; الأربعين حرامي.. من صور الفساد في الأدب الشعبي الفلسطيني | مجلة المجتمع

العنوان الأربعين حرامي.. من صور الفساد في الأدب الشعبي الفلسطيني

الكاتب طارق حميدة

تاريخ النشر السبت 21-سبتمبر-2002

مشاهدات 64

نشر في العدد 1519

نشر في الصفحة 24

السبت 21-سبتمبر-2002

من النكات التي شاعت بين الفلسطينيين بعيد تسلم السلطة لمهامها، أن السيدة سهى الطويل، زوج الرئيس الفلسطيني، قد اتصلت هاتفيًّا به، أثناء اجتماع له بأركان السلطة، في وقت متأخر من الليل، قائلة إنها تشعر بحركة غريبة حول البيت وتخشى أن يكون هناك لصوص... فتلفت الرئيس إلى من حوله.. وتفحص الحاضرين، ثم خاطبها قائلًا: نامي ولا تخافي.. كل الحرامية عندي!! هذه النكتة تحاول أن تجيب عن سؤال كبير طالما أرق الفلسطينيين وأقلق بالهم، وهم يرون قيادات السلطة والمحيطين بالرئيس غارقين في الفساد وأعمال السلب والنهب، يأكلون الأخضر واليابس، الحرام عندهم هو ما لا يستطيعون الوصول إليه، لصوص بكل ما تعني الكلمة، وكان السؤال المحير: ألا يعلم الرئيس بفساد المحيطين به؟ ألم يشعر بقذارة أيديهم وقد زكمت رائحتهم النتنة كل الأنوف، أتراه غافلًا عما يدور حوله وكأنه آخر من يعلم؟! إن الفلسطينيين لا يريدون أن تهتز صورة الرئيس في أذهانهم، وهو لدى الكثيرين قديس وراهب ثورة.. وكأنهم يتمنون ألا يكون له علاقة بما يجري.. لكن استفحال الفساد وتغول المفسدين.. وكون الكثيرين منهم من أقرب المقربين للرئيس، كل ذلك وغيره جعلهم يستيقنون بما لا يحبون.. ولذلك فقد جعلت النكتة الجواب على لسان الرئيس نفسه، أن الذين حوله لصوص بل لا لصوص غيرهم.. وأن كل اللصوص بالنسبة إليهم لا شيء، وأنه يعرفهم بسيماهم وأسمائهم، كل ذلك باعتراف الرئيس، والاعتراف سيد الأدلة، ولو كان الاتهام من غيره لكان ذلك مظنة الشك والتهمة، أنه من بعض المعارضين للرئيس، وهم كثير. 

وحيث إن الرئيس يعرف بأن الذين حوله لصوص وأنه ليس مغفلًا لا يدري بما يجري حوله.. فإن المتوقع أن يبعدهم ويعزلهم، لا أن يبقيهم حوله.. وهنا سؤال استنكاري آخر يبحث أيضًا عن جواب تقدمه نكتة أخرى تزعم أن هناك من سأل الرئيس لماذا لا يعزل اللصوص الذين حوله عن مناصبهم؟ وهذه المرة أيضًا، فإن الجواب يأتي على لسان الرئيس: اللصوص هؤلاء شبعوا.. وإذا عزلتهم فإنني أخشى أن يأتي مكانهم لصوص جائعون.. ويفعلوا أضعاف ما يفعل هؤلاء!! الرئيس هنا فطن يحسن التخلص من الأسئلة المحرجة.. ويبقي الحال على حاله.. والسبب في إبقاء اللصوص وعدم عزلهم كما تقول النكتة بتهكم: أنه ليس له مصلحة شخصية في ذلك، بل هي مصلحة الشعب ألا يسوسهم لصوص جائعون فيصنعون كما يصنع «الهجين الذي نزل بكرم تين»!! وفي السياق ذاته، وفي موضوع الفساد المالي للسلطة، فقد تكررت بين صغار موظفي السلطة وبالذات المعلمين، شائعة خلال انتفاضة الأقصى الجارية، أن دولة عربية قد تبرعت لكل معلم بما قيمته ثلاثة آلاف، أو ألف دولار، واشترطت الدولة المانحة ألا تتم العملية من خلال السلطة، وإنما توضع المبالغ لكل معلم في حسابه بالبنك، ولكن السلطة رفضت إلا عن طريقها، وفي النهاية تم الاتفاق، بحسب الشائعة، على أن تأخذ السلطة نسبة ١٣% ويودع المبلغ المتبقي في حسابات المعلمين.لقد رأى المعلمون بعض التبرعات تتوجه إلى العمال وغيرهم، ولا أحد يلتفت إليهم، بحجة أنهم موظفون لهم مرتبات في أول الشهر، علمًا بأن هذه الرواتب لم تكن تكفيهم، وقد احتجوا وأضربوا مرارًا في زمن الاحتلال وفي أيام السلطة نفسها لشدة ما يعانون.. وليس ذلك فحسب بل إن السلطة قد خصمت من رواتبهم في هذه الانتفاضة، وفي انتفاضة النفق عام ١٩٩٦، أكثر من مرة لأجل العاطلين عن العمل، مما زاد في معاناتهم... كل ذلك وكبار رجالات السلطة يعيشون في عالم آخر ولا يحسون بالمعلمين ولا بآلامهم.. فلما بدأت تهل بعض المساعدات وتتجه إلى المحتاجين.. تاقت نفوس المعلمين، ولجؤوا إلى أحلام اليقظة يسكنون بها عضة الجوع وذل الحاجة، فألفوا حكاية المساعدات ثم لم يلبثوا أن صدقوها وانتظروها بفارغ الصبر وحددوا لها الموعد بعد الموعد، وربما قلت لزملائي في المدرسة أو غيرهم من الزملاء إن هذه شائعة لا أصل لها.. وأنها كما يقول المثل: (حلم الجوعان عيش) ولكن لم يكن أحد منهم على استعداد للإفاقة من ذلك الحلم اللذيذ.

كما هو واضح فإنه حتى الدول المتبرعة، بحسب الشائعة، تعرف أن مسؤولي السلطة لصوص، ولذلك فإنها تفضل إيداع التبرعات في أرصدة المعلمين مباشرة، لكن السلطة لا يمكن أن تمرر هذه اللعبة أو المؤامرة!!، وتصر على أن يتم الأمر عن طريقها، ويصر الطرف الآخر.. ثم يتفقان على حل وسط.. أن تقتطع السلطة لها نسبة مئوية: إذ لا يمكن لها أن تخرج من المولد بلا حمص، كما يصورها الخيال الشعبي وهو ينسج هذه الحكاية، وقد خبر الفلسطينيون أن رجالات السلطة منذ قدومها يشترطون للموافقة على أي مشروع اقتصادي نسبة من الأرباح أو رأس المال.. هذا عدا احتكارهم للكثير من المواد الأساسية والمرافق الضرورية.

الرابط المختصر :