العنوان حتى لو نزعنا جلودنا: ماذا سيقدم لنا الكيان الصهيوني؟
الكاتب محسن محمد صالح
تاريخ النشر الثلاثاء 16-مايو-1989
مشاهدات 69
نشر في العدد 916
نشر في الصفحة 29
الثلاثاء 16-مايو-1989
من قصص الأدب العربي الطريفة التي يمكن أن تعطي إيحاء سياسيًا، قصة ذلك البخيل المروزي - من مدينة مرو - الذي نزل في ضيافة أحد تجار بغداد وهو في طريق عودته إلى بلده، فأكرمه التاجر أيما إكرام وخصه بكل عناية ورعاية وقضى له حاجاته، وعندما أراد البخيل المغادرة قال لصديقه التاجر البغدادي: إذا أصابتك حاجة یا صديقي أو فاقة فلا عليك إلا أن تزورني في "مرو" وستجد مني كل رعاية وإكرام، وما لبث أن أصابت ذلك التاجر الحاجة وكسرت تجارته، فيمم وجهه شطر "مرو" حتى وصل بعد جهد وعناء إلى مكان "البخيل المروزي " وهناك سلم عليه فلم يلتفت البخيل إليه ولم يتعرف عليه، فأخذ يذكره بنفسه وكيف نزل في ضيافته وكيف أکرمه وكيف.... وكيف، ولكن البخيل بقي على إنكاره !! فظن التاجر المسكين أن البخيل ربما لم يعرفه بسبب ملابسه فنزع عمامته فلم يتعرف عليه ثم نزع جبته فلم يتعرف عليه، ثم أراد التاجر أن ينزع مزيدًا من القطع فربما تعرف البخيل إليه... عند ذلك سارع البخيل قائلًا له: " يا هذا لو خرجت من جلدك ما عرفناك" !!
تساؤلات:
ولا شك أن الجشع والبخل من صفات اليهود
المشهورة وما قصة "تاجر البندقية " عنا ببعيدة، ولكن إذا أردنا أن نخرج
من الإطار «المالي» إلى الإطار «السياسي» ونسأل أنفسنا... ترى ماذا يمكن أن يقدم
اليهود للعرب من عروض للتسوية؟ خاصة وأن العرب من طرفهم قدموا العديد من التنازلات
وأصبحوا أكثر توافقًا مع الشروط الأمريكية والدولية، وبالذات بعد قرارات المجلس
الوطني الفلسطيني الأخيرة المتضمنة اعترافا بقرار ٢٤٢ و۳۳۸ولقاء عرفات بوفد من الشخصيات اليهودية
الأمريكية في ستوكهولم، حيث أُعلن هناك اعتراف بوجود دولة إسرائيل»؟! وهل سيضطر
الجانب العربي إلى مزيد من «التعرية السياسية حتى يتم التعرف عليه أو الاعتراف
به؟! وهل سيصل الأمر بنا إلى نزع ورقة التوت وربما إلى الخروج من جلودنا على أمل
أن يرضى اليهود؟!
نظرة في العقلية والواقع الإسرائيلي:
إن دراسة العقلية اليهودية والاطلاع
على حقائق الواقع تؤكد على الأطماع الإسرائيلية التوسعية، وعن طبيعة العداء
المستحكم بين اليهود وبين المسلمين بل وبين كل ما هو إنساني وذلك - لاعتقادهم - في
توراتهم المحرفة - أنهم شعب الله المختار، وأن الله خلق البشر لخدمتهم. ولم يقل
هرتزل - أبو الصهيونية - جديدًا عندما تحدث عن فكرة الدولة اليهودية في أواخر
القرن التاسع عشر، مؤكدًا أنها ستتسع بشكل دائم ومتناسب مع زيادة عدد اليهود فيها،
وإنما أشار إلى ما يؤمن به اليهود في توراتهم المحرفة من أن "أرض إسرائيل من
الفرات إلى النيل".
ومما يثير الاهتمام تلك الخريطة التي
وجدت في خزائن روتشيلد (أحد دهاقنة اليهود في أوائل هذا القرن) والتي تحدد الأطماع
اليهودية في البلاد العربية الإسلامية، حيث تضم الخريطة فلسطين والأردن ولبنان
وسوريا وجزءا من جنوب تركيا والعراق وشمال الكويت وشمال السعودية بما فيها (خيبر
والمدينة المنورة) وجزءًا كبيرًا من مصر !!... هذا قبل أن يكون لليهود دولة أو
سلطان على الأرض؟!
وعندما قدمت الحركة الصهيونية تصورها
عن الحد الأدنى من مطالبها في مؤتمر الصلح في فرساني بفرنسا المنعقد عام ۱۹۱۹ فقد تضمن تصورها جميع فلسطين وجنوب
لبنان وجنوب سوريا وجزءا كبيرًا من شرق الأردن!!
وإذا كانت الحركة الصهيونية قد اتبعت
التكتيك المرحلي في التوسع والسيطرة فإنها في الوقت نفسه لم تحدد حدودًا "
للكيان الإسرائيلي" عندما أعلنته في ١٥ مايو ١٩٤٨ ولا يزال هذا الكيان حتى
الآن دون حدود»!!
وحتى البرنامج الانتخابي
"لليكود" - أكبر الأحزاب الإسرائيلية - لانتخابات نوفمبر ۱۹۸۸لم ينس الإشارة إلى ما يعتبره حق
إسرائيل في شرق الأردن وأن الأردن أرض إسرائيلية محتلة!!
وعندما تحدثت اتفاقيات كامب ديفيد
الموقعة في ٢٦ مارس ١٩٧٩ عن الحكم الذاتي للفلسطينيين فقد اعتبرت الضفة الغربية
والقطاع أرضًا إسرائيلية»!!
أما الواقع الإسرائيلي الحالي فهو يعكس
مزيدًا من التطرف على الصعيد الرسمي والشعبي، هذا ما أظهرته استطلاعات الرأي العام
الإسرائيلي، وما أفرزته الانتخابات الإسرائيلية من إبراز للأحزاب الدينية، وما
تذكره تصريحات زعماء اليهود يومًا بعد آخر. ومن أمثلة ذلك تعاظم أعداد المؤيدين
لطرد الفلسطينيين خارج أرضهم بنسبة تزيد على 50%، وزيادة المطالبين بإجراءات أكثر
تشددًا وقوة لقمع الانتفاضة الفلسطينية....
قرارات المجلس الوطني الأخيرة والموقف
الإسرائيلي:
على الصعيد الفلسطيني لم تكن القرارات
الأخيرة للمجلس الوطني المتمثلة في إعلان الدولة الفلسطينية وفي الموافقة على قرار
مجلس الأمن ٢٤٢ بما يتضمنه من الموافقة على حق «إسرائيل» في الوجود وفي العيش
بأمان مع جيرانها في المنطقة، وعلى جزء يصل إلى حوالي ۷۸٪ من أرض فلسطين الأرض المحتلة عام
١٩٤٨، لم تكن هذه القرارات الحلقة الأولى في سلسلة أطروحات المنظمة لتحقيق تسوية
سلمية في المنطقة، والتي كانت عادة ما تقابل بصلف إسرائيلي وتعنت أمريكي!!
فقد كان الطرح الأول لمنظمة التحرير
إقامة دولة عربية فلسطينية على كل فلسطين من النهر إلى البحر واعتبار القتال
المسلح الطريق الوحيد لتحرير فلسطين غير أن هذا الطرح ما لبث أن خفت حدته في أوائل
السبعينيات لتظهر المطالبة بدولة ديمقراطية علمانية للمسلمين والمسيحيين واليهود
في فلسطين، حيث ظهر ذلك بشكل جلي في خطاب ياسر عرفات في الأمم المتحدة في ١٤ -
نوفمبر ١٩٧٤ والذي أعلن فيه أيضًا أنه جاء بغصن الزيتون بيد وبالبندقية باليد
الأخرى، ثم تطور الطرح إلى إقامة دولة فلسطينية على أي جزء يتم تحريره وهو الطرح
الذي أخذ يسود بعد منتصف السبعينيات.
أما بعد الاجتياح الإسرائيلي للبنان في
صيف ۱۹۸۲ وما نتج عنه من ضرب وتشتيت للقوة العسكرية
الفلسطينية، فقد أخذ يغلب الطابع السياسي على عمل المنظمة وكان ما عرفناه من
قرارات قمة فاس، ثم قرار الاتحاد الكونفدرالي الأردني الفلسطيني وإلغائه، وكذلك
التركيز على المؤتمر الدولي ليكون مظلة دولية للتسوية السلمية في المنطقة.
ولم تكن كل هذه "الملاينات"
و"التعديلات"، و"إلقاء الأوراق" لتقنع «إسرائيل» أو أمريكا
بتقديم أية تنازلات جدية من طرفهما.
واشترطت أمريكا لمجرد اللقاء بقادة
المنظمة أن تنبذ المنظمة الإرهاب!! وأن تعترف بحق إسرائيل في الوجود ضمن حدود
آمنة، وأن تعترف صراحة بقرار ٢٤٢.
وهكذا جاءت قرارات المجلس الوطني
الأخيرة لتحقق كافة الشروط والمواصفات الأمريكية للدخول في «عملية السلام».
ولكن... دون جدوى !!
فلم تعتبر الولايات المتحدة هذه
القرارات سوى خطوات إيجابية في طريق السلام الطويل أي أن المطلوب مزيد من
التنازلات، كما أنها لم تعتبر ذلك كافيًا للقاء بالمنظمة، بل إنها رفضت إعطاء أبي
عمار تأشيرة دخول لإلقاء خطابه في الأمم المتحدة، ولو كانت الإرادة الأمريكية جادة
في عملية السلام لما فعلت ذلك، ولما بقيت على عنادها بعد إدانة أكثر من ١٥٠ دولة
لها باعتبارها قد خرقت اتفاقية «المقر». أما «إسرائيل» فعلى مستوى أحزابها الكبرى
التي تمثل غالبية اليهود فقد رفضت القرارات الفلسطينية واعتبرتها محاولة لإرضاء
أمريكا وستارًا من الدخان يخفي وراءه العزم على تدمير إسرائيل... وهذا ما عبرت عنه
مواقف تكتل الليكود وحزب العمل.
وعلى ذلك فلم تحقق هذه القرارات نتائج
إيجابية مباشرة على الصعيد الإسرائيلي أو الأمريكي، ولم تكف إيضاحات أبي عمار في
ستوكهولم لإزالة «المخاوف الإسرائيلية» على الرغم من اعترافه الصريح «بإسرائيل» بل
إن الأوساط الإسرائيلية اعتبرته «فخًا» لليهود الأمريكان والإرادة الأمريكية.
الضغط الدولي:
لقيت قرارات المجلس الوطني تعاطفًا
دوليًا واسعًا، واعترف بالدولة الفلسطينية ما يزيد على ٧٠ دولة، وأصبحت الكرة -
كما يقولون – في الملعب الأمريكي والإسرائيلي. ولكن... يبدو أن قوانين اللعب
مختلفة عند الأمريكان والإسرائيليين ويبدو أنهم لا يحبون أن يلعبوا معنا الكرة
بقدر ما يحبون أن نكون الكرة التي تتقاذفها الأقدام!!
التعاطف الدولي مع القضية الفلسطينية
ليس أمرًا جديدًا، وهناك عشرات القرارات التي أجمع عليها المجتمع الدولي والتي
تطالب بالحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، وتدين الممارسات الإسرائيلية ضد شعبنا في
الأرض المحتلة، وتدين الإرهاب اليهودي خارجها وتساوي بين الصهيونية والعنصرية...
وغير ذلك.
لقد وقف مندوب الكيان الإسرائيلي في
الأمم المتحدة قبل سنوات بعد أن أدانت الأمم إسرائيل وأمسك بيده قرار الإدانة
وأعلن أمام جميع مندوبي الأمم المتحدة أن قرار الإدانة لا يعني شيئا للكيان
الإسرائيلي سوى هكذا... ومزق الورقة أمامهم!!
إن هؤلاء اليهود الذين لم يخجلوا من
قتل الأنبياء والكذب على الله سبحانه وتحريف التوراة ومحاولة صلب المسيح.... لن
يصابوا أبدًا بالإحراج الدولي ما دامت لا توجد قوة تجبرهم على ذلك... إن الأطماع
الإسرائيلية أكبر من أن تستجيب للضغوط الدولية خصوصًا وأنها تستند إلى دعم السيد
الأمريكي!! وإلى نفوذ اللوبي الصهيوني في أوروبا الغربية وإلى النفوذ الاقتصادي
الدولي لليهود، فضلًا عن نفوذهم الإعلامي على الكثير من وسائل الإعلام كوكالات
الأنباء وشبكات التليفزيون والسينما وغيرها، كما أن دول المعسكر الاشتراكي لا تملك
من جهتها أية ضغوط جادة التغيير السياسة الإسرائيلية، بل إن الاتحاد السوفيتي أخذ
يعيد علاقاته تدريجيًا مع الكيان الإسرائيلي، ويلحقه بشكل متدرج دول اشتراكية أخرى
مثل المجر وألمانيا الشرقية وغيرها، وليس بعيدًا عنا ما تتناقله الأخبار بين وقت
وآخر من العلاقات العسكرية وتبادل الخبراء بين الصين و«الكيان الإسرائيلي». كما أن
موازين القوى العربية الإسرائيلية والضعف والتشتت العربي وامتلاك اليهود للقنابل
النووية يشير بوضوح إلى رجحان ميزانهم العسكري.
وعلى ذلك فإن مجمل الضغوط الدولية لا
تشكل سوى «أمنيات» بالنجاح والتوفيق للجانب الفلسطيني... وهذا ما أكدته تجربة
أربعين عامًا من القرارات الدولية!!
العروض الإسرائيلية:
وفي ضوء المعطيات السابقة وفي ضوء
معطيات الانتفاضة المباركة على أرض فلسطين فإن اليهود ما زالوا يعرضون حكما ذاتيًا
شائهًا للشعب الفلسطيني على جزء من الضفة والقطاع (أقل من ٢٠%) مع رفضهم المطلق
للدولة الفلسطينية، وإصرارهم الأكيد على القدس باعتبارها عاصمة أبدية لكيانهم،
وهذا الحكم الذاتي يؤكدون في طرحهم له على بقاء المستوطنات وحق انتشار الدوريات
الإسرائيلية ومرابطة القوات الإسرائيلية على شرق الضفة الغربية وغير ذلك من الشروط
التعجيزية.
إن اليهود لا يريدون سلًاما حقيقيًا...
وإنما يريدون استسلاما يؤمن لهم كل ما يريدون.... ولماذا لا يطلبون ذلك وهم
يعتبرون أنفسهم الطرف الأقوى والذي تلعب مجمل الظروف الحالية لصالحه.
وفي رأيي إن عرض الحكم الذاتي في حد
ذاته لا ينفي الأطماع التوسعية الإسرائيلية وإنما يحقق هدفا تكتيكًيا يهوديًا
هامًا متمثلًا في تحقيق الاعتراف الرسمي الفلسطيني والعربي بكيانهم، وقتل روح
الجهاد في نفوس الشعب الفلسطيني والعربي، والاستقرار الاقتصادي والأمني والاجتماعي
لكيانهم، وإفساد الشعوب المجاورة وإلهائها بالمشاكل الطائفية والداخلية لينطلق
الكيان بعد ذلك في تحقيق أهداف مرحلية أخرى في التوسع والانتشار (لا سمح الله).
نحو استثمار أفضل للانتفاضة:
1 - إن «المراهنة» على الضغط الدولي أو على إحراج
إسرائيل لیست الجواد الرابح في الاختيار.
2- ولكن «المراهنة» الفلسطينية والعربية يجب أن
تنصب على دعم الانتفاضة وتقويتها وتوسيعها، كما يجب أن تهتم بشكل جاد وعميق بإعداد
الشعب للجهاد والقتال نفسيًا وتربويًا وعسكريًا، والتأكيد على طول المعركة مع
اليهود وأن النصر لا بد آت بإذن الله طال الزمان أو قصر.
3- وأن الانتفاضة الفلسطينية المباركة في الأرض
المحتلة تشكل نقطة إشراق عظيمة في التاريخ الفلسطيني والعربي الحديث، ودعم هذه
الانتفاضة وتطويرها مستقبلاً لتتحول إلى عصيان مدني وإلى ثورة شاملة تشعل الأرض
تحت اليهود نارًا يمكن أن يشكل أساسًا لانطلاقة مباركة نحو تغيير الواقع وإرغام
الصلف الإسرائيلي وإجباره على الانسحاب وعرض التنازلات.
ولا ينبغي أن نستعجل قطف الثمرات
السياسية إذا كنا في المقابل سنتنازل عن حقوق ثابتة في فلسطين المباركة سواء من
الناحية الشرعية أو التاريخية.
وأخيرًا فلا يجوز أن نقف مع اليهود
وقفة التاجر أمام البخيل (التي ذكرت في أول المقال)، لأن اليهود لا يطلبون أن نخرج
من جلودنا فقط أو أن يسلخوها، إنما يطلبون أن ننسلخ من الوجود ذاته لتحقيق مقولتهم
«شعب بلا أرض لأرض بلا شعب».