العنوان أزمة حركة فتح: غياب الرؤية و «مشاعية» المواقف
الكاتب عبد الرحمن فرحانة
تاريخ النشر السبت 31-يوليو-2004
مشاهدات 76
نشر في العدد 1611
نشر في الصفحة 25
السبت 31-يوليو-2004
منذ انطلاقتها بتفجير نفق عيلبون عام ١٩٦٥ وحتى أوسلو مرت فتح بمسار بياني حاد التذبذب، من أعلى نقطة عند معركة الكرامة إلى أدناها في محطة أوسلو التي لم يوافق عليها نحو نصف اللجنة المركزية للحركة.
وتعاني الحركة في المرحلة الحالية من ترهل تنظيمي وتآكل واضطراب على مستوى الطروحات السياسية وتراجع في شعبيتها، وربما لولا ظهور كتائب الأقصى وأدائها النضالي أثناء انتفاضة الأقصى الجارية لكانت صورة الحركة أصعب من شكلها الحالي، ويمكن التأشير على بعض شواهد الأزمة بالتالي:
- تراجع دورها وتمثيلها في الجامعات وتدني نسب تأييدها في استطلاعات الرأي العام داخل فلسطين.
- تفشي مظاهر الفساد التنظيمي والسياسي والمالي بين كوادرها وفق اعترافات قيادييها من أوساط الشباب أمثال قدورة فارس الذي يقول في مقابلة صحفية: "أنا وزير راتبي الشهري ٦٥٠٠ شيكل وقبلها كنت أتقاضى كتائب راتبًا يزيد قليلًا على ۸۰۰۰ شيكل، لكنني مديون، فهل لك أن تفسر لي كيف يعيش أعضاء اللجنة المركزية؟ إنهم يعيشون كالأمراء".
- غياب المؤسسات القيادية وفشلها في إنتاج برنامج اقتصادي واجتماعي باعتبار أن قيادات الحركة هي دينامو السلطة، وفي هذا الإطار يقول صخر بسيسو نائب أمين سر المجلس الثوري: "كنا في السابق نتحدث عن القتال أما اليوم فنتحدث عن بناء مجتمع وهذا يتطلب منا برنامجًا يجيب عن أسئلة المواطن بشأن حقه في التعليم والعلاج والوظيفة، ولا أدري إن كانت هناك برامج حقيقية في فتح".
المراقب للمشهد الفلسطيني بلمس جوانب عدة من أوجه الأزمة التي تمر بها الحركة، كما أن قيادييها وكوادرها أنفسهم يصرحون بذلك ويتحدثون في أكثر من مناسبة عن ترهل الحركة وتراجع أدائها التنظيمي والسياسي. وفيما يلي بعض المحطات التي ترصد مظاهر الأزمة:
- غياب الرؤية الاستراتيجية وإيغال قياداتها في البراجماتية تحت ستار الواقعية، مما أدى لتآكل الجدار الفاصل بين الاستراتيجي والتكتيكي وبالتالي ضياع الثوابت واجتياز كل الخطوط الحمر التي حددتها كل الأدبيات الوطنية الفلسطينية وعلى رأسها الميثاق الوطني، وضمن هذا الحراك المضطرب تولدت رؤى سياسية متناقضة نحو مستجدات الساحة السياسية الفلسطينية مثل مسألتي الهدنة ووثيقة جنيف، وهذا تأكيد المقولة عباس زكي عضو اللجنة المركزية حول أزمة فتح إذ يقول "إنها تعاني من مشاعية المواقف وغياب وحدة اللغة".
وقوعها في شرك إشكالية السلطة والحركة، وتداخل الهياكل القيادية لكلتيهما. خاصة أنه في بعض المراحل كان يدمج بين مجلس الوزراء ومركزية فتح واللجنة التنفيذية للمنظمة والوفد المفاوض تحت القيادة الفلسطينية.
لم تتولد في رحم الحركة رؤى فكرية وسياسية ناضجة ومتماسكة تتعاطى مع الحركة كحالة ثورية وكذلك مع السلطة التي تنزع الإطار شبيه بالدولة، وهي على العموم امتداد للإشكالية القائمة للحالة الفلسطينية الراهنة من منظور تمييزها: هل هي حالة تحرر وطني أم في طور بناء الدولة؟ وبطبيعة الحال فإن لكلتا الحالتين أطرهما التنظيمية وبرامجهما السياسية، وعدم الفصل بينهما يربك العمل كما هو قائم ميدانيًا.
- غياب الآلية الديمقراطية كأداة لتجديد الكوادر حيث سعت قيادة الحركة لعقد مؤتمرات للإقليم داخل فلسطين على أسس غير تنظيمية وعلى قاعدة العشائرية والعائلية والنفوذ المالي، وتتحدث أوساط داخل الحركة عن أن اللجنة المركزية الحالية تؤخر عمدًا عقد المؤتمر السادس للحركة لانتخاب الأطر القيادية الجديدة، علمًا بأن المؤتمر الخامس مضى على انعقاده قرابة ١٥ سنة، ويلاحظ أن العناصر التي دشنت كتائب الأقصى هي من الوسط الشبابي أمثال ناصر عويص وحسين عبيات ورائد الكرمي وزكريا الزبيدي وغيرهم، وهم على غير وفاق مع مؤسسات الحركة بل إن قيادات الحرس القديم بذلوا مجهودات حثيثة لتدجين هؤلاء الشباب واحتوائهم.
- استمرار غياب الرؤية الأيديولوجية منذ نشأة الحركة واعتمادها أجندة وطنية فضفاضة تحتمل تأويلات متباينة من قبل عناصر الحركة بخلفياتهم المختلفة، ولعل أكبر شاهد على اضطراب الرؤية أن نصف أعضاء اللجنة المركزية كانوا رافضين لأوسلو كما يذكر صخر حيش، أحد قيادييها.
تنامي واتساع الفجوة بين القيادة والقاعدة وما استتبعه من عجز الحركة عن تسويق برامجها وشعاراتها في الشارع الفلسطيني، وضعف التواصل الحركي بين الأقاليم داخل فلسطين وخارجها. وحول هذه الفجوة يتحدث عبد الله الزغاري أحد مسؤولي حركة الشبيبة التابعة للحركة قائلاً: "الجيل الشاب في فتح ناضل وخاض معارك وتجارب طويلة في السجون والجامعات والأوساط الشعبية.. ولكن بعد قيام السلطة وعودة المؤسسات القيادية إلى الوطن وجد هذا الجيل نفسه مهمشًا لا مستقبل له، فأثر الكثير من كوادره التنحي".
مستقبل الحركة يراه بعض المراقبين مرهونًا بمدى التوجه الديمقراطي داخل مؤسساتها لإدخال دماء جديدة في الأطر القيادية وتفعيل دور المؤسسات بالإضافة إلى توافق تنظيمي من خلال حوار داخلي معمق على برنامج سياسي موحد لتوحيد الرؤية.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل