العنوان أسرار «نوبل» ونجيب محفوظ!
الكاتب أحمد محمد كنعان
تاريخ النشر الثلاثاء 22-نوفمبر-1988
مشاهدات 74
نشر في العدد 892
نشر في الصفحة 26
الثلاثاء 22-نوفمبر-1988
* مواقف نجيب محفوظ السياسية رشحته لنيل هذه الجائزة المشبوهة.
* * *
قبل أيام قليلة.. تناقلت وكالات الأنباء العربية والعالمية نبأ فوز الأديب العربي «نجيب محفوظ» بجائزة نوبل للأدب عن عام 1988 وأعقب ذلك نوبة من الهستيريا الإعلامية بين الأوساط الأدبية العربية خاصة... حتى أن بعضهم اعتبر هذا الحدث أهم الأحداث التي مرت بالأمة العربية في العصر الحديث!!
ومما لا ريب فيه أن الحدث غير عادي، وأنه يستحق الاهتمام حقًّا، وأنه يتطلب منا وقفة تأمل طويلة، وبخاصة أن هذه هي المرة الأولى التي تمنح فيها الجائزة لأديب عربي، بعد سنوات طويلة، ومحاولات جادة من قبل الهيئات الأدبية المختلفة في الوطن العربي لترشيح اسم من الأسماء العربية اللامعة في عالم الأدب العربي... ولكن دون جدوى، ودون أن يحظى أي اسم من تلك الأسماء باهتمام القائمين على منح الجائزة!!
* فما الذي جعل أهل «نوبل» يتذكروننا آخر الأمر؟.
* وما الذي جعل قلوبهم ترق وتحنو وتشفق علينا في هذا الوقت بالذات؟!!
ترى.. هل هي الضغوط المتواصلة من الهيئات الأدبية العالمية التي ما فتئت منذ سنوات طويلة تؤكد لسدنة هذه الجائزة بأن الأدب العربي بخير، وأنه يستحق بالفعل التقدير والاحترام والاهتمام؟
أم ترى هناك أسباب وأسرار أخرى تختفي وراء منح «محفوظ» الجائزة؟. بداية أقول «وأحصر حديثي هنا في نوبل الأدبية» إنه لم يعد خافيًا على كل مطلع ما يحيط بمنح جائزة نوبل من ملابسات ومداخلات سياسية، بحيث أصبح منح الجائزة يعبر عن الموقف السياسي للأديب الذي يفوز بها أكثر مما يعبر عن تفرده وإبداعه في عالم الأدب! ولعل خير دليل على هذا أن عددًا غير قليل من الأدباء العالميين قد رفضوا استلام هذه الجائزة على الرغم من منحهم إياها رسميًّا من قبل الأكاديمية الملكية السويدية... وما كان ذلك الرفض منهم إلا لإيمانهم بانحياز الجائزة، وعدم نزاهتها! ونذكر من هؤلاء الأديب البريطاني «برناردشو» والمفكر الفرنسي «جان بول سارتر».
أضف إلى هذه أن الجائزة قد أعطيت غير مرة لكتاب نكره، لا يكاد يعرفهم أحد من أهل الأدب... ومنهم «عجنون» اليهودي، و«كاتربيلا ميسترال» وهي شاعرة مغمورة من تشيلي!!
وهذه الحقائق لا يصح أبدًا أن تغيب عن أذهاننا، ونحن في معرض الحديث عن منح «نوبل» الأدبية لمحفوظ... هذا الأديب الذي كانت له مواقف سياسية عديدة ترشحه للفوز بمثل هذه الجائزة المشبوهة!
وحين نراجع تاريخ هذا الأديب، ونستقرئ آراءه التي بثها بين سطور رواياته وقصصه، فإننا لن نجد صعوبة في كشف الكثير من تلك المواقف، التي يأتي في مقدمتها موقفه السلبي من تراثنا الإسلامي، ومحاولاته المتواصلة لبث روح التغريب في عقول أجيالنا، من خلال ما قدمه من شخصيات أراد أن يظهرها بمظهر الواقعية... وهي في الحقيقة أبعد ما تكون عن واقع أمتنا!
ومع هذا فإن تلك المواقف كلها من «محفوظ» لم تكن كافية- على ما يبدو- لكسب رضا أعدائنا الذين ظلوا يطمعون منه بشيء آخر أكثر من ذلك... ولقد تم لهم أخيرًا ما أرادوا، حين أسفر «محفوظ» عن وجهه الحقيقي، وأعلن بكل صراحة ترحيبه بزيارة «السادات» للقدس العربية، في الوقت الذي كان فيه علم إسرائيل يرفرف غير بعيد عن قبة الصخرة!
ثم جاءت الخطوة التالية من محفوظ لتؤكد موقفه الأولي، وذلك حين أعلن تأييده الكامل ومباركته لاتفاقية الذل مع اليهود، في كامب ديفيد!
وهكذا أصبح «محفوظ» مرشحًا للجائزة عن جدارة!! «ولا أحسب أنني بحاجة هنا للتذكير بالظروف المشابهة التي رشحت السادات للفوز بجائزة نوبل للسلام، مناصفة مع مجرم الحرب بيغن!».
وإننا على يقين من أن تلك المواقف من «محفوظ» لم تأت من فراغ، بل جاءت نتيجة طبيعية لحياة هذا الأديب الذي عكف على مدى سنوات طويلة من عمره ينهل من ينابيع الثقافة الغربية، ضاربًا عرض الحائط بثقافة أمته... وانتمائه العربي!!
وأما السؤال الأخير الذي يطرح نفسه في هذه المناسبة فهو: لماذا اختير أديب مثل نجيب محفوظ للفوز بالجائزة في هذا الوقت بالذات؟ ولعل القارئ الكريم قد لمس من خلال ما قدمنا طرفًا من الإجابة على هذا السؤال، غير أنني أحب أن أضيف، أن الجائزة بما لها من سمعة عالمية، وبما يصاحبها عادة من ضجة إعلامية صاخبة، كفيلة بأن تجعل اسم «محفوظ» يلمع في الساحة، وربما لسنوات طويلة قادمة... والظاهر أن هذا الأمر أصبح مطلوبًا وبإلحاح في هذا الوقت بالذات من قبل بعض الأوساط العربية التي تناصب الإسلام العداء، وبخاصة منها أصحاب الاتجاهين: العلماني، والماركسي.. فقد أمسى هؤلاء في مأزق حرج لا يحسدون عليه بفضل الصحوة الإسلامية التي عمت أرجاء وطننا العربي كله، وكان من ثمارها كشف زيف الشعارات التي رفعها أولئك على مدى سنوات طويلة، والتي كانوا يمنون الشعب العربي من خلالها بالرخاء والأمان ومدن السمن والعسل... دون أن يتحقق شيء من ذلك!!
فحين وجد أولئك المهزومون أنفسهم وسط هذا المأزق، ووجدوا الفكر الإسلامي وقد أصبح سيد الساحة بلا منازع... راحوا يبحثون عن مخرج ينقذهم من أزمتهم... فلم يجدوا أمامهم غير لعبة محفوظ والجائزة، فعمدوا- مع الجهات التي تقف من ورائهم- إلى دفع محفوظ نحو المقدمة، في محاولة يائسة لسرقة الأضواء من الصحوة الإسلامية ومن المفكرين الإسلاميين...
* وكأني بأولئك المهزومين لم يدركوا أن الزمان الإسلامي قد تجاوزهم إلى غير رجعة!
* وكأني بهم كذلك لم يدركوا أن سنة الله- عز وجل- قد مضت فيهم ﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً﴾(الرعد:17).
ومع ذلك، تبقى ملاحظتان لا بد منهما، قبل أن نختم هذا الحديث عن محفوظ والجائزة... أما الملاحظة الأولى فهي أن الأكاديمية الملكية السويدية في حيثيات منحها الجائزة لمحفوظ قد نوهت بصورة خاصة بروايتيه: «الثلاثية» و«أولاد حارتنا» وهما من الأعمال القديمة جدًّا، فلماذا لم تمنح الجائزة لكاتب هاتين الروايتين قبل هذا الوقت؟!
وأما الملاحظة الثانية فهي أن بعض القائمين على الإعلام عندنا بدأوا يروجون بأن فوز محفوظ بجائزة نوبل قد أعاد لهذه الجائزة نزاهتها وموضوعيتها بعد أن كانت طوال تاريخها تفتقد إلى النزاهة والموضوعية!! وهذا ما صرح به واحد من ألصق الصحافيين المصريين بنجيب محفوظ وهو «فتحي العشري» عبر حديث له من إذاعة صوت العرب مساء 21 أكتوبر الحالي... وأحسب أن هذا التصريح ليس بحاجة إلى تعليق!!!