; نحو مجتمع عصامي.. الحفاظ على الإنسان والأرض والمسكن والمقدسات | مجلة المجتمع

العنوان نحو مجتمع عصامي.. الحفاظ على الإنسان والأرض والمسكن والمقدسات

الكاتب الشيخ رائد صلاح

تاريخ النشر السبت 06-مايو-2006

مشاهدات 89

نشر في العدد 1700

نشر في الصفحة 44

السبت 06-مايو-2006

 


* خواطر وأفكار خلف القضبان ومحطات في ملف رهائن الأقصى «29»


* لا بُدَّ لنا من العمل على إحياء قيمة الزهد كرافعة أساس في مسيرة بناء مجتمع عصامي!


* لو أحستا ضبط حركة نفقاتنا المالية على قاعدة «الاقتصاد في النفقة نصف المعيشة» لنجحنا في توفير مبالغ مالية ضخمة.


* «صندوق طفل الأقصى» نجح في تجنيد ثلاثة وعشرين ألف طفل كأعضاء ثابتين يحرصون على وضع جزء من مصروفهم اليومي في الصندوق لمواصلة إعمار وإحياء المسجد الأقصى وكل أوقافنا ومقدساتنا.


بقلم: الشيخ رائد صلاح 


حقًا.. يجب أن نعيد إحياء باب الوقف من جديد، مع مواصلة المطالبة بتحرير كل الوقف الذي صادرته المؤسسة الإسرائيلية!


وأقولها بصراحة: كنا وما زلنا منذ سنوات -وتحديدًا قبل اعتقالنا- عاكفين على تشجيع أهلنا للمبادرة ووقف ما يستطيعون وقفه من أرض أو عقار، وأقولها -بحمد الله تعالى- لقد نجحنا في تجنيد عشرات من الأهل الذين كانوا ولا يزالون يبادرون ويتصلون بنا ثم يقومون بوقف أرض أو عقار، ولا أبالغ إذا قلت إننا في هذه الأيام تحديدًا نشهد إقبالاً مباركاً من الأهل لوقف أرض أو عقار.


وحتى نوجد هذه المصادر الذاتية والشفافة يجب علينا إحياء قيم الزكاة وصدقة الفطر والصدقة الجارية، وهي قيم تحمل جانبا تعبدياً لله رب العالمين وتحمل في الوقت نفسه قوة اقتصادية كبيرة من شأنها أن تشكل ركائز أساس وقوية نحو بناء ذاتنا بناءً أهليًا وشفافًا، وأنا على قناعة أننا إذا نجحنا في إقناع أهلنا في الداخل بأن يقوموا بإخراج الزكاة وصدقة الفطر الواجبة عليهم كل عام، وإذا نجحنا بدفعهم لإحياء سنة الصدقة الجارية، فإن ذلك سيعود على مجتمعنا العربي الفلسطيني في الداخل بقيمة اقتصادية عالية وبقيمة تكافلية بين جميع أفراده، على اختلاف تواجدهم سواء كان في النقب أو الجليل أو المثلث أو المدن الساحلية «عكا وحيفا ويافا واللد والرملة»!!


الميراث والوصية


إلى جانب ذلك، ومن أجل إيجاد المصادر المالية الذاتية التي من شأنها أن تشكل ركائز أساس لبناء مجتمع عصامي، لا بد من العمل على إحياء قيمة الميراث والوصية كقيم تحمل الجانب التعبدي لله تعالى من جهة، ومن جهة أخرى تحمل قوة اقتصادية ذاتية، فلو تعرفنا جيدًا على ماهية الوصية لوجدنا أنها قيمة إسلامية كانت تدفع الفرد المسلم أن يوصي ببعض ما يملك للصالح العام بعد موته، ولقد أجاز الشرع الإسلاميِّ أن تصل قيمة الوصية إلى ثلث الميراث، بل أجاز أن تزيد على الثلث بشرط موافقة الورثة، وهذا يعني أننا لو نجحنا في إحياء الوصية من جديد ثم بادر أهلنا إلى الوصية ببعض ما يملكون للصالح العام، لو نجحنا في ذلك لأحيينا من جديد هذا المصدر المهم جداً الذي يشكل رافدًا ماليًا قوياً لبناء ذاتنا بناءً شفافاً وشاملاً نحو مجتمع عصامي!


ولو تعرفنا جيدًا على ماهية الميراث في الإسلام لوجدنا أن هذه القيمة قد حافظت على حتمية توزيع الثروة المالية وتوزيع الأرض والعقارات بين أفراد المجتمع في نهج دائم لا يتوقف، وبذلك حافظت على النهج التكافلي بين أبناء المجتمع الواحد، من منطلق أن الميراث هو واجب ديني مطالب به كل مورث ولا يجوز التلاعب بهذا الواجب الديني إطلاقاً، وهذا يعني أننا لو نجحنا في إحياء الميراث من جديد في مسيرة أهلنا لأوجدنا بذلك مصدراً مهماً من شأنه أن يمدنا بقوة مالية وتكافلية لبناء شفاف وشامل، ولو رجعنا إلى كتب الفقه الإسلامية لوجدنا مئات الموسوعات الفقهية التي تتحدث عن الميراث لأهمية هذا المصدر كواجب ديني يجب الحفاظ عليه، ولو أمعنا النظر جيداً في هذه الموسوعات الفقهية لوجدنا أن الفقهاء كانوا ولا يزالون يولون اهتماماً خاصاً للميراث، لدرجة أنهم تناولوا دقائق هذا الواجب الديني في أسلوب مدهش يدعو إلى كامل التقدير والإعجاب. ولا شك أن هذا الواجب الديني الذي يحمل قوة اقتصادية وتكافلية مذهلة. لا شك أنه يكاد أن يكون ميتاً في هذه الأيام، ولا شك أننا مطالبون بإحيائه من جديد نحو مجتمع عصامي.


الإنفاق والعفو


وإلى جانب ما ذكر ومن أجل إيجاد المصادر المالية الذاتية كركائز لمجتمع عصامي لا بد من إحياء قيمة الإنفاق في مداها الواسع الذي يتسع لأبعد من الزكاة وصدقة الفطر والصدقة الجارية والميراث والوصية؛ إذ إن هذه القيم هي واجبات محددة النسبة والشروط في مفهوم الشرع، ولكن يبقى الإنفاق في مفهومه الشرعي الواسع يتسع لأبعد من كل هذه القيم، يقول الله تعالی: ﴿ويَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُون قُلْ العَفْو﴾ (البقرة: ٢١٩) نعم تأتي كلمة «العفو» الواردة في هذه الآية لتعطي المعنى الواسع اللامحدود للإنفاق، فهناك الإنفاق الواسع الإضافي عن الزكاة وصدقة الفطر والصدقة الجارية والميراث والوصية، ولا بد من إحياء قيمة الإنفاق بهذا المعنى الواسع اللا محدود في نفوس أهلنا، ثم لا بد من العمل على «مأسسة» قيمة الإنفاق بهذا المعنى الواسع اللا محدود كركيزة أساس نحو مجتمع عصامي.


وعلى سبيل المثال ها نحن قد بدأنا مأسسة قيمة الإنفاق من خلال إنشاء صندوق الألف الخيري، والذي أردناه من وراء هذا الصندوق تجنيد ألف من أهلنا كأعضاء ثابتين في هذا الصندوق، بحيث يلتزم كل واحد منهم بدفع مبلغ مالي بقيمة ألف دولار سنوياً لهذا الصندوق، وبذلك يتوافر لدينا رأس مال سنوي بقيمة مليون دولار، مع التأكيد أن هذا المبلغ هو ما سوى الزكاة وصدقة الفطر والصدقة الجارية والميراث والوصية، وأنه لن يبقى محدوداً بقيمة مليون دولار فقط ولا برقم ألف عضو في هذا الصندوق، بل سنسعى إلى تحويل هذا الصندوق إلى صندوق الألفين الخيري، بل إلى صندوق الثلاثة آلاف الخيري وهكذا.


وها نحن قد بدأنا مأسسة قيمة الإنفاق من خلال إنشاء صندوق طفل الأقصى الذي نجح حتى الآن في تجنيد ما يزيد على ثلاثة وعشرين ألف طفل من أطفالنا كأعضاء ثابتين في هذا الصندوق، وها هو كل طفل من هؤلاء الأعضاء يحرص على مدار السنة على وضع قسط من مصروفه اليومي في هذا الصندوق، وبذلك تتوافر لدينا قيمة مالية كبيرة كمصلحة طبيعية لمجموع هذه الصناديق، وبذلك تتوافر لدينا القدرات المالية لمواصلة إعمار وإحياء المسجد الأقصى المبارك ثم لمواصلة إعمار وإحياء كل أوقافنا ومقدساتنا، ولا شك أننا مازلنا نواصل صب جهدنا لزيادة عدد الأطفال الأعضاء في هذا الصندوق.


رعاية دائمة


وإلى جانب ذلك فقد نجحنا بمأسسة قيمة كفالة اليتيم من خلال لجنة الإغاثة، وها هي لجنة الإغاثة قد نجحت حتى الآن بكفالة ستة عشر ألف يتيم من أهلنا من الضفة الغربية وقطاع غزة كفالة دائمة دون انقطاع بواسطة آلاف الكفلاء من أهلنا من النقب والجليل والمثلث، والمدن الساحلية عكا وحيفا ويافا واللد والرملة، وبذلك توافرت لدينا القدرات لرعاية هؤلاء الآلاف من الأيتام رعاية مالية دائمة ومنظمة؛ بحيث إن كل ولي يتيم من هؤلاء الأيتام يتسلم شهرياً كفالة مالية لليتيم ما دام يتيماً، وإذا ما بلغ هذا اليتيم سن الرشد فإن الكفالة تنتقل إلى يتيم آخر تلقائياً وهكذا.


وإلى جانب ذلك فقد نجحنا في سن سنة إنفاق حسنة ألا وهي العشاءات الخيرية التي باتت نمطاً خيرياً سنوياً نعمل من خلاله على اللقاء مع الأهل الموسرين ماليا، ودعوتهم للإنفاق في سبيل مواصلة إعمار وإحياء المسجد الأقصى المبارك بإدارة ورعاية هيئة الأوقاف ولجنة الإعمار، وفي سبيل دعم كل مشروع خيري يحفظ لنا الإنسان والأرض والمسكن والمقدسات، ولا شك أن هذه العشاءات الخيرية قد باتت رافداً منظماً لقيمة الإنفاق بمعناه الواسع والنامي والدائم بفضل الله تعالى.


بالإضافة إلى كل ما ذكر لا بد لنا من العمل على إحياء قيمة الزهد كرافعة أساس في مسيرة بناء الذات بناءً ذاتيًا وشفافًا نحو مجتمع عصامي، وقد كتبت حول هذا الموضوع فيما مضى ولكنني وعلى عجالة أقول: لو أننا أحسنًا ضبط حركة نفقاتنا المالية على قاعدة «الاقتصاد في النفقة نصف المعيشة» لنجحنا في توفير مبالغ مالية ضخمة حريّ بنا أن نستثمرها كركيزة أساس نحو بناء الذات ونحو مجتمع عصامي!! فها نحن وبشهادة أحد مسؤولي البنوك الإسرائيلية ننفق على الأعراس كل عام من خلال هذا البنك فقط مبلغًا ماليًا بقيمة مليار شيكل!! وها نحن قد أنفقنا خلال أيام عيد أضحى واحد فقط مبلغاً مالياً بقيمة خمسين مليون دولار!!


ويبقى المجال أوسع مما ذكرت من أجل إحياء قيمنا المالية الذاتية!!
يتبع....

الرابط المختصر :