; عرفات في باريس: الدور الفرنسي الخفي والعلني في توريط القضية الفلسطينية | مجلة المجتمع

العنوان عرفات في باريس: الدور الفرنسي الخفي والعلني في توريط القضية الفلسطينية

الكاتب د. محمد الغمقي

تاريخ النشر الثلاثاء 02-نوفمبر-1993

مشاهدات 47

نشر في العدد 1073

نشر في الصفحة 22

الثلاثاء 02-نوفمبر-1993

عرفات: نحن في حاجة إلى السند المعنوي والسياسي والاقتصادي من فرنسا

عرفات في زيارة رسمية إلى باريس.. لم يكن هذا الحدث متوقعًا قبل سنوات؛ لكنه تحول إلى واقع وجسد أحد أبعاد اتفاق غزة- أريحا الأخير بين المنظمة الفلسطينية والكيان الصهيوني، وإحدى نتائجه المباشرة المتمثلة في تطبيع العلاقات العربية- الإسرائيلية تحت مظلة غربية، كما عكس الدور الفرنسي الخفي والعلني في دفع مسار السلام العالمي على الطريقة الأمريكية- الغربية.

فما هي المحطات الرئيسية لهذه الزيارة؟ وانعكاساتها على مستقبل الدور الفرنسي في منطقة الشرق الأوسط؟


السند الفرنسي

فقد تم استقبال ياسر عرفات في باريس استقبال كبار الزعماء وتقابل مع كبار الشخصيات السياسية في السلطة وفي المعارضة، ودار الحديث بينه وبين كل من الرئيس الفرنسي ورئيس الحكومة حول إقامة الحكم الذاتي في الأراضي المحتلة. وحسب ما صرح به للصحافة الفرنسية فقد طلب عرفات من ميتران تقديم المساعدة للشعب الفلسطيني.

ففي مقابلة مع صحيفة الأحد صرح عرفات: «أنتظر من فرنسا ومن هذا الشعب الصديق ومسؤوليه ورئيسه الكبير مساعدة من أجل بناء دولتنا. ونحن في حاجة إلى السند المعنوي والسياسي والتكنولوجي؛ لكننا نحتاج أيضًا إلى المساعدة من أجل تكوين مهني لكوادرنا وكذلك إلى سند اقتصادي».

وحول شخص ميتران، أضاف عرفات: «أكن للرئيس ميتران الاحترام الكبير؛ فهو رجل مبدئي لم يغير مواقفه معي، كما شارك بشكل فعال في خروج المسؤولين الفلسطينيين من بيروت وطرابلس».

وقال أيضًا: «إنه رجل خطاب الكنيست الذي أشار خلاله إلى المسار الحالي نحو السلام.. كما أتذكر أن فرانسوا ميتران كان حامي العلاقات الأولى المباشرة بين الفلسطينيين والإسرائيليين، والتي انتهت اليوم إلى هذا الاتفاق التاريخي».

وحول مقابلته مع رئيس الحكومة «بلادور» قال عرفات: «لقد وعدنا بمساعدة ثنائية وأخرى تمر عن طريق السوق الأوروبية المشتركة»، وقد التزم كل من الرئيس الفرنسي ورئيس حكومته بالتدخل خلال المجلس الأوروبي القادم لدى بلدان السوق من أجل التعجيل بتقديم الإعانة المالية للأراضي المحتلة.

وتشكل المساعدة المالية الفرنسية 25% من مجموع المساعدة التي ستقدمها المجموعة الأوروبية، إضافة إلى الضمانات والتسهيلات الأخرى التي ستقدمها فرنسا لبعض القروض».

ومن بين المحطات الهامة في زيارة عرفات إلى باريس مقابلته في إطار عشاء «على شرفه» مع وزير الخارجية الفرنسي جوبيه الذي ركز على «شجاعة» رئيس المنظمة و«بعد نظره» والتي قارنها «بشجاعة» رابين وبيريز.

وفيما يتعلق بالعلاقات الفرنسية- الفلسطينية حرص جوبيه على إبراز استمرارية النظرة إلى هذه العلاقات حيث قال: «ما زال تصور فرنسا لهذه العلاقة على ما كان عليه منذ عهد الجنرال ديغول»، وأضاف: «ستكون فرنسا إلى جانبكم.. سنساعدكم بوسائلنا وقدرتنا على التعبئة لتكسبوا مستقبلكم في السلام والرخاء».

وفي هذا يندرج توقيع اتفاق للتعاون مع فرنسا من أجل إنشاء تلفزيون فلسطيني بين رئيس الدائرة الإعلامية في منظمة التحرير ياسر عبد ربه ومدير عام القناة الفرنسية الثانية هرفي بورج، وينص هذا الاتفاق على أن تقوم القناة الفرنسية «فرانس 2» مساعدة في تنظيم البنى الإدارية والقانونية وبنى الإنتاج للتلفزيون الفلسطيني، كما ستؤمن له الشبكة الصور الإخبارية الدولية وستستقبل المتدربين.

ومثل هذا الاتفاق يعطي فكرة عن نوعية البرمجة في أخطر وسيلة لتوجيه الرأي العام حيث يتوقع أن تصب هذه البرامج في العلمنة.

بيد أن الكلمة التي ألقاها وزير الخارجية الفرنسي في حفل العشاء على شرف عرفات تضمنت أيضًا إشارات واضحة للسياسة الفرنسية في منطقة الشرق الأوسط القائمة على دفع مسار تطبيع العلاقات العربية الإسرائيلية إلى أقصاها مع الحفاظ على الهيمنة الإسرائيلية في المنطقة انطلاقًا من التحالف الاستراتيجي الفرنسي- الإسرائيلي منذ تسلم الاشتراكيين للحكم بالخصوص.

فقد أعرب الوزير الفرنسي عن أمله في «تعاون الفلسطينيين والإسرائيليين وجيرانهم.. لتحقيق التنمية الإقليمية وعودة اللاجئين» كما عبر عن أمله في أن «يتخلى الشرق الأوسط عن الإفراط في التسلح.. ويتخلص من أسلحة الدمار الشامل».


نفاق سياسي

والجدير بالملاحظة أن النفاق السياسي كان هو السمة الطاغية على هذه الزيارة، فكلا الطرفين يجملان بعضهما بعبارات المدح والإطراء، وكل طرف يعرف ماذا يريد الطرف الآخر، فعندما يصرح وزير الخارجية الفرنسي قائلًا لعرفات: «ننتظر منكم أن تقدموا للشرق الأوسط مثالًا جديدًا للديمقراطية» فإن طبيعة هذه الديمقراطية التي يقصدها يدركها عرفات جيدًا. فهي تعني إقصاء القوى المجاهدة الرافضة للوجود الإسرائيلي كدولة على أرض فلسطين وعلى رأسها حركة حماس.. وتكفي المقارنة بتصريحات نفس الوزير بخصوص مساندة النظام الجزائري الحالي لتثبيت الديمقراطية في الجزائر ومحاربة «القوى الرجعية» كما يسميها.

وردًّا على الرسالة التي تضمنتها كلمة الوزير، قال عرفات: «إن الشعب الفلسطيني لن ينسى أبدًا مواقف فرنسا» وأضاف: «إن الأنظار متجهة إلى فرنسا لتكمل دورها البارز في البحث عن السلام الذي عبر عرفات عن أمله في أن يكون «شاملًا» ويتسع ليضم دولًا عربية أخرى» وقال: «إن شعبنا يتطلع إلى إقامة دولة حقيقية تحمي الديمقراطية» وأكد على «الصعوبات التي يواجهها تطبيق الاتفاق الفلسطيني- الإسرائيلي».

وقد حرصت الشخصيات المشهورة في اللوبي اليهودي المتحكم في السياسة الفرنسية على مقابلة عرفات أثناء زيارته إلى فرنسا ومن بينها رئيس البرلمان فيليب سيغان الذي أكد لعرفات بأن النواب الفرنسيين «مستعدون لوضع خبرتهم في تصرف المجلس الوطني للحكم الذاتي الفلسطيني المقبل. وتحدث سيغان عن إنجاز «العشرات من المشاريع الصغرى» بالتعاون مع المحافظات الفرنسية «لتكمل وتسبق» المساعدة الدولية والأوروبية للأراضي المحتلة في غزة وأريحا.

كما تقابل عرفات مع «سيمون فايل» اليهودية وزيرة الشئون الاجتماعية حاليًا ورئيسة البرلمان الأوروبي سابقًا.. إلا أن الملاحظ هو أن المجلس التمثيلي للمؤسسات اليهودية الفرنسية لم يقابل عرفات لأنه كما قال رئيسه جان كوهين: «لم تتوفر الشروط التي طالب بها المجلس: تعبير عرفات عن أسفه للأعمال الإرهابية التي ارتكبت ضد إسرائيليين ويهود فرنسيين أو من جنسيات أخرى، وإثارة مسألة محرقة اليهود» وذلك في إطار مزيد من دفع عرفات إلى التورط في علاقته مع الكيان الصهيوني.

وقد أبدت الصحافة الفرنسية اهتمامًا خاصًّا بسهى الطويل زوجة عرفات وعلى لباسها على النمط الغربي من أكبر ديار تصميم الأزياء في فرنسا، وعلى مقابلتها مع زوجة ميتران اليهودية، وإنشاء منظمة «فلسطين- المستقبل» ومقارنتها بـ «سيدة أمريكا الأولى» كلينتون، وعلى تصريحاتها حول وضع المرأة الفلسطينية في «الدولة الفلسطينية» مستقبلًا.

والخلاصة أن زيارة عرفات هذه إلى فرنسا كرست هيمنة الدور الغربي على تسيير شئون الشرق الأوسط خاصة بعد اتفاق غزة- أريحا، وورطت القضية الفلسطينية في أوحال المناورات الدبلوماسية بين منظمة التحرير والأطراف الغربية حليفة الكيان الصهيوني.

 

الرابط المختصر :