; الذكرى المئوية الأولى لملحمة (بلافنا) الإسلامية | مجلة المجتمع

العنوان الذكرى المئوية الأولى لملحمة (بلافنا) الإسلامية

الكاتب محمد أحمد الراشد

تاريخ النشر الثلاثاء 11-أكتوبر-1977

مشاهدات 94

نشر في العدد 370

نشر في الصفحة 26

الثلاثاء 11-أكتوبر-1977

 

  • بطولات إسلامية حديثة تنافس بطولات السلف
  • عزيمة قائد تطيل عمر الدولة العثمانية
  • عثمان باشا يفوت على الروس أهدافهم الحربية
  • أربعون ألف قتيل روسي في ساحة واحدة
  • أخذها عثمان ففتح له!!!

بقلم محمد أحمد الراشد

هذا الجيل الحاضر من أبناء المسلمين: جيل مسكين، وقع عليه التلبيس، وأوهمته التربية الجاهلية أوهامها، فلم تشوش عليه فكره ومفاهيمه فحسب، بل حرمته أيضا من حقه في التمتع بالإرث الوضاء الذي خلفه له أهل الهمم من أسلافه، حتى أنه ليجهل المناقب والمفاخر التي فيها إنعاش قلبه وتصعيد حماسته، مع أنه ليس بينه وبينها إلا أمدًا يسيرًا.

 إنها جناية المؤسسات التربوية عليه، وهو الضحية البريئة، مذ حرص العدو الكافر على التقاط العناصر الساذجة، أو العناصر العميلة من بيننا، فغذاهم بأفكاره، وجعلهم مقدمة غزوه للأمة الإسلامية، يثبطون ويرجفون، ثم مذ أقعدهم- بعد نجاح الغزو- مقاعد التدريس ومقاعد الصحافة والإعلام الإذاعي ثم التلفزيوني، يواصلون التخدير وحجب الحقائق وتزوير التاريخ القريب مثل البعيد، وطمس أخبار مسلسل- البطولة في هذه الأمة الهمامة. 

وتمر بنا هذه الأيام من أواخر سنة ١٩٧٧، الذكرى المئوية الأولى لمعركة «بلافنا» الخالدة وبطلها المغوار «الغازي عثمان باشا»، الذي استطاع تحوير الحرب العثمانية الروسية في جبهة الدانوب والبلقان من حرب أرادت لها روسيا أن تكون خاطفة وضربة أخيرة للدولة العثمانية، إلى حرب بطيئة غالية الثمن، الأيام فيها سجال، فأعطى عمرا جديدا للدولة المنهكة وأعاذ بذلك السلطان عبد الحميد من أن يشهد النهاية، وفي أمان من أن يصفه مؤرخ بأنه آخر الخلفاء، أو بأن أقدام الصليبية قد دنست عاصمة العز«اسلامبول» في زمنه بعد تطهير جده الفاتح لها، بل أحال ذلك على النفر الأغرار الثوريين، الذين أساؤوا العمل بداية وخاتمة، فحق عليهم قول السوء.

إن معركة بلافنا مثال لهذا الذي نقول من جناية أجهزة الإعلام والتربية على جيلنا، حلت أيام ذكراها، والناس قاطبة لا يدرون خبرها، مفوت عليهم معرفة اسم قائدها الفذ، بله الأحداث التفصيلية خلالها.

  • تنكر العرب للدور العثماني

ولقد عودنا المخدوعون أن يتململوا كلما سمعوا منا مثل هذا الكلام، ليقولوا: مالنا ولهذه الذكريات؟ نحن عرب وأولئك أتراك، بل أولئك أتراك كانوا يستعمرون بلغاريا، أرض هذه المعركة، ودفاعهم عنها دفاع مستعمر عن مصالحه، والواجب إنكار كل الاستعمار.

وفي مثل هذه الأقوال أكبر دليل على الذي ذهبنا إليه من أنهم أسرى دعاية الأعداء، ولولا الإطالة لأعدنا جوابا مكررا يهدم أسس التفكير القومي الذي فرق أبناء الأمة الإسلامية الواحدة، وجعل بعضهم متنكرا لبعض، أصم أبكم عن التناصر والتمدد والتناجد في الملمات والأتراح، كصممهم عن سماع أخبار ذكريات الفخر والشجاعة والأفراح.

وأكثر من ذلك، فإن هذا الشعور القومي الذي يترك العرب اليوم بمعزل عن الذكريات العثمانية، ويعد بسط النفوذ العثماني على أوروبا الشرقية استعمارا، هو شعور يخالف صميم المصلحة العربية لو فقهوا ، فإن الاندفاع العثماني نحو الغرب، ووصولهم إلى أسوار فيينا، وغايتهم- التي عجزوا عنها- في احتلال كل أوربا، وإخماد قواها، وإنقاذ الأندلس من الشمال، ما كانت إلا ردا حاسما على محاولات تجديد الحروب الصليبية التي يممت وجهها شطر دارك أيها العربي، ولا ينكر صواب الاندفاع العثماني لنشر الإسلام في أوروبا أو تطويعها إلا من يواطئ الشيوعيين والمبشرين النصارى في الإنكار على الفتوحات الإسلامية الأولى في صدر الإسلام.

وهذا الاستعمار الإنجليزي والفرنسي الذي أرهقك، لم يأتك إلا من بعد ما انقرض عثمان باشا وأمثاله، الذين كانوا يتلقون- دفاعا عنك- الطعنات من خصومك.

أما أن في الحكم العثماني ثغرات، وأن ظلم بعض الولاة قد أتعبك، وأنك أننت، فذلك مما لا ننكره، ولكن لم يكن ذلك ليعالج بتغليب المشاعر القومية والقطيعة، ولا هو بمبرر لهدر المحاسن. 

أو أن حكم الاتحاد والترقي قد انحرف، وبدأ بالعدوان القومي التركي عليك، وأن في الحكم التركي الحاضر برودا تجاهك، وفي الجيل التركي الحاضر تعاليا طورانيا، فذلك مما لا ننكره أيضا، ولكنه الحكم الموالي للغرب، العلماني الأتاتوركي الذي ننكر عليه قبلك، وينكر عليه دعاة الإسلام الأتراك قبلك، لا الحكم العثماني الذي نؤرخ له كما أنه الجيل المخدوع مثلك، لا أولئك الغزاة، الذين كان حب العرب شعبة من إيمانهم، لما يحفظونه له ممن أنهم قوم النبي صلى الله عليه وسلم، الذين كانت لهم أستاذية الهداية لكل الشعوب- والله الهادي-، أصحاب لغة القرآن.

فدع عنك أخي الهواجس والنزعات ووساوس الشيطان، واستمتع معنا بقصة الغازي عثمان باشا رحمه الله، وبطولاته ومن معه في بلافنا. 

  • بلافنا في الطريق إلى آيا صوفيا

تقع بلافنا- والتي تسمى اليوم: بليفين- في شمال بلغاريا، قرب حدودها مع رومانيا، فلو وصلت خطا مستقيما بين صوفيا عاصمة بلغاريا وبوخارست عاصمة رومانيا، لوقعت بليفين قريبة من منتصفه.

والمعركة التي دارت فيها هي أهم معارك الحرب العثمانية الروسية التي اندلعت أول حكم السلطان عبد الحميد، وهي المشهورة بحرب سنة ٩٣، أي بالتقويم الرومي الذي كان ساريا تلك الأيام، وكان مدحت باشا يومها هو رئيس الوزراء، الصدر الأعظم.

والعداء الروسي للدولة العثمانية عداء مستحكم قديم، أدى إلى سلسلة من الحروب، كان من آخرها حرب القرم سنة ١٨٥٤، وهي شبه جزيرة متدلية في شمال البحر الأسود، إلا أن بعض الدول الغربية وخاصة بريطانيا، كانت سیاستها آنذاك تقتضي تأييد الدولة العثمانية، فتجاوز العثمانيون الحرب دونما إحراج كبير، مع أن دلالة الضعف كان بادية.

أما في حرب سنة ١٨٧٧م فقد كان الوضع مغايرا، إذ بردت أكثر الدول الغربية عن إسناد الدولة العثمانية، وكانت تود وتحب لقيصر روسيا أن يخنق- الرجل المريض-، وألا يتركه للموت البطيء أو يعطيه فرصة للعلاج، ولولا خوف الإنجليز على مصالحهم المنتظرة في البلاد العربية لساعدوا القيصر.

وهكذا استعد الروس للحرب بحماس كبير، إذ لهم من الحياد الغربي الظاهري ظهير، وتم التخطيط لأن تكون الحرب خاطفة سريعة، وهدفها احتلال إسطنبول، وإرجاعها إلى حكم الصليب، والسيطرة على مضيقي البسفور والدردنيل، واستعد القيصر ليقرع الأجراس ويركع للصليب في آيا صوفيا ، ختاما لحكمه الطويل الطويل الناجح الذي جعله لدى الروس بطلا قوميا، بل ساح القيصر في خيالاته يومها، وجعل الهدف من بعد ذلك الاستيلاء على قناة السويس ثم باب المندب، فكان تفكيره من أسباب تعجيل الإنجليز في احتلال مصر والقناة سنة ۱۸۸۱، وإن غدت السيطرة على هذا الخط المتصل من المضايق الأربعة هدفا استراتيجيا روسيا دائما، ما زالت الحكومة الشيوعية الحالية بعد مائة سنة من تلك الحرب تسعى إليه بحماسة، وما وقوف الاتحاد السوفييتي اليوم ضد ثورة أرتيريا وإسناده للحبشة - خلافا للمنطق الثوري الشيوعي المفترض- إلا من أصداء هذا التفكير القديم.

وكان السلطان عبد الحميد مدركا لضعف دولته وجيشه أمام الجيوش الروسية التي ستسند في موقع المعارك بالثورات المحلية من البلغار، وبالجيش الروماني المتعطش للانتقام بعد استقلال رومانيا عن الدولة العثمانية في أعقاب حرب القرم، وأراد عبد الحميد أن يتحاشى الحرب ببعض التنازلات البسيطة، كما أفصح عن ذلك خلال مذكراته التي نشرت مجلة -المجتمع- ترجمتها، وخاصة أن الأسطول العثماني، الذي كان يعد آنذاك ثالث أقوى الأساطيل العالمية، لم تتم تنقيته من الربابنة والخبراء الإنجليز بعد، وهم الذين استقدمهم قبله السلطان عبد العزيز، إذ كان من المنتظر منهم أن يشلوا حركة الأسطول أثناء الحرب ويعطلوا دوره دون استثمار تفوقه الساحق على الأسطول الروسي، وهو ما حدث فعلا، ليكون درسا ودليلا على ضرر وجود الخبراء الأجانب في الجيوش الإسلامية، لو وجد من يعتبر ويتعظ.

إلا أن مدحت باشا وحزبه خالفوا عبد الحميد، وأصروا على دخول الحرب، وأجبروه، فكان إلحاحهم من أسباب إقالة مدحت ونفيه إلى أروبا، حيث استمر يحرض على الفتن والمظاهرات أيام التحام جيوش الدولة مع الروس، فلما جاءت النتيجة العامة للحرب لصالح روسيا، وخسرت الدولة العثمانية أكثر أراضيها في رومانيا وبلغاريا، وجلت عن سهول نهر الدانوب وجبال البلقان عادوا يتهمونه، ويحملونه وزر الحرب، وينعون عليه دخولها.

  • مزايا عثمان تكمل النقص المادي

وقد بدأت روسيا الحرب في جبهتين: جبهة نهر الدانوب والبلقان، وهي الأهم، وجبهة قفقاسية من الشرق وكان القائد العام هو الغراندوق نقولا شقيق القيصر، في أكثر من- ۳۰۰ - ثلاثمائة ألف مقاتل في الجبهة الأولى وحدها، ولكن مع بعض الضعف في التدريب، فإن روسيا لم تخض حربا منذ حرب القرم، وعاش معظم جيشها في سلام، وأكثر ضباطه لم يشاهدوا الحرب الفعلية، إلا الجنرال أسكوبلف، أشهر قائد روسي بمعية الغراندوق، وأكثرهم شجاعة وطول تجربة، إذ كان قادما لتوه من حرب مع المسلمين، أخضع فيها الشعوب الإسلامية في أنحاء خيوة وطاشقند وأعالي الصين لحكم القيصر.

أما الجيش العثماني فأقل من ذلك وأضعف سلاحا وتموينا، وقائده العام هو السردار عبد الكريم نادر باشا، المشير آنذاك، والفريق منذ حرب القرم، وكان مطاعا من قبل جميع القادة الذين بمعيته، وله خبرة واسعة، وكان هو الذي قاد الحرب مع الحرب سنة ١٨٧٦ منتصرا عليهم، وقد أكسبت تلك الحرب جيشه تدريبا فعليا ممتازًا وروحًا تحملية، في صنفي المشاة والمدفعية خاصة، ولا يؤخذ عليه إلا كونه بطيئًا في عملياته، مفرطًا في الحذر.

أما عثمان باشا فلم يكن إلا قائدًا لفيلق واحد من الفيالق الستة التي تواجه الروس، وكان في الأربعين من عمره، إلا أن الله تعالى أودع فيه من الصبر والصلاة والتقوى والشجاعة والفن العسكري ما مكنه من الإبداع، وإطالة النفس في الدفاع، وكانت خطته مبنية على أساس مشاغلة الجيش الروسي لمدة طويلة، تحرمه عامل السرعة والانقضاض المتلاحق، مما يمكن الدولة من الاستدراك داخليًا، والتحاور الدولي السياسي خارجيًا، فنجح في ذلك أيما نجاح، وأبدى من ضروب البطولة في صد الهجمات الروسية، وأثناء الحصار الذي تعرض له، وأثناء محاولته فكه، ما رفع سمعته عالميا كقائد قدير، ورفع سمعة الجيش العثماني ومعنوياته- رغم الهزيمة- رفعا جيدا جعل الدول الكبرى تدرك أن- الرجل المريض- ما زالت فيه قوة وصحوة، فهادنته، إذ طالت الحرب سنة كاملة بعد ما حسبوا أن وصولهم آيا صوفيا سيكون في أقل من شهرين، بل كان السفير الروسي في استانبول الجنرال أيغناتيف قد رفع تقريرا إلى القيصر، يتوقع فيه احتلال عاصمة الخلافة خلال شهر واحد بمجرد خمسين ألف مقاتل. 

  • بداية الملحمة 

وكان اجتياز الدانوب أول العمليات الحربية الروسية، ابتداء من يوم ٢٧-٦-١٨٧٧، ونجحوا في ذلك، رغم بسالة الجيش العثماني المدافع عن شواطئه اليسرى، وساعدتهم على ذلك الأخطاء القيادية التي ارتكبها المشير عبد الكريم في توزيع جيشه، وخاصة في عدم احتفاظه بالاحتياط الكافي، ويقال إنه لم يخطئ، بل أراد استدراج الروس ثم ضربهم، إلا أنه أقيل قبل ذلك نظرا للهياج الشعبي العام في دار الخلافة بعد توغل الجيش الروسي، إذ نجح الروس في ١٩-٧ في عبور جبال البلقان المنيعة من خلال مضيق- شيبكا- الذي يحرسه محمد خلوصي باشا، وكان قائدا ضعيفا انسحب دون قتال شديد، وأعطى هذا الممر المهم غنيمة باردة للروس، ونقلهم فجأة إلى الأراضي المحيطة ببلافنا، المدينة المهمة، فأصدر السلطان تعليماته إلى عثمان باشا المرابط مع فيلقه في- ويدين- بالتحرك لإيقاف الزحف الروسي، فكانت بداية بطولته. 

غادر عثمان باشا ويدين باثني عشر ألف مقاتل و ٥ مدفعا، بعد أن أبقى بعض الحاميات فيها وحل في بلافنا، التي كان يسكنها كثير من المسلمين، وفيها العديد من المساجد، وشرع بإقامة الاستحكامات، حتى غدت قلعة منيعة.

  • الهجوم الروسي الأول. 

وبعد ٢٤ ساعة فقط من استقرار عثمان في بلافنا، ظهرت أمامها طلائع الجيش الروسي بقيادة شيلدر شولدنز، عازما على احتلالها، فقام بهجوم شديد كادت تسقط به المدينة، لولا براعة عثمان باشا في إدارة دفة القتال، إذ استدرجهم استدراجا دون مقاومة، حتى إذا قاربوا المدينة فتح النار عليهم، فحصدت ثلاثة آلاف منهم، وقتل بعض كبار القادة الروس، أحدهم برتبة جنرال، فانهزمت بقيتهم، وتعقب المسلمون فلولهم حتى أبعدوهم، وكان عثمان باشا قد نزل ساحة القتال بنفسه ذلك اليوم راكضا أمام جنوده، ولكن حال تعب جنوده دون إطالة التعقب، ولو طال لأوهن الجيش الروسي، وبهذا تغير اتجاه الحرب، إذ خاف الروس أن يتقدموا نحو عاصمة الخلافة مع إبقاء عثمان باشا في ظهرهم، وعزموا على تصفيته قبل التقدم، فثبت لهم أيضا طويلا، فثبتوا هم أيضا دون تقدم، ففوت عليهم هدف حربهم.

بعد هذا النصر الأول وصل تعداد الجيش الإسلامي إلى عشرين ألف مقاتل، وواصل عثمان باشا التحصن وحفر الخنادق، استعدادا لصد الهجوم الثاني المنتظر.

  • الهجوم الثاني البائس

ثم أسندت القيادة الروسية العامة إلى الجنرال کرودنر، في أربعين ألف مقاتل و ١٧٦ مدفعا، أمر القيام بهجوم ثان في ۳۰ تموز- يوليو-، فهاجمها بضراوة، ودارت معركة عنيفة جبهتها عشرون كيلومترا، واستولى جناح الروس الأيمن على الخطوط العثمانية الأولى، لكنهم دفعوا ثمنا غاليا لذلك، ثم استبسل الخط الثاني في الدفاع ودارت معركة بالسلاح الأبيض، وركز الروس على احتلال حصن قرية- غريويجة- القريبة من بلافنا، وكروا الهجوم عليه، ولكن شجاعة قائد الحصن أمين بك حالت دون مبتغاهم ، إذ جرح وظل يقاتل بسيفه حاسر الرأس في الصف الأول.

وكذلك ارتد الجناح الروسي الأيسر بقيادة شاخوفسكي، وتبعه القلب بقيادة الجنرال أسكوبلف، المذكور بالشجاعة، فتمت هزيمة الروس، في كارثة هزت أخبارها العالم أجمع، إذ تركوا وراءهم عشرة آلاف قتيل، بينهم عدد من كبار الضباط، بينما لم تتجاوز خسائر الجيش العثماني الألفين، ولو تعقب عثمان باشا فلول الروس ذلك اليوم لأفناهم عن بكرة أبيهم، إلا أن الأوامر العليا- فيما يقال- منعته من ذلك، وكان الفريق عادل باشا يقاتل ذلك اليوم بسيفه أثناء الالتحام بالسلاح الأبيض، حتى انكسر في يده لكثرة الضرب، فأهداه السلطان عبد الحميد سيفا من ذهب تعويضا، كما أن توفيق بك، رئيس أركان حرب الجيش المدافع قد أظهر هو الآخر مقدرة فائقة يومها.

  • القائد تونكين يشير باليأس.

اندكت معنويات الجيش الروسي، واضطرب قادته بعد الهزيمة الثانية، ومالوا إلى تفضيل التراجع، إلا أن الغراندوق شقيق القيصر أصر على هجوم ثالث، واستنجد بالجيش الروماني، فأنجده بثلاثين ألف مقاتل، وانتقل القيصر نفسه إلى موطن المعركة، وتقدم بأكثر من مائة ألف روسي، مزودين بأربعمائة وخمسين مدفعا، بعد أن تعززت القوة الإسلامية أيضا، وبلغت أربعين ألفا.

وبنى عثمان باشا خطته على أساس الاحتفاظ بأكثر جيشه كقوة احتياطية في نقطة مركزية، يتصرف بها آنيا بعد أن تتبين الخطة الروسية، فكان مصيبا بذلك كل الإصابة.

وكان القيصر قد استقدم الجنرال المتقاعد توتلين ليستأنس برأيه، وهو أشهر قائد روسي في حرب القرم، وتولى الدفاع عن سواستبول آنذاك، ويعتبر أبرع العسكريين في العالم في بناء الاستحكامات الدفاعية، إلا أنه هرم وشاخ فترك الخدمة، فلما رأى توتلين موقع بلافنا، والاستحكامات التي خططها وبناها عثمان باشا، أشار على القيصر باليأس من فتحها عنوة بالهجوم، وأثنى على مهارة عثمان في تخطيطها، إلا أن القيصرأعرض عن رأيه، وظنه تخريفا، وأمر بالهجوم، معرضا عن وصية أخرى مماثلة من وزير الحربية الجنرال ميلوتين.

  • عزيمة عثمان تغلب عناد القيصر.

مهد الروس لهجومهم الثالث بقصف مدفعي عنيف دام أسبوعا كاملا، ثم هجموا في يوم عيد ميلاد القيصر الموافق١١ أيلول - أغسطس-؛ ليكون النصر الذي يريدونه هدية لمناسبة مولده، وعهدوا إلى أسكوبلف بأصعب نقطة في الهجوم لشجاعته التي طبقت الآفاق، وتم احتلال بعض الحصون، إلا أن الهجوم العكسي للقوى الاحتياطية التي أدخرها عثمان هزم الروس ثالثة، وتراجعوا مخلفين وراءهم أكثر من عشرين ألف قتيل في ساحة المعركة، وبكاء القيصر يقطع سكون الليل بعد صمت المدافع، وانتهاء لعلعة الرصاص، في نشيج مسموع، مع توتر عصبي دعاه إلى طرد سفيره السابق في استانبول الجنرال أيغناتيف من صحبته، من بعد ما تبينت مجازفته في تحريض القيصر على الحرب، ومبالغته في تصوير ضعف الدولة العثمانية.

وبهذا ارتفع اسم عثمان باشا عاليا في كل أرجاء الدنيا، واستمرت أسلاك البرق تنقل أخباره ، فاستأثر باهتمام الرأي العالمي، واهتزت لبطولاته قيادات جيوش الدول الكبرى إعجابا، وصار مثال البطولة عند أبناء الأمة الإسلامية، وأنعم عليه السلطان عبد الحميد بلقب الغازي وهو أعلى لقب عسكري .

وهكذا قرر القادة الروس استحالة احتلال بلافنا بالهجوم، وبدلوا خطتهم إلى فرض الحصار الطويل على عثمان باشا، بعد نجاحهم في احتلال الطريق الذي كان يتمون الغازي منه، واستلامه بسهولة من يد قائد سكير جبان اسمه حقي باشا، سارع إلى الاستسلام وبمعيته سبعة آلاف جندي دون قتال.

  • الحصار الساخن البارد

ودام الحصار طويلا، وتحول هدف القيصر من احتلال استانبول، إلى هدف عناد وتحد وإنقاذ سمعته، فلم يبرح الروابي المحيطة ببلافنا، وفي هذا الانتظار من الفشل للحملة الروسية والنجاح لعثمان باشا ما فيه.

وطال الحصار وطال، والروس يقصفون فيه بلافنا بالمدفعية ثلاث مرات كل يوم، حتى كادت ذخيرة عثمان باشا ومؤونته أن تنفذا، وجاء فصل البرد، فقرر القيام بهجوم اختراق انتحاري لفك الحصار عنه بعد ٤٢ يوما من بدئه، وقسم جيشه إلي فيلقين، يهجم هو بالأول منه، ويبقى الثاني حاميا لمؤخرته، وبدأ هجومه فعلا يوم ۲۸- ۱۱- ۱۸۷۷ شاهرا سيفه، على جواده، في مقدمة الجيش، وكاد أن ينجح ويفوز، لولا أن أهالي بلافنا من المسلمين قد خافوا على أنفسهم البقاء فسمح لهم بالخروج معه، رحمة بهم، فكانت رحمته تلك أكبر خطأ ارتكبه، إذ زاحموا الجيش الإسلامي المهاجم، فاضطرب النظام عند الجسور المقامة على النهر القريب من بلافنا ، وفقد جيش عثمان حرية حركته، ومع هذا استمرت المعركة بضراوة طيلة النهار، وتم اختراق الخطين الأوليين الروسيين، وكان الخط الثالث على وشك أن يخترقه عثمان ويظفر بالحرية، ويتصل ببقية الجيش العثماني غير المحاصر، إلا أنه أصيب بشظية قنبلة في ساقه، وخر جريحا، ولم تتمكن النجدات التي تركها في بلافنا من الالتحاق به، بسبب انسداد الجسور بالأهالي المسلمين المذعورين، فكان الفشل والأسر، بالاستعلاء الشامخ.

  • النجاح العسكري لا يقتضي التغلب

لقد انتهت المعركة نهاية ظاهرها نجاح الحصار والاستسلام، ولكن مغزاها عند المتأمل كله إشارة إلى النجاح، فإن الاستسلام إنما يذم إذا كان الجيش المستسلم مهاجما غازيًا، كمثل ما كان من استسلام الحملة الإنكليزية الأولى على العراق فيما بعد، أما إذا كان المستسلم مدافعا كدفاع عثمان باشا، فإن الميزان ينعكس، ويكسب وصفا يقرب من النجاح اقترابا طرديا بمقدار طول صبره في دفاعه، ومدة تثبيته وتجميده للعدو المهاجم في الجبهة دون حراك وتقدم، وبمقدار الخسائر التي ينزلها بخصمه، وتعتبر مدة الأشهر الخمسة التي أعاق فيها عثمان تقدم الروس من أطول مدد الدفاع في التاريخ الحربي الحديث، فضلًا عن الأربعين ألف قتيل الذين خلفتهم المعارك الثلاث، وما تخللها من معارك فرعية لم نذكرها، أولئك الذين ارتفع لموتهم نحيب القيصر عاليا.

وهذا الميزان في التحليل العسكري يشابه ميزان الانسحابات الناجحة التي يتملص فيها القائد الناجح من ضربة خصمه، فمع أنه انسحاب، إلا أنه يعد نجاحًا ، لما فيه من الاحتفاظ بالقوة لفرصة أخرى، كانسحاب دنكرك في الحرب الثانية مثلا، الذي تخلص فيه الجيش البريطاني وبعض الجيش الفرنسي من ملاحقة الجيش النازي بعبور المانش، فإنه يعد عملا عسكريًا رائعًا، ومثله تراجع الجيش الروسي أمام نابليون، وإخلاء موسكو وإحراقها بأمر القائد الروسي، إذ يعتبر انجازًا فذًا ، لما فيه من تفويت الفرصة على نابليون، حتى أهلك جنده البرد والجوع، ورجع خائبًا.

وكذلك ما ورد في السيرة النبوية الكريمة من تسمية النبي -صلى الله عليه وسلم- لعمل خالد بن الوليد -رضي الله عنه- يوم مؤتة فتحًا، مع أنه مجرد انسحاب، لما فيه من الاحتفاظ بالقوة والتملص من معركة خاسرة لو استمرت. 

والحال في كل ذلك، أيضا، كحال البطولات الفردية، فإن أمة الإسلام ما زال يهزها نشيد خبيب -رضي الله عنه- طربا وحماسة، بعدم مبالاته إذا قتل مسلمًا ، على أي جنب كان في الله مصرعه، مع أن خبيبًا قد وقع أسيرًا بعد طول المقاومة، وقتل صبرًا بعد استسلامه.

  • العدو يشهد لعثمان

وهكذا شاء الله أن يسلم هذا الأسد سيفه لعدوه، ويقاد أسيرًا إلى القيصر، تحفه عزة الشجاعة، مرفوع الرأس، في كبرياء تامة. 

وفي الطريق تقدم منه الجنرال أسكوبلف وقال له «إنك خدمت وطنك أعظم خدمة بصدنا خمسة أشهر من دخول بلافنا، وملامحك ملامح قائد عظيم، وإنك لقائد منتصر رغم تسليمك.»

ثم لقيه الغراندوق شقيق القيصر وقال له:

«أهنئكم أيها الباشا على النبوغ الحربي الذي أظهرتموه، وإن دفاعكم هذا لهو من أمجد المعارك الحربية في التاريخ» 

ثم أدخل على القيصر، فقال له:

«لقد رفعت اسم الجندية العثمانية، وإنك والحق يقال-: بطل»

وأرجع له سيفه وأوسمته.

ومن الجدير بالذكر، هنا، أن التاريخ الرسمي لروسيا، المؤلف في الزمن الشيوعي من قبل لجنة من أكبر المؤرخين الروس، والمطبوع بالعربية في موسكو، يعترف في ص ٤٠٣ منه بمأثرة بلافنا ويقول:

«وكانت عمليات القوات الروسية غير ناجحة بالقرب من بليفنا- حاليا مدينة بليفن- في الجناح الغربي للجيش، فبسبب الأخطاء الفادحة التي ارتكبتها القيادة القيصرية وجدت قوى كبيرة من الجيش الروسي- ومن الجيش الروماني فيما بعد- نفسها مقيدة، وقد هاجمت القوات الروسية بليفنا ثلاث مرات، فتكبدت خسائر فادحة، وفي كل مرة كانت تصاب بالفشل، وإذ ذاك قررت القيادة أن تحتل بليفنا عن طريق الحصار، فطوقت المدينة من كل الجهات وانقطع وصول الاحتياطيات ونقل الأغذية والذخيرة، ولم تتكلل بالنجاح محاولة الجيش التركي لفك الحصار- وفي نهاية شهر تشرين الثاني- نوفمبر- استسلمت حامية بليفنا، وتعدادها ٤٠ ألف شخص.»

  • عثمان..  النموذج التربوي؟

وبعد انتهاء الحرب وعقد الصلح عاد الغازي عثمان باشا إلى استانبول، وسلمه السلطان سيفا من ذهب، وغدا رمزا للشجاعة الإسلامية الموصولة بشجاعة السلف، وشغل منصب مشير المابين، أي رئيس التشريفات السلطانية، ومدير ديوان الخلافة، وزوج السلطان أبناءه من بنات عثمان باشا، وظل برفقته إلى موته -رحمه الله- رحمة واسعة.

  • شكیب أرسلان يصف المعركة 

وقد آن وقت سماعك لأقوال شكيب أرسلان في وصف هذه الملحمة البطولية، بعد إذ عرفت تفصيلها، لتقف على صدق الذي ذكرناه، فإن الأمير شكيب مؤرخ ثقة معروف بالتزام الدقة، وقد حدتنا صفاته هذه دائما إلى الحرص على أقواله حين الحديث عن المباحث العثمانية، يقول شكيب:

«كادت الحرب تنتهي بفشل تام للعثمانيين، وإذا بعثمان باشا قاهر الصرب جاء، ودخل في قلعة بلافنة واعتصم بها، فجمع الروس جيوشهم، وصمدوا إليه، فكسرهم كسرة شنيعة، فأعادوا الكرة عليه أولا وثانيا، وفي كل مرة كان يهزمهم، وفي إحدى المرار فقدوا خمسة عشر ألف عسكري، ورجعت الحرب تبشر بحسن مآل العثمانيين، ولكن عثمان باشا لم يبق عنده وهو محصور من كل الجهات ذخائر تساعده على الثبات، وجاء قيصر الروسيا إسكندر الثاني بنفسه، واستصرخ إمارة رومانيا -أي الفلاخ- ومولدافيا، وذلك باسم النصرانية قائلا: إنها كلها تحت الخطر، فأنجده الرومانيون بسبعين ألف عسكري. 

انضافت هذه إلى الجيش الروسي المحاصر لعثمان باشا في بلافنة، ومع هذا فلولا نفاذ الذخيرة لم تكن تلك الجيوش كلها لتتغلب على عثمان باشا، وفي آخر وقعة أراد عثمان باشا أن يخرق جيوش الروس برغم كثافتها وينفذ إلى الخارج، فوقع جريحا، فاضطر إلى النكوص نحو بلافنة، وعرض على إمبراطور الروسيا الاستسلام، ولما دخل عليه وأراد أن يسلمه سيفه- كما هي عادة كل المستسلمين- قال له الإمبراطور: إن قائدا مثلك يحق له أن يبقي سیفه معه، وبالغ القيصر في إكرامه. 

  • وللجبهة الشرقية غازيها.  

وهنا لا بد من العودة إلى أخبار جبهة الحرب الشرقية، المسماة بجبهة الأناضول، فنقول:

إن موقفا مشابها لموقف عثمان باشا قد وقفه الغازي أحمد مختار باشا، أحد كبار القادة ومن أشجعهم وأعلمهم بالحرب، إذ استطاع الصمود ستة أشهر كاملة أمام الجيش الروسي، وخاض عدة معارك ظاهرة قتل فيها بعض كبار قادتهم، وحصل على لقب الغازي بعدها، ولكن البرد الجبلي وضعف التموين شل قواته، حتى سرت فيها الأمراض، فحوصرت وأسرها الروس، واندفعوا نحو هدفهم المهم، وهو احتلال أرضروم إلا أنه نجا بنفسه، وأعاد تنظيم الصفوف، وأطال الدفاع، وحث القادة الذين بإمرته على الاحتفاظ ببلدة قارص المنيعة، وجعلها على الروس مثل بلافنا، ولم تسقط بأيديهم إلا في الأيام الأخيرة من الحرب، وكان درويش باشا قد استطاع هو الآخر الاحتفاظ بباطوم حتى النهاية، وبذلك فات على الروس هدفهم أرضروم، إذ لم يفلحوا في دخولها إلا بعد الهدنة، ثم تركوها بموجب شروط معاهدة الصلح المعقودة في برلين بعد انتهاء الحرب.

ومع أن أحمد مختار باشا قد فشل في تلبية رغبة الدولة في نقل المعركة إلى داخل الأراضي الروسية، إلا أن طول ثباته وثبات درويش باشا، وتعويقهما لحركات الجيش الروسي التي أراد القيصر لها أن تكون سريعة، يعتبر عملا عسكريًا رائعًا، يقارب عمل الغازي عثمان باشا، ويضعهما في مرتبة عالية بين أبطال هذه الأمة أقرانًا لعثمان.

وفي وصف أعمالهما يقول شكيب أرسلان: 

«فأما من جهة القوقاس، فكان القائد الكبير أحمد مختار باشا الغازي قد انتصر على الروس في وقعة كدكلر، وتقدم إلى الأمام، ولكن الروس عادوا فتغلبوا عليه بتفوقهم في العدد، وكان درويش باشا قائد الجيش العثماني المرابط في باطوم تحت الحصار، فهاجمه الروس مرارا، فدحر جميع هجماتهم، وانتهت الحرب وباطوم في يده.»

ألا ما أكثر الأبطال في هذه الأمة، وما أكثر جهل الخلف بمآثر السلف.

المراجع

١- كتاب- عصر السلطان عبد الحميد وأثره على البلاد العربية-، صدر في أجزاء صغيرة بدمشق خلال الثلاثينات من هذا القرن، وهو من أهم المراجع حول هذه الحرب.

٢- تعليقات الأمير شكيب على تاريخ ابن خلدون ص ۳۱۳، صدر سنة ١٩٣٦ بالقاهرة من المطبعة الرحمانية. 

٣- تاريخ الاتحاد السوفييتي، طبع دار التقدم بموسكو في أوائل الستينات.

٤- ملحق خاص لمجلة الحياة التركية بمناسبة الذكرى المئوية للحرب، حرره يلماز اوزتونه.

الرابط المختصر :