العنوان جبران خليل جبران يشخص الحالة السورية
الكاتب محمد فاروق الإمام
تاريخ النشر الجمعة 23-ديسمبر-2011
مشاهدات 54
نشر في العدد 1981
نشر في الصفحة 30
الجمعة 23-ديسمبر-2011
- إذا تحكمت العلة بأصول ضرسك حتى لم يبق رجاء في شفائه فلا بد من استئصاله
يستميت النظام السوري المتهالك في التمسك بالسلطة ولا يألو جهدا في ذبح الناس والإيغال في تعذيبهم وترويعهم وتفقيرهم وتجويعهم واعتقالهم ونفيهم وإقصائهم منذ نصف قرن تقريبا، ويحاول عبثا إيهام الناس بأنه يريد الإصلاح والتغيير، وأن قلبه على الوطن الذي تحاك له المؤامرات ويعبث بأمنه العملاء، وأن العصابات المسلحة تستبيح الوطن والمواطن وتريد تفكيك البلاد وتقسيمها خدمة للصهاينة الأعداء، ويروج لذلك عبر إعلام مصادر يوجهه بأسلوب خشبي مقزز، ويتعامل مع الدولة عبر نظام دبلوماسي لا يجيد إلا التهديد والوعيد ووصم الآخرين بالخيانة والعمالة لأجندة خارجية تريد تقسيم الوطن.
نظام الأسد لا يريد للآخرين أن يروا إلا ما كان يريد فرعون لقومه وان يروا
*﴿ مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَىٰ﴾ (غافر: 29)، وعليهم أن يصدقوا ما يسوقه أو يرسمه أو يتصوره، وويل لمن ينتقد أو يخالف أو يقول له: "أنت مخطئ".
استعداد للتضحية
والشعب يتظاهر سليما وبشكل حضاري منذ أكثر من تسعة أشهر، مطالبا بالحرية والكرامة والديمقراطية والتعددية والتداول السلمي للسلطة، والوصول إلى الدولة المدنية التي يتساوى فيها كل المواطنين بغض النظر عن العرق أو الدين أو المذهب أو الطائفة أو الانتماء، وفي سبيل ذلك قدم الشعب السوري خلال انتفاضته المباركة الشجاعة، ولأكثر من ثمانية أشهر، أكثر من خمسة آلاف شهيد وضعفهم من الجرحى والمفقودين والمهجرين، وهو على استعداد ليقدم المزيد والمزيد حتى تحقيق مطالبه في إسقاط النظام ورحيله بكل أركانه، وقد اقتنع الأشقاء والأصدقاء والحلفاء والعالم كله بأن الداء يكمن في هذا النظام ولا بد من استئصاله حتى تعود سوريا إلى سابق عهدها قلبا للعروبا النابض ومنارة للحرية ونبراسا للعدالة ورمزا للديمقراطية والمشاركة في تقدم الأمم وازدهارها.
استئصال الداء
وقديما كتب الفيلسوف جبران خليل جبران مقالا تحت عنوان «الأضراس المسوسة»، شخص فيه الحالة السورية التي ستصل إليها بعد 80 سنة من وفاته، والذي كان يقرأ مستقبل سوريا المنهكة بهذا المرض السرطاني، والذي لا يمكن إصلاحه، ولا بد من استئصاله فيقول:
«كان في فمي ضرس مسوس وكان يحتال على تعذيبي فيسكن متربصا ساعات النهار ويستيقظ مضطربا في هدوء الليل عندما يكون أطباء الأسنان نائمين والصيدلية مقفلة، ففي يوم وقد نفد صبري ذهبت إلى أحد الأطباء وقلت له: ألا فانزع ضرسا خبيثا يحرمني لذة الرقاد ويحول سكينة ليالي إلى الأنين والضجيج، فهز الطبيب رأسه قائلا: من الغباوة أن نستاصل الضرس إذا كان بإمكاننا تطبيبه، ثم أخذ يحفر جوانب الضرس وينظف زواياه ويتفنن بتطهيره من العلة.
ولما وثق بأنه صار خاليا من السوس حشا ثقوبه بالذهب الخالص ثم قال مفاخرا: لقد أصبح ضرسك العليل أشد وأصلب من أضراسك الصحيحة، فصدقت كلامه وملأت حفنته بالدنانير وذهبت فرحا.
ولكن لم يمر الأسبوع حتى عاد الضرس المشؤوم إلى تعذيبي وإبدال أنغام روحي بحشرجة الاحتضار وعويل الهاوية.
فذهبت إلى طبيب آخر وقلت بصوت يعانقه الحزم: ألا فاخلعه ضرسا مذهبا شريرا ولا تعترض «فمن ياكل العصير لا من يعدها»، فنزع الطبيب الضرس وكانت ساعة هائلة بأوجاعها ولكنها كانت ساعة مباركة، وقد قال لي الطبيب بعد أن استأصل الضرس وتفحصه جيدا: لقد فعلت حسنا، فالعلة قد تحكمت بأصول ضرسك هذا حتى لم يبق رجاء في شفائه.
وقد نمت في تلك الليلة، ولم أزل في راحة، والحمد للخلع والاستئصال.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل