; فساد الرؤساء.. تحت رداء الديمقراطية | مجلة المجتمع

العنوان فساد الرؤساء.. تحت رداء الديمقراطية

الكاتب أحمد الأديب

تاريخ النشر الثلاثاء 08-فبراير-2000

مشاهدات 56

نشر في العدد 1387

نشر في الصفحة 34

الثلاثاء 08-فبراير-2000

فضائج الفساد السياسي تتوالى في أكثر من نظام غربي
لماذا عجزت الديمقراطية عن مواجهة الفساد؟

في موسكو عاصمة الاتحاد الروسي كان الثمن الرئيس لاستقالة يلتسين في انسب الأوقات لتوفير فرصة النجاح لخليفته المفضل لديه والمفضل غربيًا، فلاديمير بوتين، هو الورقة التي وقع عليها بوتين كأول مرسوم رئاسي أصدره وهو في منصب الرئيس بالوكالة، وضمن بها ليلتسين وأقربائه وأعوانه المقربين الحصانة من أي ملاحقة قضائية بتهم الفساد بعد أن أصبحت تلك التهم ثابتة واقعيًا، منذ الكشف عن حسابات مالية سرية خارج الحدود، وما دخل منها وخرج على شكل دفعات رشوة لعقد صفقات مختلفة ومنذ شروع النيابة العامة في سويسرا بملاحقة بعض أقرباء يلتسين وأعوانه ومنذ فضيحة اكتشاف غسل أموال روسية، في أحد المصارف المالية في
نيويورك بمشاركة موظفات على علاقة باقرباء يلتسين.
             
أحمد الأديب
وفي الكيان الصهيوني الغاصب - وهو جسم غريب في المنطقة، وجزء من الغرب نسبًا ومصاهرة وتصورًا وسلوكًا - يكاد يسقط الرئيس الإسرائيلي وايزمان من منصبه، تحت وطأة الاتهام بأعمال فساد ثم لحقه اتهام لحزب العمل بالتحايل للحصول على مساعدات انتخابية ومن قبل هدد الفساد رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق بالمحاكمة وأسقط بعض وزرائه، شأنهم في ذلك شأن وزراء حوسبوا على فسادهم في فرنسا وبلجيكا وسواهما، كما كان سقوط الأمين العام الأسبق لحلف شمال الأطلسي ويلي كلاس بسبب فضيحة فساد سبق أن تورط فيها وهو وزير في بلده ولم يمض زمن طويل على فضيحة من نوع آخر، هددت الرئيس الأمريكي الحالي كلينتون بالسقوط ثم لم يسقط، فالجانب المالي الذي يمس المصالح مباشرة يمكن أن يؤدي إلى السقوط أما ما انكشف من أمر كلينتون قبات من الممارسات المنتشرة دون عقاب ودون حياء في المجتمعات الغربية. 

والآن في ألمانيا أيضًا، ينكشف يوميًا جانب جديد من جوانب الفضيحة المالية التي عصفت بحزب المسيحيين الديمقراطيين، ونالت من معظم زعمائه التقليديين، ولا سيما رئيسه السابق حامل لقب «مستشار الوحدة» هيلموت كول، فكان من نتائج كشف الملابسات سقوطه من منصب الرئاسة الفخرية للحزب، ولا يستبعد إذا استمر كول على موقفه الرافض للمشاركة الفعلية في كشف ملابسات الفضيحة المالية، أن يتهدده الفصل عن الحزب، وربما دعوى أمام القضاء.

هذا فضلًا عن انتحار فولفجانج هولن، كبير المسؤولين الماليين في الحزب من عهد كول وفضلًا عن السقوط السياسي المربع لوزير الداخلية السابق ما نفريد كانتر، الذي كان المسؤول الأول عن حفظ القانون والنظام فانكشف بين ليلة وضحاها حجم خرقه هو للقانون والنظام، عبر ما شارك فيه لسنوات عديدة من عمليات أشبه بعمليات «غسل الأموال» لصالح الحزب في حسابات مالية سرية في سويسرا، مثلما يصنع تجار المخدرات والرقيق الأبيض وأمثالهم، وهو ما تمنعه القوانين الألمانية ولاسيما قانون شؤون الأحزاب، وقد اضطر كانتر إلى إنهاء عضويته في المجلس النيابي في برلين بعد أن أصبح عبئًا كبيرًا على حزبه. بينما بات الحزب نفسه يتهدده الانقسام، علاوة على سقوط شعبيته وشعبية زعمائه الحاليين والسابقين وعلاوة على توقع تثبيت عقوبة مالية بعشرات الملايين عليه، وقد تصل به إلى درجة الإفلاس.

 أصبحت قضايا الفساد والرشوة ظاهرة واسعة الانتشار في البلدان الديمقراطية الغربية وكما تقول التقارير السنوية لمنظمة «الشفافية» الدولية لمكافحة الفساد والتي تشكلت قبل بضع سنوات على غرار منظمة العفو الدولية، لم تعد ممارسات الفساد والرشوة مقتصرة على ما تصنعه الشركات الغربية خارج حدود بلدانها الأصلية، وهو مما ساهم إسهامًا رئيسًا في العقود الماضية في تثبيت دعائم الفساد في البلدان النامية التي تتعامل معها، بل ازداد انتشار الظاهرة نفسها داخل نطاق البلدان الغربية ازديادًا مطردًا، وباتت معروفة لتمرير القرارات عبر الأجهزة السياسية. 

وفي ألمانيا كان من القصص التي انكشف أمرها أن الرئيس الفرنسي السابق ميتيران كان وراء دفع شركة «الف» الفرنسية للنفط إلى تقديم تبرع بالملايين إلى حزب المسيحيين الديمقراطيين في عهد «صديقه الحميم» كول لدعمه في معركة انتخابية سابقة وتزامن التبرع بالمبلغ - كما يقال حتى الآن - مع إقدام الشركة الفرنسية على شراء شركة المانية بتأثير حكومة كول، وبشروط لم تكن ترشح الشركةالفرنسية للصفقة.
ومعروف أن الشركات الصناعية تدخل في مفاوضات سنوية عسيرة، ترافقها الضغوط المتبادلة مع النقابات والإضراب عن العمل، وتسريح المضربين أو بعضهم، وقد تصل المعركة السنوية إلى التحكيم أو القضاء وذلك من أجل توفير نفقات الإنتاج على حساب العمال وأجورهم فأي سذاجة ينطوي عليها الاعتقاد أن هذه الشركات نفسها تقدم تبرعاتها بالملايين لصالح حزب في السلطة في بلدها أو خارج بلدها ثم لا تتوقع من وراء ذلك مقابلًا ماديًا، أو الاعتقاد أن الحزب يبقى فوق الشبهات فلا يظهر الامتنان في مواقفه وفي قراراته السياسية الواقع أن الصلة بين هذا وذاك أوضح من أن تحتاج إلى جدال، والأصل هو حسم المشكلة حسمًا قاطعًا بمنع مختلف أشكال الهدايا والتبرعات لصالح المسؤولين في مختلف المناصب، ولكن أين للديمقراطيات الغربية ذلك دون مبدأ تنظيمي وتوجيه وجداني وأرضية قويمة من قبيل ما صنعته وتصنعه كلمة: «من أين لكهذا؟..»
إن القوانين التي تنظم واردات الأحزاب ونفقاتها في الديمقراطيات الغربية، تترك كما في المانيا ذلك الخيط الرفيع الغامض، لا الفاصل فصلًا حقيقيًا، بين التبرع المشروط علنًا، وهذه حالة نادرة تستدعي أن تتوافر لها الإثباتات عبر الأوراق وأقوال الشهود وغيرها من الأدلة القضائية المعتبرة، وبين الحالات الأوسع انتشارًا ولكن لا يمكن تقديم أدلة معتبرة قضائية لإثبات وقائعها، فيبقى لمستقبل المال آنذاك حق تسميته تبرعًا وهدية وما شابه ذلك، ولا يسري عليه وصف الرشوة أو الفساد، وإن كان القاصي والداني يعرف مسماه الحقيقي. 

وكان المستشار الألماني السابق هيلموت كول قد استعان فور البوادر الأولى لسقوط الستار عن الفضيحة المالية الراهنة، بأحد معاونيه للاستيلاء من داخل المقر الرئيس للحزب على سجل الحسابات المالية السرية للفترة التي كان مسؤولًا فيها. ثم أعلن كول بعد استشراء أمر الفضيحة رفضه القاطع أن يبوح بأسماء ثلاث جهات تبرعت عن طريقه ببضعة ملايين من الماركات «نقدًا» لصالح حزبه. وعلل كول رفضه بدعوى أنه أعطى تلك الجهات «وعد شرف» ألا يكشف عن اسمها، ولكن من العسير استيعاب قيام شركة من الشركات بحجب اسمها عن الرأي العام وهي التي تعيش عادة على الدعاية، وأن تستغني بكتمان اسمها عن التسهيلات الضرائبية التي يحصل عليها كل متبرع لحزب ما، على حسب حجم تبرعه فعلام الإصرار إذن على عدم كشف أسماء الجهات المتبرعة؟ ثم هل سيبقى الأمر في حدود كول وبعض أعوانه، وحدود زهاء ثلاثة ملايين مارك دخلت عن طريقه، أم ستتسع دائرة المشتبه بهم بعد أن كشف أول تقرير منجانب مدققين اقتصاديين، وجود اثني عشر مليون مارك لا نعرف أسماء المتبرعين بها؟ 

دولة القانون وسيادة القضاء تلك مزية معروفة عن الأنظمة الديمقراطية ولا يستهان بشأنها، ولا غنى عنها في مجتمع يريد أن يسودفيه الأمن والاطمئنان، ولكنها باتت في الآونة الأخيرة الراية التي ترفع عاليًا عند الحديث عن فضائح أهل الغرب للتغطية بها على سائر المفاسد الأخرى، أو باتت بمثابة صك الغفران الذي يعطيه للغرب بعض أصحاب الأقلام التي تتابع في وسائل إعلامنا ما ينكشف من فضائح على مختلف المستويات وكان من الأمثلة الصارخة على ذلك متابعة ما كان مع كلينتون، إذ لم ينقطع نشر تحليلات يدور محورها حول مقولة رئيسة مفادها: «ما أفضل ذلك النظام الديمقراطي الذي يصل برئيس الدولة إلى المحاسبة السياسية والقضائية ولم يعد يشين ذلك النظام نفسه أن أوصل الفاحشة» إلى البيت «الأبيض» في بلد تمنع قوانينه من تعيين المدمن على الفاحشة في منصب مسؤول يطلع على بعض أسرار الدولة، لأنها لا تأتمنه آنذاك على الأسرار وتخشى وقوعه فريسة مخابرات أجنبية تغريه 
لا ينبغي إطلاقًا التهوين من شأن حرية الكلمة وهي في مقدمة ضمانات الكشف عن الفساد والانحرافات في أجهزة الدولة، ولا التهوين إطلاقًا من شأن سيادة القضاء فذاك ما لا غنى عنه للإحساس بالأمن في أي مجتمع من المجتمعات ولكن لا ينبغي بالمقابل التهوين إطلاقًا من شأن ما وصل إليه مفعول إعطاء السيادة للمادة على حساب القيم والنظام على حساب الوازع الداخلي، وللنصوص القانونية على حساب التربية الأخلاقية، بدلًا من حفظ التوازن بين جميع ذلك في وقت واحد وهذا بالذات ما لا نعرفه عن أي نظام من الأنظمة الوضعية، ولكن هو ما عرفناه عن منهج الإسلام وهو الذي أوصل في دولة الإسلام الأولى إلى بقاء ابن الخطاب عامًا كاملًا في منصب القضاء في عهد أبي بكر -رضي الله عنهما - دون أن تعرض على القضاء قضية، وأوصل إلى قصص من واقع الحياة وواقع المجتمع، أصبحنا نتعامل معها وكأنها من الأساطير ووحي الخيال، وما هي كذلك، ولكن لشدة بعد مضامينها عن واقع نعايشه ونسجن أنفسنا وتصوراتنا فيه كقصة أمير المؤمنين علي كرم الله وجهه مع الخصم اليهودي أمام عدالة القضاء أو قصة ابن الأكرمين مع المواطن القبطي أمام عدالة الحكم. أو قصة صلاح الدين الأيوبي مع أسراه من ملوك الصليبيين بتأثير عدالة الإسلام في أعماق الوجدان، لا ينبغي التهوين من شأن مزايا كبيرة وعديدة في النظام الديمقراطي، ولكن نحتاج إلى ما يتجاوز رداء الديمقراطية إلى تصورات ومناهج وممارسات سلوكية ترسخ مكامن الفساد وأسبابه وتنشرها، وتفرغ بذلك مزايا الديمقراطية، وسائر القيم الإنسانية من مضامينها الأصلية في واقع الحياة.

الرابط المختصر :