العنوان هل فكرت يومًا في تغيير نفسك؟ قواعد التغيير (3)
الكاتب د.طارق سويدان
تاريخ النشر السبت 16-أبريل-2005
مشاهدات 79
نشر في العدد 1647
نشر في الصفحة 58
السبت 16-أبريل-2005
هناك مجموعة أصول ومبادئ تكررت على مدى الزمان ولاحظها الذين درسوا هذا الموضوع وأصبحت شبه أصل، وهي كثيرة، ولكني سأذكر بعضها:
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ (الرعد: ۱۱)؛ لأن التغيير ينطلق من داخل النفس ولا يفرض على الإنسان. التغيير المادي أسرع من التغيير الفكري. فمثال الأول أن ابني منزلًا جديدًا أو أغير السيارة أو الأثاث.. فهذه مسائل أسهل كثيرًا من أن أغير فكر أمة.. ولذلك من الخطأ الذي يقع فيه من يحاولون أن يسرعوا من عجلة الحضارة أنهم يركزون كثيرًا على قضية المادة، ونحن نرى أنه في مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم لم يهتم ببناء البنايات الضخمة والعمارات الشاهقة والآثار العمرانية التي تبقى عبر الزمن لا في المدينة المنورة ولا في مكة، فلم تكن هذه قضية الرسول صلى الله عليه وسلم ، ولكن كان اهتمامه بالفرد وبالتغيير الفكري ولذلك انطلقت حضارة الأمة من مكة والمدينة شرفهما الله، لأن التغيير الفكري هو الذي تأصل ثم نتج عنه التغيير المادي.
ونجد في قصص الأنبياء أن إبراهيم عليه السلام كسر الأصنام التي كان يعبدها قومه، ولكن محمدًا -صلي الله عليه وسلم- لم يكسر الأصنام التي كانت تعبدها قريش في المرحلة الأولى من الدعوة مع أن تكسير الأصنام مطلوب، ونبي الله إبراهيم عليه السلام فعل شيئًا صحيحًا وهو القضاء على هذا الشرك لكن محمدًا صلى الله عليه وسلم فعل الشيء الأكثر فاعلية.. فنبي الله إبراهيم بعد أن فعل ذلك ألقي في النار وتم نفيه من بلده.
ومحمد -صلي الله عليه وسلم- عمل على تغيير الفكر إلى أن وصل إلى مرحلة أن الذي كسر الأصنام هم خالد بن الوليد وعمرو بن العاص وغيرهما من الذين كانوا يعبدونها من قبل.
إذن كثير من الناس خاصة المتحمسين والشغوفين بالفكر الغربي وبالنهضة المادية الغربية يريدوننا أن نستعجل الخطوات في الانطلاق نحو التغيير المادي، وهذا أسهل ما يمكن لكن المشكلة الكبيرة في تغيير الإنسان، فأنا أستطيع أن أبني ناطحة سحاب وأملاها أجهزة كمبيوتر، لكن إذا كان ساكنوها متخلفين فما فعلت تغييرًا حقيقيًا للحضارة والأمر الأصعب هو تغيير الفكر.
● دور العلماء
وهنا يأتي دور علماء العلوم الإنسانية, فالذي يغير الفكر ليس الأطباء ولا المهندسون ولا أهل التكنولوجيا «رغم مكانتهم العظيمة في الحضارة» لكن أهل الأدب والإعلام والفلسفة والاجتماع والدعوة والعلم والفكر وعلى رأسهم علماء الشرع وهم الذين يغيرون فكر الأمة، فإذا تقاعس هؤلاء أو أصبحوا مقلدين للفكر الغربي فعلى الأمة السلام.
فالخطورة لا تأتي من الأطباء أو المهندسين، ولكن تأتي من أن ينمسخ هؤلاء المفكرون أصحاب العلوم الإنسانية «يصيرون مسخًا» فتنمسخ الأمة معهم، ومن هنا تأتي خطورة المناهج التي تطبق بالجامعات في جانب العلوم الإنسانية، فليس هناك مشكلة في أن آتي بعلم الهندسة من الغرب أو علم الطب والأعضاء، ولكن الخطورة أن أتي بالفلسفة الغربية وأطبقها في عالمنا الإسلامي؛ لأن الفكر هو الذي ينهض بالأمم ويصنع الحضارات.
وهذه مسألة لا يمكن استعجالها، ولكن يجب التريث فيها حتى تطبخ على نار هادئة إلى تنضج. والمطلوب من العلماء والمفكرين ألا ييأسوا، وأن يستمروا في محاولاتهم، أما إذا فقد هؤلاء الأمل فعلى الأمة السلام.
انظروا إلى تاريخ المصلحين على مدى الزمان, وعلى رأسهم الأنبياء عليهم السلام سنجد بوضوح أن العملية التي قام بها هؤلاء ليست تغييرًا ماديًا وإنما فكريًا، ومن ذلك نهضت الحضارات.
أيضًا من قواعد التغيير أن الطموحين والمثقفين لديهم استعداد أكبر من غيرهم للتغيير- فالإنسان قليل الثقافة والطموح يرضى بالواقع ويحكمه هذا الواقع ويأسره. والذي يقود عملية التغيير هم أهل الفكر والطموح, والمشكلة الكبرى أن يصبح أهل الفكر بلا طموح وهذا الذي حدث في الأمة على مدى طويل.
سرعة انهيار الحضارات
وعند تأملي للتاريخ وجدت أن الأمم تأخذ وقتًا طويلًا إلى أن تصل إلى القمة وتنهار في وقت قصير جدًا، انظروا إلى حضارات بابل والإغريق واليونان تجدوا هذا واضحًا. بعكس ما حدث للإسلام الذي ساد الأرض في مائة عام ثم أخذ يتقدم ويزداد إلى أن وصل إلى قمة الحضارة.. وعندما انهار وصار التخلف والانحطاط في الأمة أخذ حوالي ٨٠٠ عام لماذا؟ لأن كل الحضارات الأخرى قامت على مثقفين وفلاسفة وقادة عسكريين وملوك عظام استطاعوا أن ينهضوا بهذه الحضارة، وبناؤهم لها كان بطيئًا لأنهم لا يملكون المنهج الفكري الذي يوصلهم إليها، وعندما مات هؤلاء انهارت حضارتهم.
أما الحضارة الإسلامية فإن قوتها ليست في رجالها بقدر ما هي في أصل المنهج العظيم الذي يتوافق مع طبيعة البشر ومع العقل، والمنطق، والفلسفة، والتكنولوجيا.
وعلماء الغرب وقعوا في صراع غير عادي لأنهم عندما أرادوا أن ينهضوا تصادموا مع الكنيسة.
أما في الإسلام فإن الذين قادوا صناعة الحضارة هم علماء الدين، لذلك فإن من أكبر ما يقع فيه المفكرون من خطأ هو المقارنة بين حضارة الإسلام والحضارات الأخرى، فليس هناك وجه للمقارنة، فالحضارة الإسلامية تمتلك منهجًا يختلف اختلافًا جذريًا عن كل مناهج الأرض, ويخطئ من يحاول أن يقيس الدولة الإسلامية بالدولة الغربية، لأن الدولة الإسلامية تحمل توافقًا بين الدين والدنيا وبين الفكر والواقع.
وإذا وجد لدينا أصحاب فكر فهذا يجعلنا نطمئن إلى أننا نسير في الاتجاه الصحيح، والحمد لله أن أصحاب الفكر لدينا في ازدياد.
وإذا عدنا للحضارة الإسلامية فإننا نرسم مخططًا سريعًا لها:
- نهضة سريعة غير عادية في أقل من 100 عام.
- عام ٩٢ هـ فتح الأندلس، ثم نهضة عظيمة بمعدل أبطأ استمرت حوالي ٤٠٠ عام ثم توقفت لمدة 100 عام ثم انحدار ٨۰۰ سنة وصل إلى القاع مع سقوط الخلافة عام ١٩٢٤ م, ثم جاءت حركات التحرر والإصلاح والنهضة فاستطاعت أن توقف هذا الانحدار وجعلته يثبت، ثم بدأنا بالصعود الذي لا يلاحظه كثير من الناس، لأنهم يقيسون الصعود بمقاييس مادية، وصلنا للقمة أم لا؟ عندنا تكنولوجيا أم لا؟ ولكن ليس هذا هو التغيير وإنما هو في الثقافة وفي الطموح وفي الفكر، وقد بدأ في الأمة من جديد وآخر ما سينضج هو السياسة.. فالتغيير يحدث شعبيًا وفكريًا وعقليًا.
فاستعداد الطموحين والمثقفين للتغيير أكبر، كما أنه ينضج بالحوار، وكلما زاد الحوار نضج الإنسان. ومما يزيد التغيير ويدعمه أيضًا.. الاحتكاك بالمتميزين.