العنوان متى نمارس مسئوليات النقد التربوي بشكل صحيح؟
الكاتب عبدالله خليل شبيب
تاريخ النشر الثلاثاء 13-يناير-1976
مشاهدات 85
نشر في العدد 282
نشر في الصفحة 42
الثلاثاء 13-يناير-1976
الميزان الإسلامي للنقد التربوي موضوع التربية «الإنسان»
إذا كان موضوع كل شيء يحدد قيمته فإن التربية- ولا شك- تقفز إلى قمة الاهتمامات الإنسانية حيث إن موضوعها هو سيد الكون وأهم عنصر في الوجود «الإنسان» الذي كرمه الله- تعالى- وفضله على كثير ممن خلق تفضيلًا كما قال- جل شأنه-:
﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾) الإسراء:70)
أهداف التربية:
- وتنطلق النظريات التربوية نحو هدف أو أهداف تحددها نظرة حضارية معينة تتكيف بطريقة يعرفها علماء الحضارة والعمران والتربية والتاريخ.. وتنبع من واقع الأمة وتاريخها ومعتقداتها ومصالحها واحتياجاتها ومختلف ظروفها.. وتكون مسترشدة بهدي السماء وتعاليم الأنبياء كما هو الحال في التربية الإسلامية الربانية المنبع والمصب من حيث إنها نابعة من وحي الله.. وتوجه موضوعها «الإنسان» إلى الله بجعله ربانيًا.. مما جعل لهذه التربية سمات خاصة ونهجًا خاصًا جعلها تختلف عن جميع المناهج التربوية البشرية الوضعية في أصولها وأهدافها ونتائجها.. وإن توافقت معها في بعض التطبيقات والملابسات.
التربية: نظريات:
والتربية بمعناها العام.. وإن كانت قد بذلت فيها جهود ضخمة. ولكنها لم تبلغ مبلغ العلم بالمعنى التجريبي.. وكثير من نظرياتها عرضة للتغيير والتبديل مع تغير الزمان والمكان والظروف.. مما جعل الآراء تختلف في كثير من نواحيها.
شمول التربية:
والتربية بمعناها الحديث تشمل جميع نواحي حياة الإنسان وليس العلم فقط مما دفع بعض وزارات التربية إلى حذف كلمة التعليم من اسمها على اعتبار أن التعليم جزء من التربية يتعلق بالعقل والفكر ومهمة المدرسة مهمة عقل وسلوك وخلق وليس لمجرد حشو عقل التلميذ بالمعلومات الجافة وإن كونت العلوم المدروسة لب التربية ووجهتها باعتبار أن الإنسان ككائن حي مرن يؤثر ويتأثر بما حوله وينطبع في كثير من الأحيان بثقافته ومعلوماته التي تساهم إلى حد كبير في تكوين آرائه ونظرته إلى الحياة وإلى الأمور.
ولكن التربية التي تكيف سلوك الإنسان لا تقتصر على المدرسة. بل تمتد إلى البيت بل تبدأ من البيت وتتصل بالمجتمع ولا شك في أن لكل شخص سلوكه الخاص أو العام النابع من تربيته سواء دخل المدرسة أم لم يفعل.
النهج التربوي أساس للنقد:
ومن هنا فإن لكل مجتمع نهج خاص تربوي معين كما أسلفنا يحدد سلوك أفراده ويبين ما هو خطأ أو صواب.. حق أو باطل، حلال أو حرام، مقبول أو مرفوض.. إلخ
ونجد الفرد في المجتمع إذا خالف مألوفًا أو اخترق حدا متعارفًا على التزامه واجه من المجتمع عاصفة بل عواصف من النقد والضجيج مما يؤثر في نظرة الناس إليه وتقييمهم قد يؤثر على مجرى حياته.
