اللهجة التي استخدمها الرئيس السوري «إيجابية لكن غير كافية». أما وزير البيئة الإسرائيلي يوسي ساريد فأعرب عن ارتياحه الكبير لرغبة سوريا في سلام كامل وتطبيع العلاقات مع «إسرائيل»، وقال: «أن يعتبر الرئيس الأسد السلام كخيار استراتيجي فيما كان يتحدث منذ سنتين أو ثلاث عن توازن استراتيجي ويحضر لنزاع مسلح، يشكل بحد ذاته سابقة يجب أن تأخذها إسرائيل بالاعتبار».

ورغم التحفظ الذي ميز الموقف الإسرائيلي من نتائج لقاء الأسد- كلينتون، فإن المراقبين يرون أن إسرائيل باتت تدرك أكثر من أي وقت مضى أهمية الدور السوري وعدم إمكانية تجاوزه، ولعل ذلك هو ما دفع وزير البيئة الإسرائيلي ساريد إلى القول قبل يوم من لقاء الأسد- كلينتون بأن «إسرائيل» مستعدة للتخلي عن سيادتها على الجولان «إذا كانت سوريا مستعدة لإبرام سلام شامل وحقيقي يتضمن إقامة علاقات دبلوماسية وفتح الحدود واتخاذ ترتيبات أمنية مفصلة».

وعلى الجانب الفلسطيني لم يُخف المسؤولون الفلسطينيون في منظمة التحرير قلقهم من أن يؤثر التقدم على المسار السوري- الإسرائيلي بشكل سلبي على المفاوضات الفلسطينية الإسرائيلية. ولكن رغم هذا التخوف والقلق فإن المسؤولين في المنظمة يدركون أهمية تحقيق تقدم ما على المسار السوري لعدة أسباب: فقيادة المنظمة التي خسرت كثيرًا بتوقيعها على اتفاق منفرد مع الإسرائيليين باتت تشعر بمدى الحرج الذي سببته لها هذه الخطوة، كما أنها تدرك حجم المشاكل التي يمكن أن تنجم عن معارضة سوريا للمسيرة التفاوضية في المرحلة الحالية، وخاصة فيما يتعلق بدعم المعارضة الفلسطينية التي تنظر إليها قيادة المنظمة بكثير من القلق.

أما الأردن فلم تعلق رسميًا حتى الآن على لقاء الأسد- كلينتون، وإن كان الاعتقاد السائد بأن المسؤولين الأردنيين سيكونون أكثر ارتياحًا لتحقيق تقدم على المسار السوري- الإسرائيلي، لما يوفره ذلك من أجواء إيجابية مشجعة على تحقيق تقدم على المسار الأردني، خاصة وأن المسار الأردني- الإسرائيلي الذي قطع أشواطًا بعيدة، لا يتأثر سلبيًا بالتقدم على المسار السوري.

المسؤولون اللبنانيون من جانبهم أشادوا بنتائج قمة الأسد- كلينتون حيث أعرب رئيس الوزراء اللبناني رفيق الحريري عن ارتياحه الكبير لمواقف الرئيس السوري وخاصة فيما يتعلق بقرار 425 المتعلق بلبنان والذي قال الحريري إن الرئيس السوري جعله بندًا أساسيًا في جدول أعمال القمة.

كما أعرب المسؤولون المصريون عن ترحيبهم بنتائج القمة التي قالوا إنها تكللت بالنجاح، وإنها ستسمح باستئناف المفاوضات.

التوقعات والاحتمالات

كما أشرنا سابقًا فإن حقيقة الموقف السوري من المفاوضات تتسم بالغموض، وهو ما يجعل من عملية التوقع والتكهن بتطور الأمور على المسار السوري- الإسرائيلي في غاية الصعوبة، ولكن من خلال المعلومات المتوافرة والتي تستند في غالبها إلى التحليل الذي تؤكده أو تنفيه الأسابيع أو الأشهر القليلة القادمة، يمكن التوقع بأن احتمالات توقيع اتفاق سوري إسرائيلي باتت واردة أكثر من أي وقت مضى وأسباب ذلك:

1.      قناعة سوريا بأن الفرصة الحالية ربما تكون الأنسب لتعزيز دورها في المنطقة والحصول على أهدافها الخاصة بها، في ظل الأوضاع الراهنة إقليميًا ودوليًا.

2.      استعداد إسرائيلي لانسحاب كامل من الجولان «ربما على مراحل»، مقابل تطبيع كامل.

3.      رغبة أمريكية جامحة في تحقيق إنجاز على هذا المسار يعوض الفشل على المسار الإسرائيلي الفلسطيني.

4.      اللقاء السري المنفرد الذي عقد بين الأسد وكلينتون عقب اللقاء المشترك والذي استمر لفترة تزيد على أربع ساعات، وقد جاء هذا اللقاء الذي استمر قرابة الساعة بناء على طلب من الرئيس السوري. ويعتقد أن الرئيسين ربما ناقشا خلاله بعض النقاط التي لم يرغبا بالإعلان عنها الآن بهدف تجاوز ردود الفعل الإعلامية التي قد تنجم عن ذلك.

5.      يجري حديث منذ فترة عن لقاءات عقدت بين السوريين والإسرائيليين برعاية أمريكية، وتم من خلالها التوصل إلى خطوط عريضة لاتفاق إسرائيلي وسوري يتضمن اعترافًا متبادلاً وعلاقات طبيعية، وانسحابًا إسرائيليًا على مراحل زمنية من الجولان مع ترتيبات أمنية مشتركة بين الجانبين.

وفي ضوء ما سبق لا نستبعد حصول تسارع واضح على المسار السوري الإسرائيلي خلال الفترة القادمة، وربما لا يعدو الهدف من التصلب السوري الحالي كونه وسيلة للحصول على بعض المكتسبات الإضافية، ولتبرير الخطوات القادمة التي ربما تحتاج لفترة تمهيد وإعداد نفسي، بحيث لا تشكل صدمة لدى المواطن العربي الذي بات حائرًا في تحديد مواقفه وخياراته.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل