; من أجل أن يتعلم الغربيون أصول التعامل مع الإسلام | مجلة المجتمع

العنوان من أجل أن يتعلم الغربيون أصول التعامل مع الإسلام

الكاتب انور الجندى

تاريخ النشر الثلاثاء 09-يوليو-1985

مشاهدات 86

نشر في العدد 724

نشر في الصفحة 26

الثلاثاء 09-يوليو-1985

انفرد الإسلام بمنهجه، فهو ليس ديمقراطية، فليست الديمقراطية هي الشورى في الإسلام.... وليس اشتراكية... فليست الاشتراكية هي العدل الاجتماعي في الإسلام، الإسلام متميز عن هذا وذاك، ولابد هنا من تحديد المصطلحات عديدة:

أولًا: حيث ينفرد الإسلام بمفهوم أصيل: يرتكز مفهوم الحضارات المختلفة على أسس جغرافية ومنها الأسس القومية، وفي كل الأحوال يرتكز مفهوم الأمة في الحضارات الأوروبية على فكرة المولد كما يفهم من اشتقاق كلمة «Nation»فمفهوم الأمة في الحضارات الأخرى يدور حول البيئة أو الأصل البيولوجي أو الأمومة والولادة أما مفهوم الأمة في الإسلام فهو مفهوم فكري عقلي وجداني عقائدي، أي أن الأمة الإسلامية يدور كيانها حول الهيكل الفكري والعقائدي للإسلام ويتأسس ذلك النظام، فالتبعية أو الدعوة الإسلامية هو وسيلة تكوين الأمة الإسلامية فلابد من إقامة الأمة الإسلامية على أسس عقائدية وحضارية وفي ثلاثة أمور يجب أن تقوم الأمة الإسلامية:

(1) النظام الإسلامي الاقتصادي والسياسي.

(۲) النظام الإسلامي في التعليم والدين.

(۳) النظام الإسلامي في العلاقات الاجتماعية ومنها مسؤولية المرأة في بناء الأسرة والطفل فقد تشوهت مفاهيم المجتمعات الإسلامية في هذه القضايا الثلاث باستيراد النظم الأجنبية، مما كان له أثره في تأخر النهضة ومما قام عقبة في وجهها. 

ثانيًا: الأصالة: أن مصطلح الأصالة يقتضي الفهم الصحيح للإسلام ورسالته الشاملة للحياة وإحياء الروح الإسلامية الحقيقية في النفوس وحملها على استكشاف ذاتها وتعلقها بالأصول وترويضها على رفض كل سيطرة أجنبية تفرض سلطتها بالقوة أو ثقافتها عن طريق الحيلة والاستدراج حيث أن مبادىء الإسلام لا ترضى المؤمن أن يكون ذيلًا لغيره له أفكاره وسلوكه فمعرفة الذات وفهم الواقع هما واجب الفكر الإسلامي المعاصر.

 ثالثًا: مصطلح الحرية: والحرية في المجتمع الإسلامي هي حرية مضبوطة، لا تحل حرامًا ولا تحرم حلالًا، والحرية في المجتمع المسلم تضمن للفرد عدم الاعتداء على ماله وجسمه ونفسه وعرضه، وإقامة الضوابط التي تحفظ هذه الحريات وهي تتمثل في التمسك بالقـيم والأخلاق التي أقامها الإسلام وخوف الله وتقواه أقام الحدود والإيمان بأن الله- تبارك وتعالى- هو مالك الكون والإنسان وأن للإسلام مسؤولية فردية والتزامًا أخلاقيا ﴿وَأَنَّ هَٰذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ ۖ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ﴾.

رابعًا: الإيمان الصادق بأن للإسلام مقاييسه الخاصة ومعاييره الذاتية فهو صالح لذاته وليس صالحًا لأنه موافق للديمقراطية الاشتراكية أو للرأسمالية أو لأن فيه حرية فردية أو لأن فيه مصلح الجماعة أو لأن فيه كذا وكذا إلى غير ذلك من المفاهيم المتشابهة مع مذاهب أخرى أن للإسلام مقاييسه في الخير والشر والحــق والباطل، وهي مقاييس مستمدة من مصدر رباني إلهي أعظم في كل المصادر، ومن هنا فقد تميزت بالخلود والمرونة والقدرة عـلى العطاء في مختلف البيئات والعصور، وهي التي اعتصم بها المسلمون في مختلف مراحل حياتهم وتاريخهم، وعادوا إليها في الأزمات والملمات ففتحت لهم أبواب النصر والتمكين، ونحن اليوم لا نجد غيرها منطلقًا لأمتنا بعد تجربة مع الأيديولوجيات البشرية التـي استمرت أكثر من مائة عام أو تزيد.

خامسًا: إن واقع المسلمين اليوم ليس حجة على الإسلام ذلك أن واقع المسلمين اليوم هو حصاد الاستعباد والاستعمار وما مرعـلى الأمة الإسلامية من دعوات مسمومة فالاستعمار لم يترك المسلمين يعيشون واقعهم الحقيقي، بل ضرب وحدتهم الكبرى وقسمهم إلى قوميات وطوائف وأحيا فيهم العنصرية والشعوبية وزين لهم الرجوع إلى حضارات ما قبل الإسلام إمعانًا في إبقائهم معزقين ومتخلفين وصرفًا لهم عن الدخول في تجمع إسلامي فالإسلام الحقيقة اليوم محجوب بالمسلمين وأن أي حكم على الإسلام مـن خلال واقع المسلمين ليس سليمًا والواقع أن هناك مفهوم الإسلام الأصيل وهناك التطبيق، أما فهم الإسلام فهو الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، أما واقع المسلمين خلال التاريخ في بيد التجربة والخطأ وهو ليس حجة على الإسلام ولكنه حجة عــلى المسلمين.

 سادسًا: كان لانتشار المفاهيم المادية والماركسية أثر بعيد في بروز ظاهرة «التسابق» المادي والطموح إلى اقتناص المال من أي طريق دون اعتبار لأي مقومات أخلاقية أو دينية وبروز ذلك التنافس حول الولاء والنفاق لذوي النفوذ لانتهاب أكبر قدر من المطامع المادية وغلبة مظهرية الترف والإسراف واختفاء طوابع القناعة والاستعطاف عن الحرام والبر والصدقات للفقراء والمعذبين.

 سابعًا: هناك أسلوبان لمواجهة الغزو الفكري.

الأسلوب القومي، أو الأدبي أو الوطني وهو أسلوب قاصر ضيق المنطلق لأنه يقف عند جانب واحد، أما الأسلوب الإسلامي فهو الأسلوب الجامع الحقيقي القادر على المواجهة الصحيحة من منطلق النظرة الجامعة للمادة والروح، والعقل والقلب، والعلم والدين والدنيا والآخرة وهو المرتبط بالزمن تاريخًا و بالبيئات عرضًا وبمختلف الظروف وحصيلة التجربة التاريخية الإسلامية في مواجهة الغزو الفكري والنفوذ الأجنبي في مجال التاريخ والمجتمع والحضارة.

إننا اليوم حين نستعرض موقف أمتنا من التحديات الخطيرة التي فرضها عليها النفوذ الاستعماري خلال هذه المرحلة من الحملة الفرنسية إلى النكسة نجد خطا واحدًا، ذلك هو إصرار القوى الأجنبية على تأخير وصول المسلمين إلى امتلاك إرادتهم وإقامة مجتمعهم واستئناف حضارتهم وأداء دورهم الإنساني الرباني في تبليغ الإسلام للبشرية التي هي الآن في أشد حالات الحاجة إلى هذا المنهج بعد أن اضطربت مسيرتها وفشلت الأيديولوجيات الوضعية التي فرضت عليها، ولقد استطاعت الدعوة الإسلامية أن تشق الطريق رغم كل هذه المصاعب وأن توجد لها مكانًا حقيقيًا وأن تقوم منهجها وأن تدافع عنه وأن تكشف وجهة نظر الإسلام في كل ما طرح في ساحتها من مذاهب ودعوات بل إنها قد أعلنت بكل الوضوح بعد تجارب الأضواء التي فرضت عليها أن كلا المذهبين الغربيين «الرأسمالية والماركسية» لا يتناسبان معها، وأن لها مذهبها الأصيل الإسلام الذي تشكل عليه وجودها والذي هو قائم في أعماق وجدانها بالرغم من كل المحاولات التي جرت في القرن الماضي لإقصائها عنه، لقد استطاعت هذه الأمة أن تكتشف نفسها، وكانت نكسة ١٩٦٧ م منطلقًا حقيقيًا لانتقالها من مرحلة اليقظة إلى مرحلة النهضة، ومن ثم فإن «الصحوة الإسلامية» التي يعيشها المسلمون اليوم هي حقيقة واقعة.

ولقد شهد الأعداء بهذه الحقيقة ومن أمثلة ذلك ما كتبه المفكر الغربي «جيمس بيسكاتوري» تحت عنوان: «الظاهرة الإسلامية وجدت لتبقى وعلى الغرب أن يتعامل معها على هذا الأساس».

يقول: إن الفكر الغربي خاضع لما ورثه من عهود الحروب الصليبية أن المحللين رأوا استحالة نهوض المسلمين ولحاقهم بالعصر الحديث دون تبنيهم العلمانية «اللادينية»  لقد ربطوا بين التحديث والعلمانية ربطًا لا فكاك فيه، كذلك فإن التفكير الغربي «النمطي» قد قاد الغربيين إلى النظر إلى الإسلام في إطار الصراع بين الحضارتين الإسلامية والغربية وليس في إطار تعاون محتمل يرتكز إلى قيم مشتركة بينهما، إن على الغربيين أن يتعلموا التعامل مع «الظاهرة الإسلامية» على أنها وجدت لتبقى، إن الإسلام موجود الآن في صفوف الحكم والمعارضة سواء ذلك إيمانًا به أو تظاهرًا أمام الجماهير المؤمنة به، كذلك فقد أصبح الطلاب المسلمون في الولايات المتحدة وأوروبا الغربية تربة خصبة لتفريخ الحركات الإسلامية وعادة ما يرجع هؤلاء الطلاب الذين يتلقون علومًا متقدمة في الغرب ليتسلموا مراكز قيادة في بلدانهم وهذا يتيح لهم نشر أفكارهم الإسلامية.

ويرى كثيرون أن الصحوة الإسلامية ومظاهر البعث الإسلامي هي في جوهرها وفاء عاجل للوعد الإلهي بحفظ دينه والتمكين لأهله ونصرة المستضعفين في الأرض ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ (النور: 55)

كما أن الصحوة ثمرة للجهود الصادقة المؤمنة التي بذلتها حركة اليقظة الإسلامية ليس طمعًا في مال ولا جاه وإنما هي دعوة مخلصة لتمكين دين الله في الأرض وأن هذه الصحوة تدل دلالة جلية على فشل الاتجاهات الوافدة التي سادت المنطقة الإسلامية وأن امتناع الجماهير المسلمة وتعاطفها مع اليقظة بالعودة إلى الأصالة يرجع إلى رفضها الكامل لكل عوامل تزييف هوية الأمة باستيراد المفاهيم والقيم من خارج الحدود.

وأن «اليقظة» عبارة عن حركة إيمان ورسالة لإنقاذ العالم من براثن الحضارة المادية التي دمرت العالم المعاصر.

 

الرابط المختصر :