الغزو الأجنبي الشامل يحدث بلبلة عامة:
ونحن في الشرق عامة وفي العالم العربي والإسلامي خاصة قد ابتلينا بغزو أجنبي مركب شرس لم يقتصر على النواحي العسكرية بل جاوزها إلى النواحي الأخرى الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية والفكرية ونحوها مما هو أخطر وأفتك من أي غزو عسكري.. وكان من مخطط الأعداء أن يروج لدينا كل ما هو ضار ويحرم كل ما هو نافع.. -إلا بقدر وحسب الخطة- ومن هنا فقد تخلفنا عن الغرب في النواحي العلمية ونقلنا عنه وبسهولة نظما وعادات وسلوكًا ومناهج غريبة عنا وعن بلادنا.. ولكن صار لها مروجون ومدافعون.. حتى اختلط الحابل بالنابل وتساوى العالي والسافل واضطربت كثير من القيم واختلت الموازين.. واختلف حتى في البديهيات.. ونشأت أنماط مختلفة من السلوك والأزياء والعقائد والأفكار وغيرها تبعًا لاختلاف مصادر النقل والتأثير الإعلامي والثقافي والتربوي حتى أصبحت بعض وسائل التربية يهدم أو يناقض بعضها بعضًا.. فلو استعرضنا مثل البيت والمدرسة والمسجد ووسائل الإعلام.. كمؤثرات تربوية لوجدنا كثيرًا من التناقض والتعارض بين ما يراه الإنسان ويسمعه في كل من تلك الموجهات وغيرها..
من أسباب اختلال موازين النقد:
ولعل هذا الاختلال في الموازين والاختلاط في الأمور من أهم الأسباب التي جعلت الناس لا يتفقون في كثير من الأحيان على نهج نقدي معين.. وبالتالي يزهدون فيه. فما دام المجتمع لا يجمع على نظرة تربوية معينة.. فعلي أي أساس سينقد تطبيقاتها إذ إن الأمر من الاتساع بحيث يكاد كل مخطئ أو مصيب أن يجد مبررًا لعمله واتجاهه.
ومن هنا فقد ضاق نطاق نقد المجتمع لوسائل التربية كالمدرسة مثلًا وذلك لأسباب- إضافة إلى ما أسلفنا- منها:
1- انتشار السلبية في المجتمع نتيجة لأوضاع وظروف يطول شرحها حتى عاد كل إنسان لا يكاد يهتم بالآخرين إلا بقدر فكأنه يعيش في عالم وحده.
2- سيطرة المصلحة الشخصية والأنانية الذاتية على كثير من الأمور فكثير يرون الأشياء من خلال مصالحهم.. وفي ضوئها ينقدون ويمدحون أو يقدحون.
3- ضيق الأفق أحيانًا وانعدام النظرة المتعمقة إلى الماضي أو المستقبل.
4- انعدام الفكر الحضاري الموحد مما أضاع حضارة أمتنا الحقيقية في صراع بين أخطاء موروثة وأساليب قديمة كانت نتيجة انحرافات ومجافاة للإسلام فظن أنها منه.. وبين نظريات وافدة يراد لها أن تنبت في غير أرضها وتربتها.
مسؤولية النقد في ظل النظرية التربوية الصحيحة:
بقي أن نقول: إن النظرة النقدية الصحيحة إلى العملية التربوية في مجتمعنا هذا- لا بد من أن تنطلق من قاعدة فكرية إسلامية مستنيرة.. علمًا بأن الإسلام ينظر إلى التربية نظرة شاملة لا بد أن تهتم بالإنسان كله: روحه وجسمه وعقله.. بحيث لا تجور ناحية منها على الأخرى.. وهذا هو ميزان النقد إذ يجب أن تبقى تلك النواحي الثلاث متوازنة في الإنسان.. وكل اختلال في حياته وسلوكه يكون من اختلالها.. وهكذا يعرف كل مواطن واجبه ومسؤوليته كعضو في المجتمع لديه منظار مضيء يربي فيه مسئولية النقد والتوجيه فتنشأ أجيال سوية مارست مسؤولياتها في حرية وتربت على الحرية والمسؤولية
عبد الله خليل شبيب