; مذكرات مناحم بيجن فلسفة القوة أو جذور الصهيونية (4 من 6) | مجلة المجتمع

العنوان مذكرات مناحم بيجن فلسفة القوة أو جذور الصهيونية (4 من 6)

الكاتب حلمي محمد القاعود

تاريخ النشر السبت 03-فبراير-2007

مشاهدات 51

نشر في العدد 1737

نشر في الصفحة 42

السبت 03-فبراير-2007

يحكي «مناحم بيجن» قصة نسف فندق الملك داود منتصف عام ١٩٤٦م، ولهذه القصة أهمية خاصة، إذ تكشف بصورة دقيقة عن الفكر الصهيوني في دمويته وإجرامه، وفي الوقت نفسه تعبر عن قدرته على التدليس والظهور بمظهر إنساني يغلف نشاطه الإرهابي الوحشي.

كان فندق الملك داود في القدس الشريف مقراً لقوات الاحتلال البريطاني في فلسطين ويصوره «بيجن» بأنه صار قلعة منيعة في قلب المدينة، كما افتتحت الشرطة العسكرية ومكتب التحقيقات مركزي رئاستهما في المبنى المجاور للفندق، وعسكرت وحدة قوية من الجيش في الفضاء الواقع بين المبنيين، مع وجود نقاط للحراسة الدقيقة الدائمة.

يبالغ بيجن في مناعة الفندق وما حوله، لدرجة أن القائد الإنجليزي «كاتلنج» كان يفاخر قبل هجوم الأرجون بأن العصابات اليهودية لن تأتي وسيرحب بها، ولكن «بيجن» يفاخر في المقابل مع الشماتة بأنهم جاؤوا، وأن ترحيب «كاتلنج» قد تبخر عندما تطاير مبنى الفندق في الهواء، ونجا مع رئيسه «جيلز» بأعجوبة.

يطنب بيجن في التخطيط للعملية، من حيث الاستكشاف والاتفاق مع القيادة اليهودية، يسميها قيادة حركة المقاومة!، واستخدام المتفجرات وجهاز التفجير، وتحديد اللحظة التي سيتم فيها الانفجار، والاسم الحركي للعملية «شيك» «تصغير محب»، والاسم الحركي لعملية أخرى لتفجير عمارة إخوان داود الشهيرة التي كانت تستخدمها حكومة الاحتلال وهو «عبدك ومنقذك».

ثم يفلسف الدموية والتوحش الآن «الدفاع عن النفس»، ولكنه يشير إلى أن كتاب «الهاجاناه» - منافسي الأرجون - كانوا ينشدون إيجاد علاقة رياضية من نوع ما بين «الهجوم» و«الأخذ بالثأر »، ويذكر إحدى معادلاتهم: مدى الانتقام يساوي مقدار الهجوم، ويدلل على تطبيق هذه النظرية بمعرفة العصابات اليهودية، إذا كانت محطة مراقبة جفعات أولجا، ومحطة رادار حيفا تتدخل في المهاجرين، فإن محطة المراقبة ومحطة الرادار يجب تدميرهما، وكان قادة العصابات يردون على الجماعات التي تعارض «الكفاح المسلح» - كما يسميه - وترفض مثلاً نسف خطوط السكك الحديدية وتخريب منشآت قوة شرطة فلسطينية خفيفة الحركة، بأن الخطوط الحديدية تحمل القطارات التي تجلب الجنود الذين يطاردون المهاجرين، أما سيارات قوة الشرطة الفلسطينية خفيفة الحركة فإنها تحمل رجال الشرطة الذين يندفعون للقبض على المهاجرين، وإلى المستعمرات الاشتراكية لتفتيشها .

ويفسر بيجن الموافقة على عملية نسف فندق الملك داود بأنها كانت نتيجة لمعادلة «مدى الانتقام يساوي مقدار الهجوم»، حيث احتل البريطانيون في ٢٩/٦/١٩٤٦ مقر رئاسة اليهود، يقصد الوكالة اليهودية، لذا يجب الرد على المحتلين بمنطقهم نفسه، وهو نسف الفندق الذي توجد فيه رئاستهم. يلاحظ أن بيجن يضخم من حجم العملية وآثارها، لدرجة أنه يشك أن لها نظيراً في التاريخ.

ويؤكد أنهم لم يكونوا يحتملون الفشل بسبب أن الحيرة انتابت جانباً كبيراً من الناس بعد ضربة باركر - القائد الإنجليزي لمكاتب الوكالة اليهودية - كانت ضربة شديدة، وأطلت الانهزامية برأسها المميتة في صفوف اليهود - كما يــقول بيجن - وبدأ الناس يتساءلون عن إمكانات محاربة البريطانيين، وأبدى كثير منهم اليأس نتيجة أي كفاح،  أدركنا - يتحدث بيجن - أن الثقة بالنفس لدى اليهود لن تعود إلا بهجوم مضاد ناجح رداً على ضربة باركر، فانغمسنا بحماس في إعادة فحص كل تفاصيل العملية بناء على طلب الهاجاناه، استعنا بقدرات «جيدي» الهائلة إلى أقصى ما يمكن.

تحولت أوعية اللبن البريئة إلى حاملات للمواد شديدة الانفجار، وصار التأكد من عملها المزدوج أمراً مهماً، فوضع جهاز لتحديد زمن الانفجار، بعد نصف ساعة على وضع الأوعية في أماكنها ، ووضع جهاز آخر لتأمين الأوعية ضد أي محاولة لإزالتها أو إبطال مفعولها، وقع اختيارنا على الوقت الباكر، الحادية عشرة صباحاً، حيث كان يسهل وقتئذ أن تنسق هجومنا على خطة هجوم «جبهة تحرير إسرائيل» على مبنى «إخوان داود » - عملية العبد والمنقذ - فقد كان واضحاً أنه يجب تنفيذ هاتين العمليتين في آن واحد، وإلا تداخلت إحداهما في الأخرى.

في تمام الساعة الثانية عشرة يوم ٢٢ يوليو ١٩٤٦م، قامت وحدة الاقتحام تحت قيادة «جدعون القدس» مرتدية ملابس عمال الفندق بالهجوم بشجاعة عظيمة، ونفذت واجباتها بأناقة تامة !! كما يقول بيجن - أحضروا أوعية اللبن حتى طريق الاقتراب من الفندق ثم انقسموا بعد ذلك إلى جماعتين: جماعة للاختراق، وأخرى للتغطية، وفي الساعة الثانية عشرة والدقيقة السابعة والثلاثين بدت المدينة كلها وكأنها ترتجف - لم يقع أي خطأ - كانت قوة الانفجار أكثر مما كان متوقعاً، كان إسحاق صادق يشك فيما إذا كان الانفجار سيصل إلى الدور الثالث أو حتى الدور الثاني، ويزعم جيدي أن خمسمائة رطل من المواد المتفجرة - المركبة من تي إن تي والجلجنايت - وضعت في أوعية اللبن، ما كانت تحدث ذلك الانفجار الهائل، لولا أن إفراغ الدور الأسفل المحصور يزيد قوة الغازات المتسربة، وبالتالي سيصل الانفجار إلى السطح، وقد وصلت أوعية اللبن بالفعل إلى ارتفاع المبنى كله من الدور الأسفل إلى السطح، ستة طوابق من الحجارة والخرسانة والصلب، أو على حد تعبير الإذاعة البريطانية، لقد قطع جناح المبنى الضخم بتمامه كما لو كان يقطع بسكين!

قتل وأصيب عدد كبير «أكثر من مائتي شخص» وكان من بين الضحايا عدد من كبار الضباط البريطانيين، ويذرف «بيجن» دموع التماسيح على المدنيين الأجانب الذين «لم نكن نود إيذاءهم» والمدنيين اليهود الخمسة عشر الذين سقطوا بصورة مفجعة، وكان من بينهم أصدقاء صالحون، «لقد شاب إحساسنا بالرضا لنجاح العملية العظيمة (؟) إحساس المرارة في الوقت نفسه، ومرة أخرى لقد عانينا أياماً مؤلمة وليالي مؤسفة بسبب الدعم الذي أُهدر، وكان حرياً به ألا يهدر»!.

ويضيف بيجن: «بعد العملية مباشرة غمرت العالم بأسره أكاذيب تقشعر منها الأبدان، وكان تحت تصرف مروجي الدعايات جهاز قوي، أما نحن فماذا كنا نملك؟ كتبت صحيفة المقاومة السرية «حيروت» بعنوان «معركة الحق»: استمرت المعركة!! ولسوف تروج بوصفها واحدة من أعظم المعارك في تاريخنا، لم يكن الخصوم دبابات أو قوات مسلحة تتقاتل معاً، إنما كان الخصوم ذلكما الخصمين القديمين اللذين كانا يتقاتلان منذ بداية الزمان: الحق والباطل... وكالعادة لم تكن القوتان المخاصمتان متكافئتين، فمن وراء الباطل وقفت أجهزة الدعاية الهائلة لإمبراطورية قوية مترامية الأطراف، تمتد رقعتها عبر العالم، ومحطات الإذاعة التي يصل صوتها إلى جميع الأنحاء، ومئات الصحف والبرلمانات والحكومات والسفارات، كما هبت لمؤازرة الباطل الصحف اليهودية التي يرثى لها المؤسسات اليهودية التي انتابها الذعر والشخصيات التي ارتعدت فرائصها، كانوا جميعاً يصرخون ويصيحون وقد جعلوا أصابعهم في آذانهم... جميعاً يتنافسون وقد انهمكوا بحثاً عن أقوى كلمات الاستنكار وأعنف عبارات السباب وأقذع ألفاظ المهانة.

لقد بدا أن المعركة خاسرة.. خاسرة! كانت معركة شديدة بدت فرصتنا لكسبها متناهية في الضعف، إلا أن الصحف الصريحة المتواضعة تغلبت على أجهزة الدعاية القوية الكاذبة.. فما أعظم الحق! ».

يقلب بيجن الباطل حقاً، ويستخدم بلاغته في تصوير نفسه وعصابته المجرمة بالأقلية المظلومة، ويضفي على نفسه وأتباعه معالم شجاعة خارقة، في الوقت الذي ترتعد فيه فرائص غيره من الشخصيات المرموقة والمؤسسات الكبيرة، ولكنه في غمرة التضليل والنرجسية، يكشف عن بعد عميق، مازال البعض في عالمنا العربي لا يعترف به، وهو توزيع الأدوار بين العصابات اليهودية لمواجهة أعدائهم أو ضحاياهم بمعنى أدق والعالم.

يتكلم بيجن كثيراً عما يسميه بالتشهير بالعملية ومنفذيها من قبل الصحف اليهودية «عل همشمار» التي طالبت بالتطهير، «وها أرتس» التي تحدثت عن ضرورة التحقيق الرسمي في عدم إخلاء الفندق وراح «بيجن» يحمل على

«بن جوريون» الذي وصف في حديث لصحيفة «فرانس سوار» الباريسية، منظمة أرجون بعدوة الشعب اليهودي «وهي دائماً تعارضني!»، ويشير بيجن إلى مشاورات واتصالات مع قادة المنظمات والشخصيات اليهودية البارزة حول العملية، وكلها تؤكد أن هناك اتفاقاً على العمل الإجرامي، مع توزيع الأدوار بين من ينفذ ومن يستنكر.

عندما قامت القوات البريطانية بإجراءاتها لملاحقة المجرمين، وشددت الحصار، وفرضت حظر التجول، اختفى بيجن حتى ظهر مرة أخرى، بعد القبض على اثنين من زملائه، ويفاخر بنفسه قائلاً : «وقد أُخبرت فيما بعد، أنه في أثناء حظر التجول الكبير في تل أبيب اجتمع عدد من الحاخامات الأرثوذكس في معابد تل بيب يصلون لله أن يحفظني من أولئك الذين كانوا يسعون إلى القضاء على حياتي.

لم يؤثر أي شيء في نفسي تأثيراً عميقاً مثل ما كان لهذا النبأ من الأثر».

بيجن إذا يجد مباركة وتأييداً من الطرفين: العلماني الي يقوده بن جوريون «الهاجاناه»، والديني الذي يقوده الحاخامات، فغاية الفرقاء جميعاً هي أرض الميعاد - كما يسمونها - بأية وسيلة وبأي ثمن!.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 2

4364

الثلاثاء 24-مارس-1970

فلسطين