العنوان إشكالية الشرعية
الكاتب مصطفى الطحان
تاريخ النشر الثلاثاء 05-أغسطس-1997
مشاهدات 70
نشر في العدد 1261
نشر في الصفحة 33
الثلاثاء 05-أغسطس-1997
قبل شهرين أجريت الانتخابات البرلمانية في الجزائر.. وهي الثانية بعد تلك التي جرت عام 1991م، والتي فازت فيها الجبهة الإسلامية للإنقاذ بأكثرية المقاعد في الجولة الأولى، ولم تكن النتائج ستتغير كثيرًا لو سمح للعملية الانتخابية أن تصل للدور الثاني.
كانت نتائج الانتخابات كما يلي: حصل التيار الوطني «الحاكم حاليًا وسابقًا» على ٥٧% والتيار الإسلامي على ۲۸% وحصلت حوالي سبعة أحزاب أخرى على البقية ١٥%.
والانتخابات في الجزائر هي إحدى المفاصل السياسية التي تستحق منا وقفة متأنية تدرس فيها النتائج، وتحلل المواقف، وتُستخلص العبر من هذا الحدث الذي يعتبره البعض شكليًّا، ونراه غير ذلك، فالانتخابات في الجزائر تهم ولا شك البلد الذي يتعرض للمذبحة منذ عام ۱۹۹۱م، وتهم أيضًا منطقة الشمال الإفريقي بكاملها، فالجزائر دولة مهمة في محيطها، وهي جزء من الصراع الغربي «الفرنسي– الأمريكي» على المنطقة، بالإضافة إلى تأثير الحدث على الحركة الإسلامية في العالم، فجبهة الإنقاذ عام ١٩٩١م وحركة
حماس والنهضة عام ۱۹۹۷م حركات إسلامية وإن اختلفت في الأداء، ويوم كانت الصحف الغربية تدرس الحركة الأصولية في شمال إفريقيا، كانت مهتمة بتأثيرها على مصر ومناطق الشرق الأوسط بالدرجة الأولى.
وابتداءً نقول: إن لهذه الانتخابات أهمية خاصة، وهي مع الانتخابات الرئاسية التي فاز فيها الرئيس زروال، والانتخابات البلدية المزمع إجراؤها قريبًا، تشكل نوعًا ما عودة إلى الشرعية التي أنهاها الجيش بانقلابه عام ١٩٩٢م، والذي أقال الشاذلي بن جديد، وألغي المرحلة الثانية للانتخابات، وحل الجبهة الإسلامية للإنقاذ.
وطبعًا لن يقبل منا كثيرون مثل هذا الكلام، ففي رأيهم أن الشرعية انحصرت في انتخابات عام ١٩٩١م، وعندما ألغاها الجيش انتهت هذه الشرعية إلى الأبد، وإن البديل هو استرجاعها بقوة السلاح.
ونحن نؤكد أن لجبهة الإنقاذ كل الحق في المطالبة بشرعية سلطتها، ولكن بالأسلوب السياسي والديمقراطي الذي ارتضته لنفسها، وأن الشرعية الجديدة التي أحكم زمامها الجيش من وراء ستار ليست هي الشرعية التي يتوخاها الشعب الجزائري أو يرتضيها محبو الجزائر، ولكنها نوع من شرعية التغلب القائمة في كل بلدان الشرق الأوسط، بل ربما كانت أجودها، وإذا كانت هذه الشرعية قد اكتفت بنسبة ٤٠% لحزبها، فإن أحزابًا أخرى ما زالت تتحكم بقرار بلادها بالبلطجة، ولا تكتفي بأقل من نسبة ٩٩%، ولهذا أرى من الواقعية أن نقول إن الشرعية التي قامت في الجزائر لا بأس بها، بل أحسن من غيرها.
بعض المحللين قالوا إن هذه الانتخابات لن توقف النزيف الدموي المستمر، ولن تخرج الشعب من النفق المظلم الذي أدخل فيه، ولن تغير من عقلية الأمن الوطني الجزائري الذي يرى استئصال الجماعات الإسلامية التي حملت السلاح، ونحن نوافق على هذا الرأي، ولكننا نتساءل: ما المخرج؟ هل يعتقد عاقل أن الجيش سيتراجع، ويقدم اعتذاراته، ويأسف للأوضاع المأساوية؟
إن شيئًا من ذلك لن يتم، وعلى الجماعات الإسلامية على اختلاف أسمائها أن تعيد حساباتها، وتتقي ربها بشعب الجزائر المسلم، وتتوقف عن عمليات الذبح، سيقولون لك: ولكن أکثر الذبح تتولاه السلطة مباشرة أو عن طريق الاختراق، ومع الإقرار بهذه الحقيقة التي يعترف بها كل العالم، إلا أن الوسيلة الوحيدة الممكنة هي توقف الإسلاميين عن «هذا القليل من الذبح» والعودة إلى الشعب، تخاطبه بأسلوب إسلامي سلمي ليتحمل مسؤولياته في الدفاع عن شرعيته، فلا الإسلام ولا غيره من الأديان يعطي لعامة الناس الحق في فرض أفكارهم بقوة السلاح، أما السلطة فسيحاسبها الشعب عاجلاً أم آجلاً.
نعود للقضية الأهم في تقديرنا، والتي هي في صلب اهتمامنا، وهي موقف الحركة الإسلامية الجزائرية، حركة مجتمع السلم التي يرأسها محفوظ النحناح، وحركة النهضة التي يرأسها عبد الله جاب الله، فلقد تعرضت الأولى منها- على وجه الخصوص- إلى حملة ظالمة، فقد اتهمها بعضهم بأنها مجرد لاعب عديم الرؤية، هدفه ضرب جبهة الإنقاذ، ووراثة التيار الإسلامي بكامله في الجزائر «كما عبر عن ذلك الكاتب الجزائري منصف مرزوق»، وأنها مجرد لعبة بيد النظام، دخلت الانتخابات لإعطاء شرعية للنظام.
بل إن بعض المتحمسين المحسوبين على التيار الإسلامي «عزام التميمي- الوطن الكويتية ١٣/6/۱۹۹۷م» كتب يقول: «إن الأحزاب الإسلامية في الجزائر لم تستوعب اللعبة، وإن مشاركتها في الانتخابات البرلمانية والرئاسية من قبل، يقع ضمن إطار نجاح النظام الجزائري في استدراجها واستغفالها للحصول على الشرعية المطلوبة الإجراء مراسم دفن العملية الديمقراطية التي اغتيلت في يناير عام ۱۹۹۲م، فبدون مساعدة هذه الأحزاب الإسلامية ما كان النظام الجزائري ليتمكن من معالجة تقصيره في ضبط العملية الديمقراطية، لقد مارس النظام الجزائري لعبته مستغلاً قيادة العمل الإسلامي التي ما زال ينقصها الكثير من النضج، والتي ظن بعضها في لحظة من اللحظات بأنه الأكثر شعبية في البلاد.
ثم يقول الكاتب: قد يحقق الذين شاركوا في إقامة الديكور الديمقراطي بعض مصالح ذاتية آنية، مثل أن يصبحوا رموز الاعتدال الإسلامي، والذي يعني الحظوة لدى أولياء الأمر في النظام الدولي، ومثل أن يشاركوا في الوزارة، ومثل أن تسلط عليهم الأضواء كل حين باعتبارهم رموزًا سياسية وزعامات إسلامية، لقد أسهموا بإخلاص في تعطيل المسار الديمقراطي الحقيقي لسنوات طويلة قادمة.
ونأسف ابتداء للقارئ الذي نحترم عقله لاستطرادنا في هذه النقول التي هاجم فيها الكاتب الأستاذ محفوظ نحناح، ولا نريد أن ندافع عن الأستاذ نحناح، فإن تجربته العملية الطويلة، وصبره على اغتيال إخوانه، وفهمه العميق المجريات الأمور، واختياره الأنسب، وتشاوره مع إخوانه، يكفي للحكم على الرجل وعلى حركته.
وأستطيع أن أؤكد للكاتب أن حركة السلم الموجودة في الميدان، والتي تتحمل كل تبعات وجودها من نظام لا يرحم، ومن إرهاب لا يرحم أيضًا، مدركة لكل مخاطر المرحلة، وحسبت حساباتها جيدًا، واختارت الطريق الأسلم والأقوام، وديمقراطية غير كاملة خير من ديكتاتورية ظالمة.
وللأخ النحناح الله من الكتاب الذين لا يرحمون، وينسبون لأنفسهم كل الوعي، ويعطون لأنفسهم منصب الخصم والحكم.
وأخيرًا.. قلوب المسلمين مع البلد الشقيق، بلد الثورة على الظلم، بلد المليون شهيد، ويدعون لإخوانهم بأن يربط الله على قلوبهم، وينجيهم من الطغيان.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل