العنوان الموقف الأمريكي بين تأييد شارون والعجز عن ردعه
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر السبت 20-أبريل-2002
مشاهدات 66
نشر في العدد 1497
نشر في الصفحة 9
السبت 20-أبريل-2002
اتهمت صحيفة "نيويورك تايمز" رئيس الوزراء الصهيوني شارون بأنه "يهين الرئيس بوش والولايات المتحدة" وقالت صحيفة "واشنطن بوست": "إن بوش يفتقر إلى التصميم والعزم اللازمين لإتقان دور الوسيط في الشرق الأوسط".
فما الذي دعا اثنتين من كبريات الصحف الأمريكية إلى هذا التعليق؟ إنه الموقف الأمريكي من الاجتياح الصهيوني الإجرامي لمدن الضفة الغربية المحتلة.
ذلك الموقف الذي لا يمكن تبريره إلا بواحدٍ من اثنين: التأييد لما يرتكبه جيش الاحتلال من مذابح وانتهاكات، أو العجز عن لجم شارون وعصبته.
ففي بداية الأحداث، خرجت أصوات من واشنطن تطلب من شارون الانسحاب من أراضي السلطة الفلسطينية دون إبطاء، وخرج القرار تلو القرار من مجلس الأمن الدولي بموافقة أمريكية مطالبًا أيضًا بانسحاب الجيش الصهيوني من أراضي السلطة لكن شارون تجاهل كل تلك النداءات والتصريحات والقرارات ولم يعرها التفاتًا، بل زاد على ذلك أن وسع دائرة القتل والتنكيل، وارتكب في مخيم جنين مذبحة تليق به كمجرم حرب عتيد، وتذكَّر العالم بما اقترفت يداه في صبرا وشاتيلا.
فماذا كان الموقف الأمريكي؟
بدل أن تثأر واشنطن لكرامتها المهدرة وهيبتها التي تجرأ عليها شارون، تبدلت لهجة الخطاب، وأصبح كل هم واشنطن إلقاء اللوم على الرئيس الفلسطيني- المحاصر في غرفتين في مقره، وقد دمرت أو خرَّبت كل أجهزته وسلطاته- والتنديد بالعمليات الاستشهادية التي يقوم بها الفلسطينيون ردًّا على ما يلاقونه من تنكيلٍ، ومطالبة الدول العربية بإدانة الإرهاب الفلسطيني المزعوم، ومنع تقديم المساعدات لأسر الشهداء، مع الحديث المتكرر لدرجة الملل عن تفهُّم واشنطن لمتطلبات الأمن "الإسرائيلي"، وحق "الإسرائيليين" في الدفاع عن أنفسهم، وكأن الحق في الأمن قاصر على الصهاينة المدججين بالسلاح، ولا يشمل الفلسطينيين الذين يدافعون عن أراضيهم التي يجتاحها جيش الاحتلال، ويطالبون بحقهم الأصيل في دولتهم المغتصبة، وتتناسى واشنطن أن المقاومة إنما نشأت بسبب الاحتلال، وأنها تزول بزواله.
وفي محاولة لتفسير ذلك الموقف الأمريكي، ولماذا لم يأخذ شارون كلام بوش مأخذ الجد، يقول روبرت جولدمان- عضو مجلس الرئاسة العليا للمنظمات اليهودية الأمريكية: إنه التكتيك المتفق عليه بين الطرفين، فالرئيس الأمريكي بتصريحاته يكون قد سدد ما عليه- إعلامًا- لأصدقائه العرب، ويكون قد منح شارون بعض الوقت للتصرف بسرعة وإنهاء ما بدأه، ثم ينسحب بعد ذلك، وهو ما كان سيفعله سواء صرح الرئيس بوش أم لم يصرح، وخلاصة هذا الرأي أن واشنطن هي التي أعطت الضوء الأخضر لشارون لارتكاب المذابح والتنكيل بالفلسطينيين لكسر إرادة المطالبة بالدولة الفلسطينية ذات السيادة، والقبول بما يرمي به إليهم الصهاينة من فتات.
الرأي الثاني في تفسير الموقف الأمريكي، يرى أن للولايات المتحدة مطامع استعمارية توسعية ضخمة، تفوق ما كان لقوى الاستعمار القديم، وهي تتصرف من هذا المنطلق في مختلف بلدان العالم، لكن إدارتها الحالية لا تملك القدرات السياسية التي تجعلها تتحمل المسؤولية المناطة بها، وهي لا تتورع عن الوقوع في أخطاء فادحة من قبيل تأييد مجرم الحرب شارون، إذا وجدت أن ذلك يجلب لها رضا المنظمات اليهودية، وبصرف النظر عما يمكن أن يسببه ذلك الموقف المنحاز من إضرار بالمصالح الأمريكية في مختلف بلدان العالم الإسلامي، فتسليم واشنطن بالهزيمة أمام شارون، يعني تلقائيًّا من وجهة نظر كثير من العرب والمسلمين أنها راضية وموافقة على جرائمه، وإذا كانت الإدارة الأمريكية مصرة على تحدي الإرادة العربية والإسلامية بانحيازها الفاضح للصهيونية، فعليها أن تتوقع في المقابل ردود الأفعال المنضبط منها وغير المنضبط التي يمكن أن تخرج من شعوب ترى ظلمًا بواحًا وحقوقًا مهدرة، وتنكيلًا بلا حدود بالضعفاء من أصحاب الحق، وسكوتًا عن قول كلمة الحق فضلًا عن السعي لتطبيقها.
وبقيت كلمة... فقد أثبتت الأحداث الفلسطينية أن أكثر الأسلحة نجاعة في أيدي الفلسطينيين هو سلاح الشهادة الذي يراق فيه الدم في سبيل الله، ثم الدفاع عن العرض والأرض والممتلكات، وأكثر ما يغيظ العدو ويريد أن يوقفه بكل السبل هو روح الشهادة التي تسري بين إخواننا الفلسطينيين، بل بين مختلف المسلمين الذين يتمنون مشاركة إخوانهم في فلسطين جهادهم.
إنه المعنى المهم الذي يجب أن يفهمه الجميع: أن الاستشهادي أقوى من "الميركاف" و"الإف 16" و"الأباتشي" وأن الروح التي تصعد إلى بارئها شهيدة أقوى من كل الأسلحة المادية على الأرض.
والحمد لله أن هذا السلاح الناجع يملك منه الفلسطينيون والمسلمون المظلومون الكثير.
﴿ وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾(آل عمران: 169، 170)
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل